حضور المرأة في الانتخابات التشريعية المغربية.. أين العائق الحقيقي؟
مع إعلان النتائج الرسمية لانتخابات 23 شتنبر 2026، يعود النقاش من جديد حول مكانة المرأة في المؤسسات التمثيلية ويتجدد السؤال حول حصة النساء من مقاعد مجلس النواب.
في هذا المقال نحاول تحليل النتائج التفصيلية للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، مع مقارنة بنيوية بين اللوائح المحلية والجهوية، وبين مختلف التشكيلات الحزبية، بهدف تفكيك التمثلات السائدة حول عزوف الناخب عن التصويت للمرأة.
مع تسجيل ملاحظتين منهجيتن حول المقاربة التي تؤطرنا في هذا التحليل:
أولا، نحن بصدد مقاربة وصفية تحليلية لا تستبطن أي انتصار للمرأة من منطلقات نسوانية متعصبة.
ثانيا، نحن بصدد مقاربة تنتصر للتمثيل النسائي للنساء انطلاقا من رصيدهم النضالي وحضورهم المجتمعي، أي انطلاقا من مقاربة كيفية وليست مقاربة كمية سطحية تصل إلى إدماج النساء بناء على روابط عائلية (التوريث السياسي) أو روابط المحسوبية والزبونية بما فيها شراء التزكيات الحزبية.
إن مبدأ الاستحقاق هو المبدأ الأساسي في التمثيلية السياسية، وهو مبدأ يسري على الرجال كما النساء.
أولا، في الحاجة إلى قراءة متأنية
تشير النتائج المعلنة إلى فوز نحو 107 نائبات، أي ما يعادل 27 في المائة من إجمالي المقاعد، وهو رقم يبدو، في ظاهره، مقبولا ومطابقا للتطلعات، غير أنه سرعان ما يكشف عن هشاشته البنيوية حين نقوم بتفكيك مكوناته، فهناك 90 مقعدا منه مضمونة للنساء بحكم القانون عبر اللوائح الجهوية، بينما لم تحصد النساء في الدوائر المحلية، حيث تتساوى فرص التنافس دون أي تمييز إيجابي، سوى 17 مقعدا من أصل 305.
تكشف هذه الفجوة عن سؤال بنيوي يتجدد مع كل استحقاق: لماذا تكاد المرأة تختفي من مواقع التمثيل المؤسساتي متى رفعت عنها الحماية القانونية؟ والجواب الجاهز، الذي يستدعى عادة، يحيل على “عدم نضج المجتمع” أو على “عدم ثقة الناخب المغربي في المرأة المرشحة”، بيد أن القراءة المتأنية في النتائج المفصلة لكل دائرة ولائحة تقود إلى استنتاج مختلف جذريا.
ثانيا، الناخب ليس هو المشكلة
تشير المعطيات إلى أن 1612 لائحة تنافست في الدوائر المحلية، لم تترأس النساء منها سوى 121 لائحة، أي ما نسبته 7.5 في المائة فقط، بل إن 31 دائرة من أصل 92 لم تشهد أي ترشيح نسائي على رأس لائحة، وهذا معطى أولي ذو دلالة بالغة، إذ إنه يخص الأحزاب قبل أن يخص الناخبين.
أما المعطى الثاني، فيقلب التمثل السائد رأسا على عقب، فقد رشح حزب الأصالة والمعاصرة، المتصدر لنتائج الانتخابات، سبع نساء على رأس لوائحه المحلية، فتم إعلانهن جميعا فائزات، ورشح حزب التجمع الوطني للأحرار أربع نساء، ففزن جميعهن أيضا، في وقت خسر فيه أكثر من ثلث مرشحيه من الرجال، وإذا ما اعتبرنا الأحزاب العشرة الممثلة في المجلس مجتمعة، نجد أن 32 في المائة من النساء اللواتي ترأسن لوائحها قد فزن، مقابل 35 في المائة من الرجال. وهو فارق ضئيل يكاد لا يذكر.
بل أكثر من ذلك، حصلت الفائزات في المتوسط على نحو 22 في المائة من الأصوات في دوائرهن، مقابل أقل من 20 في المائة للفائزين من الرجال، كما تصدرت سبع منهن من أصل سبع عشرة نتائج دوائرهن.
ويستخلص من ذلك أن الناخب، حين يجد امرأة على رأس لائحة حزب ذي حضور حقيقي في دائرته، يصوت لها كما يصوت للرجل، وربما بكرم انتخابي أكبر، فالإقصاء إذن لا يقع يوم الاقتراع، بل يقع قبله بأسابيع، داخل المقرات الحزبية، عند توزيع التزكيات.
ثالثا، ترشيحات لتأثيث المشهد
يتضح هذا الأمر أكثر حين نتتبع المسار الذي آلت إليه الترشيحات النسائية، فمن أصل 121 وكيلة لائحة، ترشحت 68 باسم أحزاب صغيرة لم تحصل على أي مقعد محلي، فخرجت كلها خاوية الوفاض، وفي المقابل، اكتفت الأحزاب الكبرى بمنح النساء عددا محدودا للغاية من رؤوس لوائحها.
وهكذا يتحول الترشيح النسائي في الدوائر المحلية، في غالب الأحيان، إلى ترشيح “لتأثيث المشهد”، يحتسب في الأرقام الرسمية دون أن يؤدي بالضرورة إلى نيل مقاعد، أما الدوائر القليلة التي فازت فيها النساء، فأغلبها حضرية، وعدد من الفائزات قياديات حزبيات معروفات على الصعيد الوطني، أو ينتمين إلى عائلات ذات نفوذ داخل أحزابها، فالطريق إلى المقعد المحلي ما زال يمر عبر المواقع القيادية أو العلاقات العائلية، ولم يصبح بعد مسارا طبيعيا مفتوحا أمام المناضلات في القواعد.
