رسالة الكبش
لم نخصّص هذا الركن، منذ أكثر من أسبوع، لموضوع عيد الأضحى ركوبا لموجة عابرة، ولا بحثا عن إثارة موسمية، أو تحاملا على أحد.
فعلنا ذلك لأن الكبش، هذه السنة، لم يعد مجرّد حيوان، بل صار رسالة سياسية واجتماعية واقتصادية مكشوفة، لا تحتاج إلى تأويل.
رسالة الكبش إلينا تقول إن شيئا عميقا اختل في هذا المغرب، وإن الفساد لم يعد محاصرا في الهوامش التي كنا نعتقد أنه يقيم فيها، بل صار يفيض عن حدوده، ويغمر الأسواق والبيوت والجيوب والقلوب، ويصل إلى أكثر اللحظات حميمية في حياة المغاربة.
يصل إلى عيدهم، وفرحهم، وكرامتهم الاجتماعية، وقدرتهم على أن يدخلوا السرور على أبنائهم.
غدا الأربعاء 27 ماي 2026 يحلّ العيد، لكنه هذه السنة يصل محملا بأكثر من معنى. لن يحمل معه سؤال “بشحال هاد المبروك؟” فقط، بل يأتي ومعه سؤال “من حوّل شعيرة قائمة على السعة والفرح وصلة الرحم، إلى امتحان مذل للقدرة الشرائية، وإلى سباق يائس خلف خروف يزداد اختفاء وغلاء كلما اقترب العيد؟”.
هذه ليست أزمة خروف نادر، ولا أزمة كساب صغير يبحث عن خمسمائة درهم إضافية في موسم قصير. الأزمة الحقيقية في “الفراقشية” الكبار الذين صاروا، مع الوقت فئة لا تستثمر في الوطن، بل في أزماته. تربح من الدعم، ومن الغلاء، ومن الخوف، ومن الصمت، وتربح أكثر حين ينخفض الوعي، ويقتنع المواطن بأن قدره أن يبقى وحده أمام السوق، عاريا من الحماية، مكشوفا أمام الجشع، بلا دولة تردع، ولا مؤسسات توازن، ولا سياسة تحميه.
لقد رأينا، بالعين المجردة، ما لم تعد تنفع معه لغة التبرير. رأينا حكومة تُحدِّثنا منذ سنوات عن دعم القطيع، وتجديده، وتوفير العرض، وفتح الاستيراد، وتعبئة الملايير، ثم وجدنا أنفسنا أمام أسواق مشتعلة، وأضاحٍ غير كافية، وأسعار لا يضبطها منطق.
لقد تحركت “الدولة العميقة”، قبل أسبوع واحد من العيد. تحركت لأنها شعرت، مرة أخرى، بأن الأمر تجاوز الحكومة، وتجاوز القدرة على دفن الرأس في الرمل. كما تحركت السنة الماضية، حين جاء النداء الملكي بعدم القيام بشعيرة الأضحية، رفقا بالناس، وحماية للقطيع، ومنعا لمجزرة اقتصادية واجتماعية كانت تلوح في الأفق.
رأينا هذه السنة عودة السلطة إلى أدوات قديمة وبالية: رجالها ونساؤها في الأسواق، يوجهون أوامر مباشرة، ويتدخّلون في البيع والشراء. ورأينا مشهد “القايدة” التي تأمر كسّابا بأن يبيع خروفه بخمسين ألف ريال لا أكثر، كما لو أن الدولة التي عجزت عن ضبط السلسلة كلها قررت، في آخر لحظة، أن تبدأ من الحلقة الأضعف.
لا أعتقد أن ما وقع كان مجرد شطط. ولا أعتقد أن السلطة تحركت لأنها تستمتع بالتدخل في ممتلكات الناس. ما حدث أقرب إلى محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعدما بلغ السيل الزبى، وانفرطت حبات العقد، وفشلت السياسات، وظهر أن المال العام الذي خرج باسم المواطن لم يصل إليه.
لكن السؤال المرعب هو: هل يمكن علاج اختلال عميق في العقد الاجتماعي بتعليمات شفوية تصدر داخل رحبة؟
كلا. رسالة الكبش واضحة: الخلل لم يعد قطاعيا. ليس في الفلاحة وحدها، ولا في التجارة وحدها، ولا في الأسواق وحدها. الخلل في العقد الاجتماعي نفسه.
