من القطيعة إلى المصالحة.. كيف طوت الرباط ودمشق سنوات الخلاف بعد سقوط نظام الأسد؟
أعادت سوريا، اليوم الخميس 14 ماي 2026، فتح سفارتها في الرباط بعد سنوات طويلة من القطيعة الدبلوماسية والتوتر السياسي بين البلدين، في خطوة تحمل أبعادا تتجاوز مجرد استئناف العلاقات الثنائية، لتؤشر على تحولات عميقة في التوازنات السياسية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد وصعود السلطة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع.
فالحدث الذي شهدته الرباط اليوم وكان حلما بعيد المنال للكثيرين قبل سنوات قليلة، لا يرتبط فقط بإعادة فتح بناية دبلوماسية ظلت مغلقة لسنوات، بل يمثل نهاية أكثر مراحل العلاقات المغربية السورية توترا، في مرحلة بدأت بوضوح مع اندلاع الثورة السورية سنة 2011، وبلغت ذروتها مع اصطفاف المغرب الواضح إلى جانب مطالب الشعب السوري، مقابل تمسك نظام الرئيس المعزول بشار الأسد بتحالفاته الإقليمية، وعلى رأسها دعمه لجبهة البوليساريو الانفصالية.
2011.. الثورة السورية وبداية الشرخ بين الرباط ودمشق
مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا في مارس 2011 ضمن موجة الربيع العربي، اتخذ المغرب منذ البداية موقفا مغايرا لعدد من الأنظمة العربية التي فضلت التريث أو دعم النظام السوري، حيث اختارت الرباط خطابا يقوم على دعم تطلعات الشعب السوري إلى الحرية والإصلاح، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها، غير أن تطور الأحداث وتحول الاحتجاجات إلى مواجهة دامية بين النظام والمعارضة ودخول جهات أخرى على الساحة السورية، دفع المغرب إلى رفع سقف مواقفه السياسية والدبلوماسية تجاه دمشق.
وخلال اجتماعات الجامعة العربية بين سنتي 2011 و2012، دعم المغرب بشكل واضح القرارات العربية التي أدانت قمع النظام السوري للمتظاهرين، كما ساند قرار تجميد عضوية سوريا داخل الجامعة العربية، وهو القرار الذي شكل آنذاك ضربة سياسية قوية لنظام بشار الأسد داخل محيطه العربي.
وفي تلك الفترة، كان المغرب يقدم نفسه كأحد الأصوات العربية الداعمة للحل السياسي القائم على الانتقال السياسي، وليس فقط الإصلاحات الشكلية، وهو ما جعل العلاقة بين البلدين تدخل مرحلة برود حاد سرعان ما تحول إلى قطيعة كاملة، كما أن المغرب، احتضن واحدا من مؤتمرات القوى الداعمة للمعارضة في بداية الثورة.
2012.. المغرب يغلق سفارته في دمشق
في فبراير 2012، ومع توالي تطور الأحداث على الأراضي السورية، أعلن المغرب رسميا إغلاق سفارته في العاصمة دمشق، احتجاجا على استمرار العنف ضد المدنيين، وجاء القرار في سياق تصاعد الضغوط العربية والدولية على نظام الأسد، بعد تزايد أعداد القتلى واللاجئين واتساع رقعة المواجهات المسلحة داخل سوريا.
إغلاق السفارة المغربية اعتبر آنذاك من أقوى المواقف الدبلوماسية التي اتخذتها الرباط تجاه النظام السوري، خاصة أن المغرب حافظ تاريخيا على علاقات مستقرة نسبيا مع دمشق رغم بعض الخلافات السياسية السابقة، وبعد القرار المغربي، تقلص الحضور الدبلوماسي السوري في الرباط بشكل تدريجي، قبل أن تتوقف أنشطة السفارة السورية بشكل شبه كامل في السنوات التالية، لتدخل العلاقات بين البلدين مرحلة جمود طويلة استمرت لأكثر من 13 سنة.
السفارة السورية بالرباط.. فضاء للاحتجاجات
خلال سنوات الحرب السورية، لم يكن مقر السفارة السورية بحي السويسي في الرباط مجرد بعثة دبلوماسية صامتة، بل تحول إلى أحد أبرز رموز التضامن المغربي مع الثورة السورية، فمنذ 2011، شهد محيط السفارة عشرات الوقفات الاحتجاجية التي نظمها سوريون مقيمون بالمغرب إلى جانب هيئات سياسية وحقوقية ومدنية مغربية، رفعت خلالها شعارات داعمة للثورة السورية ومنددة بمجازر النظام السوري.
وشاركت في تلك الوقفات أطياف سياسية مختلفة، في مشهد نادر جمع مكونات متباينة حول موقف موحد داعم للشعب السوري، كما كانت صور الأطفال السوريين وضحايا القصف حاضرة بقوة في المظاهرات، وشهادات العائدين من السجون السورية، إلى جانب الأعلام السورية الخاصة بالمعارض
وفي المقابل، اعتبرت السلطات السورية آنذاك أن الموقف المغربي “منحاز” للمعارضة السورية، خاصة مع احتضان الرباط لاجتماعات ومؤتمرات داعمة للمعارضة في مراحل مختلفة من الأزمة.
المغرب ودعم المعارضة السورية سياسيا وإنسانيا
الموقف المغربي من الأزمة السورية لم يكن رمزيا فقط، بل اتخذ أشكالا متعددة سياسيا وإنسانيا، فعلى المستوى السياسي، حافظ المغرب على علاقات مع أطياف من المعارضة السورية، ودعم داخل المنتظم الدولي مختلف المبادرات الرامية إلى تحقيق انتقال سياسي وإنهاء الحرب.
