story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رياضة |

مونديال 1950.. “ماراكانا” يحول الحلم البرازيلي إلى مأساة خالدة في تاريخ اللعبة

ص ص

في 16 يونيو من العام 1950، لم تكن البرازيل تعيش يوما عاديا، بل كانت تستعد لاحتفال وطني ضخم ظن الجميع أنه مسألة وقت فقط.

بلاد السامبا، التي احتضنت أول نسخة من كأس العالم بعد توقف دام 12 عاما بسبب الحرب العالمية الثانية، كانت ترى نفسها بطلة للعالم قبل صافرة النهاية، لكن ما حدث على أرضية ملعب “ماراكانا” العملاق تحول إلى واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في تاريخ كرة القدم العالمية، فيما عرف لاحقا باسم “ماراكانازو”، أي ضربة ماراكانا العظيمة.

بعد نهاية الحرب العالمية نجح الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” في إعادة الحياة إلى البطولة العالمية، وقرر سنة 1946 إطلاق اسم جول ريميه على الكأس، تكريما للخدمات التي قدمها رئيس الاتحاد الدولي خلال سنوات الحرب.

وكان اختيار البرازيل لاستضافة مونديال العام 1950 أمرا طبيعيا، في ظل الدمار الذي خلفته الحرب في أوروبا، بينما كانت الدولة اللاتينية تملك من الإمكانيات والبنية التحتية القادرة على تنظيم الحدث الأكبر كرويا.

وأقيمت النهائيات بين 24 يونيو و16 يوليوز من العام 1950 بمشاركة 13 منتخبا فقط، 6 من أوروبا، و5 من أميركا الجنوبية، إضافة إلى منتخبين من أميركا الشمالية.

وشهدت البطولة عدة أحداث استثنائية، إذ دعيت البرتغال لتعويض انسحاب تركيا قبل أن تتراجع هي الأخرى، بينما رفضت فرنسا المشاركة بسبب برنامج المباريات الذي كان يفرض عليها التنقل بين مدن تفصلها مسافات شاسعة في البرازيل.

أما الهند، فدخلت التاريخ بطريقة مختلفة، بعدما رفض لاعبوها خوض المنافسات بسبب منعهم من اللعب حفاة، وهي الطريقة التي اعتادوا اللعب بها كرة القدم آنذاك.

وعرف مونديال تلك النسخة بالبرازيل تغييرا جذريا في نظام المسابقة، بعدما استجاب “الفيفا” لضغوط البرازيليين، الذين هددوا بالتراجع عن التنظيم، ليتم اعتماد نظام المجموعات في الدور النهائي بدلا من المباراة النهائية التقليدية.

وبعد انتهاء الدور الأول، تأهلت منتخبات البرازيل وأوروغواي وإسبانيا والسويد إلى المجموعة النهائية الحاسمة.

ومنذ البداية، أظهرت البرازيل قوة هجومية مرعبة، بعدما اكتسحت السويد بنتيجة 7-1، ثم أمطرت شباك إسبانيا بسداسية مقابل هدف واحد، لتدخل مواجهة الجولة الأخيرة أمام أوروغواي بثقة مطلقة.

في المقابل، عانت الأوروغواي كثيرا، إذ تعادلت مع إسبانيا 2-2، ثم انتزعت فوزا قاتلا أمام السويد بنتيجة 3-2 بفضل هدف أوسكار ميغويز قبل 5 دقائق من النهاية.

وهكذا، تحولت المباراة الأخيرة بين البرازيل وأوروغواي إلى نهائي فعلي، كان التعادل فيه يكفي “راقصي السامبا” للتتويج، بينما لم يكن أمام “السيليستي”سوى الفوز ولاشيء غيره.

وخلال الأيام التي سبقت المواجهة، عاش البرازيليون أجواء احتفالية مبكرة، وكأن اللقب حسم بالفعل، إذ خاطب عمدة العاصمة ريو دي جانيرو، أنجيلو مينديز دي مورايس، اللاعبين قائلا “ستكونون في نهاية هذا اليوم أبطالا للعالم، لا أحد على وجه الأرض قادر على إيقافكم”.

إعلاميا، الصحف البرازيلية بدورها ساهمت في تضخيم الثقة، إذ نشرت صحيفة “غازيتا سبورتيفا” صورة المنتخب على صفحتها الأولى بعنوان “هؤلاء هم أبطال العالم”، بينما كتبت صحيفة “أو موندو” ،”غدا سنهزم أوروغواي”.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد جرى نقش أسماء اللاعبين البرازيليين على 22 ميدالية ذهبية قبل خوض المباراة التي لم يعرف بعد الفائز فيها.

وفي المدرجات، تدفقت الجماهير بأعداد غير مسبوقة نحو ملعب “ماراكانا”، الذي شيد خصيصا للمونديال، حيث تراوح عدد الحضور بين 199 ألفا و210 آلاف متفرج، في أكبر حضور جماهيري عرفته نهائيات كأس العالم عبر التاريخ.