في تلك المسافة التي اتسعت بين المواطن والدولة، وبين القانون ونفاذه، وبين المؤسسات ووظيفتها، وبين السلطة ومن يفترض أنها تحكمهم لا أن تخضع لابتزازهم.
الخلل يا إخوتي في أقلية أوليغارشية تمكنت من التسلل إلى مفاصل الاقتصاد، والإعلام، والقرار، والأسواق، والصفقات، والدعم، والوساطة، وصناعة الرأي.
أقلية صارت تربح من كل شيء، من الفرص كما من الأزمة ومن علاجها، تربح من الدعم ومن فشله، ومن السوق ومن غيابه، ومن القانون ومن تعطيله.
هؤلاء لا يهددون المواطن وحده في قوته وخبزه ورزقه اليومي. إنهم يهددون الدولة. يهددون شرعيتها حين تجعلهم السياسات العمومية يظهرون كأنهم أقوى من القانون. ويهددون استقرارها حين يحولون المواطن إلى زبون مكره داخل وطنه.
لقد عرفنا منذ كتابات ابن خلدون الأولى أن الدول لا تقوم على القوة فقط، ولا تستمر بالهيبة وحدها، ولا تكفيها الأجهزة، ولا الخطابات. الدولة تقوم، قبل كل شيء، على حد أدنى من الثقة، ومن فعلية القانون الذي لا ينفّذ على الضعفاء وحدهم.
لذلك، لا يكفي أن نفتح تحقيقا أو نصف تحقيق أو ربع تحقيق. ولا يكفي أن نضخ مزيدا من الملايير في المسارات نفسها التي ابتلعت الأموال السابقة. ولا يكفي أن نضع وزارة الداخلية وصية على الفلاحة في الأسبوع الأخير قبل العيد. ولا يكفي أن نبحث عن كبش فداء صغير، في شكل كسّاب صغير ومقهور في قبضة “القايدة”.
ما نحتاجه وبشكل عاجل هو مراجعة شاملة للمسار، واستعادة لمعنى السياسة، وإعادة بناء التوازن بين السوق والمجتمع، وبين السلطة والمال، وبين الدولة والمواطن.
لقد رأينا كيف يمكن لخروف أن يفضح دولة اجتماعية لم تكتمل، وسوقا محررة بلا حماية، وحكومة لا تملك الشجاعة أو الإرادة أو القدرة على مواجهة من يفترض أنها تحكمهم.
ورأينا كيف أن العيد، الذي كان مناسبة للفرح، صار عند كثير من الأسر مناسبة للحسرة والخوف من الفشل الاجتماعي.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تنتهي هذه المقالة باليأس. لأن أكثر ما يريده الفراقشية الكبار هو أن نيأس. أن نقتنع بألا شيء يتغير. وأن ننسحب. وأن نترك لهم السوق، والدولة، والإعلام، والسياسة، وحتى اللغة.
يريدوننا أن نقبل بأن الوطن غنيمة لهم، وأننا مجرد زبناء داخله.
إن استمرار الدولة لا يكون بالتستر على أعطابها، بل بامتلاك الشجاعة لتصحيحها. والاستقرار الحقيقي لا يصنعه إسكات الغضب، بل معالجة أسبابه. والديمقراطية ليست ترفا، بل صمام أمان، لأنها تسمح للمجتمع بأن يتنفس، وللمؤسسات بأن تصحح، وللأخطاء بأن تظهر قبل أن تنفجر.
أما الفراقشية الكبار، فليتذكروا أن الإفلات من الحساب هنا لا يعني الإفلات من الحساب مطلقا. هناك حساب لا تشترى فيه الذمم، ولا تباع فيه الأصوات، ولا تغير فيه التقارير، ولا تنفع فيه العلاقات، ولا تمرر فيه الصفقات، ولا يختبئ فيه أحد خلف الشعارات.
يوم يقف كل واحد مجردا من نفوذه وماله وحراسه، وأمامه وطن كامل بما حمل من أوجاعه ودموعه وعرقه وخبزه المسلوب.
“يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِير”، صدق الله العظيم.