أما على المستوى الإنساني، فقد أطلق المغرب عدة مبادرات لإغاثة اللاجئين والنازحين السوريين، تنفيذا لتعليمات مباشرة من الملك محمد السادس، سواء عبر مساعدات غذائية وطبية أو عبر حملات إنسانية في مخيمات اللاجئين بعدد من الدول، وكان من أبرزها دعم اللاجئين السوريين في مخيم الزعتري على الأراضي الأردنية، حيث أقيمت مستشفيات ميدانية وقدمت إليهم رعاية مغربية خاصة.
كما استقبل المغرب آلاف السوريين خلال سنوات الحرب، قبل أن تشدد السلطات لاحقا إجراءات الدخول بسبب تعقيدات أمنية وإقليمية مرتبطة بالأزمة.
قضية الصحراء.. عقدة تاريخية في العلاقات بين البلدين
ورغم أن الثورة السورية فجرت الخلاف بشكل علني، إلا أن التباعد بين الرباط ودمشق لم يكن وليد سنة 2011 فقط، بل ارتبط أيضا بموقف النظام السوري من قضية الصحراء المغربية، ففي عهد حافظ الأسد ثم خلال فترة حكم بشار الأسد، احتفظت دمشق بعلاقات وثيقة مع جبهة “البوليساريو” الانفصالية، في انسجام مع المحور الإقليمي الداعم للجبهة، خاصة الجزائر.
ووصل التوتر ذروته سنة 2022 حين سمحت السلطات السورية بفتح تمثيلية للجبهة في دمشق، وهو القرار الذي أثار غضبا واسعا في المغرب واعتبر استفزازا مباشرا للوحدة الترابية للمملكة، واعتبر المراقبون آنذاك أن النظام السوري كان يحاول استخدام ملف الصحراء كورقة سياسية ضمن تحالفاته الإقليمية، خصوصا في ظل تقاربه القوي مع الجزائر وإيران.
سقوط الأسد وصعود أحمد الشرع.. بداية التحول
التحول الحقيقي في العلاقات المغربية السورية بدأ بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية سنة 2024، وصعود السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، والتي أعلنت منذ الأشهر الأولى رغبتها في إعادة بناء العلاقات مع الدول العربية التي شهدت توترا مع دمشق خلال المرحلة السابقة.
وفي هذا السياق، كان المغرب من أوائل الدول العربية التي أبدت انفتاحا على السلطة السورية الجديدة، حيث أكد وزير الخارجية ناصر بوريطة دعم المملكة لوحدة سوريا واستقرارها، مع احترام إرادة الشعب السوري وخياراته السياسية، كما أعلنت الرباط إعادة فتح سفارتها في دمشق بعد أكثر من عقد على إغلاقها، في خطوة قرئت باعتبارها مؤشرا على الثقة في المسار السياسي الجديد داخل سوريا.
وتبعا لذلك، لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني اليوم الخميس للرباط بمواقف واضحة وقرار جاهز لفتح السفارة في الرباط بالمفاجئة، حيث سبقتها عدد من الاتصالات الثنائية المعلن عنها بينه وبين نظيره المغربي، وجمعتهم لقاءات ثنائية مباشرة في عدد من المحافل الدولية.
سوريا الجديدة تراجع موقفها من “البوليساريو“
أحد أبرز التحولات التي رافقت التقارب الجديد بين البلدين يتمثل في التغيير الواضح في موقف دمشق من قضية الصحراء المغربية، فمع وصول السلطة الجديدة، بدأت تظهر مؤشرات على مراجعة العلاقات السابقة مع جبهة “البوليساريو” الانفصالية، خاصة في ظل سعي القيادة السورية الجديدة إلى بناء علاقات متوازنة مع الدول العربية وإعادة تموقع سوريا إقليميا بعيدا عن سياسات المحاور التي طبعت عهد الأسد.
ويرى متابعون أن دمشق الجديدة باتت أكثر تفهما لموقف المغرب بشأن وحدته الترابية، خصوصا مع سعي السلطة السورية الحالية إلى كسب دعم عربي واسع لإعادة الإعمار ودعم مسار المصالحة، واستعادة موقع سوريا داخل محيطها الإقليمي.
المغرب.. الاستثناء المغاربي في التعاطي مع نظام الأسد
وسط هذا المسار الذي خاضه البلدان من القطيعة إلى المصالحة، يبقى من المهم الإشارة إلى أن الموقف المغربي من سوريا منذ سنة 2011 كان متفردا في المنطقة المغاربة، حيث تبنى المغرب منذ اندلاع الثورة السورية موقفا واضحا داعما لمطالب الشعب السوري، في خطوة جعلته الدولة المغاربية الأكثر تشددا تجاه النظام السوري.
في المقابل، حافظت الجارة الشرقية الجزائر على دعمها السياسي والدبلوماسي للأسد، وواصلت الدفاع عن عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، بينما اختارت موريتانيا الإبقاء على علاقاتها مع دمشق وعدم الانخراط في سياسة القطيعة، فحتى لو لم تعبر موريتانيا عن ذلك بنفس مستوى الحماس الجزائري، إلا أنه كان الملفت خلال السنوات الأخيرة من نظام الأسد، تسجيل استقباله لوفود رسمية موريتانية، كان من آخرها وفد من البرلمانيين، في وقت كانت فيه الزيارات العربية إلى دمشق نادرة بسبب العزلة الدولية المفروضة على النظام.
هذا التباين في المواقف، جعل المغرب يبدو لسنوات الاستثناء المغاربي الوحيد الذي اصطف بشكل واضح إلى جانب الثورة السورية، وهو ما يفسر سرعة التقارب الحالي بين الرباط والسلطة السورية الجديدة بعد سقوط نظام بشار الأسد.