وقال النجم الأوروغوياني ألسيديس غيغيا لاحقا،”كان مشجعو البرازيل يحتفلون كما لو أنهم فازوا بالفعل بالكأس، الجميع كان يتوقع انتصارهم بثلاثة أو أربعة أهداف”.

صدمة النهائي

على أرضية الملعب، بدا السيناريو البرازيلي يسير كما خطط له، عندما سجل فرياكا هدف التقدم لمنتخب السيليساو مطلع الشوط الثاني، لتنفجر المدرجات فرحا ويقترب حلم اعتلاء منصة التتويج أكثر من أي وقت مضى.

لكن الأوروغواي رفضت الاستسلام، وعاد خوان شيافينو ليسجل هدف التعادل في الدقيقة 66، قبل أن تأتي اللحظة التي غيرت تاريخ كرة القدم البرازيلية إلى الأبد، وتحديدا في الدقيقة 79، انطلق غيغيا من الجهة اليمنى، راوغ المدافع بيغودي، ثم سدد كرة مرت قرب القائم إلى داخل الشباك، معلنا الهدف الثاني لأوروغواي وسط ذهول رهيب في المدرجات.

وقال غيغيا عن تلك اللحظة، “كان لدي جزء من الثانية لأقرر ماذا سأفعل، فقررت التسديد مباشرة” كما أنه اعترف بأنه أفضل هدف سجله في حياته، وأضاف عبارته الشهيرة، “3 رجال فقط نجحوا في إسكات ماراكانا هم فرانك سيناترا، والبابا يوحنا بولس الثاني، وأنا”، والمعنى هنا رمزي وليس حرفيا، لهذا أصبحت العبارة من أشهر الاقتباسات في تاريخ كرة القدم، لأنها تصف حجم التأثير النفسي لذلك الهدف على البرازيل وجماهيرها.

مع صافرة النهاية، خيم الصمت على الملعب الذي كان قبل دقائق يهتز بالأهازيج، وتحولت الاحتفالات إلى مأتم جماعي، إذ استقبلت المستشفيات عشرات الأشخاص الذين لم يتحملوا هول الصدمة، بينما تحدثت تقارير عن وفاة 17 شخصا على الأقل، ومحاولات انتحار عديدة، إضافة إلى إعلان الإضراب العام في البلاد.

وأغلقت المطاعم والحانات أبوابها في ريو دي جانيرو ومدن أخرى، فيما تحولت عناوين الصحف من “أبطال العالم” إلى “الدراما” و”المأساة”و”المهزلة”.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت المباراة تعرف باسم “ماراكانازو”، وهو المصطلح الذي يرمز إلى الكارثة الرياضية الأكبر في تاريخ البرازيل، لأن كلمة أزو تعني باللغة البرتغالية الصدمة الكبرى.

كما دفعت بعض الأسماء ثمنا قاسيا بعد الخسارة، وعلى رأسها حارس المرمى مواسير باربوسا، الذي حملته الجماهير مسؤولية الهدف الثاني، وعاش باربوسا سنوات طويلة من العزلة، حتى إنه قال قبل وفاته بأيام سنة 2000،”في البرازيل، أقصى عقوبة هي 30 سنة، لكنني أعاقب منذ 50 عاما”.

أما المدافع بيغودي، الذي راوغه غيغيا قبل الهدف الحاسم، فقد اعترف لاحقا بأنه فكر في الانتحار بسبب حجم الكراهية التي تعرض لها من جماهير البرازيل.

على الجانب الآخر، ووسط كل ذلك الحزن، كان طفل برازيلي يبلغ من العمر 9 سنوات يشاهد والده يبكي لأول مرة بسبب كرة القدم.

ذلك الطفل كان الأسطورة بيليه، الذي وعد والده حينها بأنه سيرفع كأس العالم للبرازيل يوما ما، قبل أن يفي بوعده ويتوج باللقب 3 مرات أعوام 1958 و1962 و1970.

ورغم أن البرازيل أحرزت بعد ذلك خمسة ألقاب عالمية، فإن جرح “ماراكانازو” ظل حاضرا في ذاكرة الجماهير بطريقة مأساوية.

وحتى غيغيا نفسه أكد أن البرازيليين كانوا يخبرونه، كلما زار بلادهم، بأنهم لم ينسوا ذلك الألم أبدا، فيما اعتبر القميص الأبيض، الذي لعبت به البرازيل آنذاك، رمزا للنحس وسوء الطالع، فقرر الاتحاد البرازيلي التخلي عنه نهائيا بعد تلك الهزيمة.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح القميص الأصفر والسروال الأزرق الهوية الرسمية لمنتخب السيليساو، في واحدة من أبرز التحولات الرمزية في تاريخ كرة القدم.

*خديجة اسويس.. صحافية متدربة