رابعا، مقعد مضمون.. بأصوات الحزب
أدت اللوائح الجهوية دورها في ضمان حد أدنى من الحضور النسائي، غير أن نتائجها تكشف عن حدودها البنيوية. فالأصوات التي حصلت عليها كل لائحة نسائية تكاد تطابق، في كل جهة، الأصوات التي حصل عليها الحزب نفسه في الدوائر المحلية. والناخب، بناء على ذلك، يختار الحزب في الورقتين، ولا يختار المرشحة بعينها.
صحيح أن النائبة الجهوية تدخل البرلمان بأصوات تفوق بكثير ما يحصل عليه زميلها المحلي، إذ تبلغ في المتوسط حوالي 38 ألف صوت، مقابل نحو 9700 صوت للنائب المحلي، لكنها في حقيقة الأمر أصوات الحزب في الجهة، لا أصواتها هي.
وهنا تكمن المفارقة في أن الآلية تضمن للمرأة المقعد، لكنها لا تمنحها رصيدا انتخابيا خاصا بها، ولا تهيئها لخوض المنافسة المحلية في الاستحقاق الموالي. فتظل التمثيلية النسائية تدور في حلقة مغلقة.
خامسا، مقعد عبر العائلة
ومن الخصائص اللافتة في هذا البرلمان أن الطريق إلى المقعد النسائي يمر، في حالات كثيرة، عبر العائلة. فمن بين 90 امرأة فزن عبر اللوائح الجهوية، تربط حوالي 20 منهن على الأقل صلة قرابة بوزير أو نائب أو رئيس جماعة أو مجلس إقليمي، أي اثنين من كل 6 تقريبا. وتبلغ الظاهرة ذروتها في جهة الشرق، حيث تنتمي 4 من الفائزات السبع إلى عائلات سياسية معروفة: زوجة الوزير فوزي لقجع على رأس لائحة الأصالة والمعاصرة، وابنة رئيس جماعة زايو على رأس لائحة الاستقلال، وابنة رئيس المجلس الإقليمي للناظور على رأس لائحة الاتحاد الاشتراكي، وشقيقة برلماني سابق على رأس لائحة الحركة الشعبية. وفي جهات أخرى، تتصدر اللائحة ابنة النائب أو ابنة أخته أو شقيقته، كما في حالات العكرود وقيوح وودمين وعيدودي وامحزون. والظاهرة لا تخص حزبا بعينه، بل تمتد من الأصالة والمعاصرة والاستقلال إلى الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والأحرار.
لا يعني ذلك التشكيك في كفاءة أي واحدة من هؤلاء النائبات، فبعضهن لهن مسار سياسي وجمعوي خاص. لكن السؤال يتعلق بالآلية نفسها. اللائحة الجهوية وضعت لتفتح أبواب البرلمان أمام النساء اللواتي لا يملكن شبكات النفوذ المحلية، فإذا بها تتحول، في جزء منها، إلى امتداد لهذه الشبكات. والمقعد الجهوي يحسم في الواقع لحظة اختيار وكيلة اللائحة، أي داخل مكاتب السياسية للأحزاب لا في الصناديق. وحين يكون معيار الاختيار هو القرب من الأعيان، تخسر الكوطا معناها مرتين. تحرم مناضلات الأحزاب من فرصتهن، ويتحول ما تم تشريعه كأداة للاستحقاق إلى وسيلة لتوسيع حضور العائلة الواحدة داخل المؤسسة التشريعية.
سادسا، حضور مكثف حيث يقل التأثير
ثمة مفارقة أخرى جديرة بالانتباه. فالأحزاب المتوسطة والصغيرة تفوز بمقعد نسائي في معظم الجهات بأصوات محدودة، بينما تبقى مقاعدها المحلية قليلة، فتصبح النساء نصف فرقها البرلمانية أو أكثر، كما هو حال الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وتحالف اليسار. أما في الأحزاب الأربعة الأولى، فلا تتجاوز النائبات خمس أعضاء الفريق، والنتيجة أن النساء أكثر حضورا حيث يقل التأثير في القرار، وأقل حضورا حيث تتشكل الحكومة وتوزع رئاسات اللجان.
سابعا، نفس جديد في البرلمان
لا تقف قيمة اللوائح الجهوية عند حدود الرفع من عدد النائبات في البرلمان، فمن خلال تحليل الخلفية السوسيولوجية لهن يتضح أن البرلمانيات المنتخبات عبر اللوائح الجهوية أصغر سنا من نظيراتهن في اللوائح المحلية، إذ لم يبلغ حوالي ثلثهن سن الخامسة والثلاثين ، في حين لا تتجاوز نسبة البرلمانيات المنتخبات محليا ممن هن دون الخامسة والثلاثين 3 في المائة، وقد تجاوز نصفهن تقريبا سن الخامسة والخمسين، كما أن أزيد من 90 في المائة منهن حاصلات على شهادات عليا.
وختاما يمكن القول أن الفصل 19 من الدستور ينص على أن الدولة تسعى إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، ويدعو الفصل 30 إلى تشجيع تكافؤ الفرص بينهم في ولوج الوظائف الانتخابية، وبعد خمسة عشر عاما على دستور 2011، تؤكد نتائج 23 شتنبر أن الآلية المعتمدة ضمنت حدا أدنى من الحضور، لكنها لم تحقق التحول المنشود، بحيث لم تصبح المرأة بعد مرشحة عادية في الدوائر المحلية. وما دام الناخب لا يعاقب المرأة، فإن الإصلاح ينبغي أن يتجه إلى حيث يوجد العائق فعلا، أي إلى قرار الترشيح داخل الأحزاب.