story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

النخب البرلمانية بالصحراء بين مطرقة “الآليات غير الديمقراطية” وسندان “الصورة النمطية”

قراءة في ثنائية الأداء والتهكم
ص ص

شهدت الممارسة البرلمانية في الأقاليم الجنوبية، طيلة العقود الماضية، ديناميات معقدة تراوحت بين السعي نحو تكريس تمثيلية ديمقراطية حقيقية، وبين بروز ظواهر أثرت سلبا على جودة النخب الصاعدة ومخرجات العمل التشريعي. إن تفكيك المشهد السياسي في الصحراء يستوجب مقاربة موضوعية مبنية على رصد الاختلالات البنيوية التي تعيق فرز الكفاءات، وفي المقابل، تثمين النماذج المضيئة التي استطاعت كسر الصورة النمطية وتقديم أداء برلماني يحتذى به.

أولا: العوائق البنيوية والآليات غير الديمقراطية لإفراز النخب

لا يمكن عزل الآداء البرلماني الضعيف لبعض النخب عن طبيعة المسارات التي قادتهم إلى قبة البرلمان. التحليل السوسيولوجي والسياسي يكشف عن وجود آليات مشوهة للعملية الانتخابية أسهمت في تغييب الكفاءات الحقيقية لصالح بروفايلات تفتقر للحس التشريعي:

  1. توظيف المال السياسي والهندسة القبلية: شكل الاستخدام المفرط واللامشروع للمال في المحطات الانتخابية عائقا رئيسيا أمام صعود الكفاءات والشباب والأطر الأكاديمية. هذا الضخ المالي، مدعوما بالعصبية القبلية الموجهة، حول صندوق الاقتراع في بعض الدوائر من أداة لتقييم البرامج والبروفايلات السياسية إلى أداة لإعادة إنتاج نفوذ شبكات مصالح معينة.
  2. التقنيات المشبوهة (التصويت الدوار والإنزال): عانت بعض الاستحقاقات من ظواهر تؤثر في نزاهة العملية الانتخابية، مثل “التصويت الدوار” أو النقل المنظم للمصوتين والإنزال العقاري والانتخابي بين الجماعات. هذه الآليات الالتفافية أفرزت نخبا مدفوعة الأجر أو تابعة لولاءات ضيقة، تفتقر إلى التكوين السياسي والقانوني اللازم لمواكبة العمل البرلماني.
  3. انعكاس الآليات على الأداء وصناعة “التهكم”: إن غياب التنافس البرامجي الشريف أدى بالضرورة إلى صعود نواب عاجزين عن صياغة مقترحات القوانين، أو تقديم دفوعات قانونية رصينة، أو حتى مجاراة النقاشات السياسية الكبرى. هذا الفراغ المعرفي واللغوي والسياسي جعل من بعض البرلمانيين مادة دسمة لـ “التهكم الإعلامي” وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وهو تهكم، رغما عن حمولته التمييزية أحيانا، إلا أنه يتغذى بالأساس من ضعف الأداء البنيوي لهؤلاء النواب.

ثانيا: النماذج المضيئة.. حين تشرف الصحراء نخبها الحقيقية

في مقابل الصورة القاتمة التي تفرزها الآليات المشوهة، يزخر تاريخ الممارسة البرلمانية للأقاليم الجنوبية بنماذج استثنائية لنواب ونائبات (سواء في غرفتي البرلمان أو في اللجان الدبلوماسية الموازية) بصموا على مسارات تشريعية ورقابية مشرفة، وكانوا سدا منيعا أمام كل محاولات التنميط:

  1. كفاءة الطرح وقوة الفكرة: عرفت المؤسسة التشريعية نوابا من أبناء وبنات الصحراء يمتلكون تكوينا أكاديميا رفيعا وخبرات ميدانية متميزة. تميزت مداخلاتهم بالعمق، والجرأة، والارتكاز على المعطيات الرقمية والقانونية الدقيقة، سواء في مناقشة القوانين المالية، أو السياسات العمومية، أو القطاعات الاجتماعية كالصحة والتعليم والشغل بالمنطقة.
  2. الدبلوماسية البرلمانية الفعالة: شكلت النخب الصحراوية الكفؤة رأس الحربة في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة داخل المحافل الدولية والبرلمانات الإقليمية (الأوروبية، الإفريقية، واللاتينو-أمريكية). استطاع هؤلاء النواب، بفضل تمكنهم من اللغات الأجنبية وآليات الإقناع القانوني والتاريخي، دحض أطروحات الخصوم وتفكيكها بكفاءة أبهرت المراقبين، مؤكدين أن أبناء الصحراء هم الأقدر والأجدر بتمثيل قضيتهم ومصالحهم.
  3. مبادرات تشريعية وترافع مواطناتي: لم ينحصر دور النخب المتميزة في الحضور البروتوكولي، بل تعداه إلى المبادرة بتقديم مقترحات قوانين نوعية، وتفعيل آليات الرقابة عبر الأسئلة الشفوية والكتابية الحارقة التي تنقل نبض الشارع الصحراوي وتطلعاته التنموية بكل أمانة وقوة شخصية.

نحو فرز ديمقراطي حقيقي ..

إن ظاهرة التهكم والنمطية التي تطال أحيانا تمثيلية الأقاليم الجنوبية لا يمكن مجابهتها بالدفاع العاطفي غير المشروط، بل بالقطع مع الآليات غير الديمقراطية (كالمال والتصويت الدوار) التي تسيء إلى صورة المنطقة وتغيب كفاءاتها.
إن الرد الأكاديمي والقانوني الأقوى يتطلب تخليق الحياة السياسية، وتمكين الأطر الحقيقية من ولوج مراكز القرار عبر تنافس ديمقراطي نزيه، لضمان استمرار وتوسيع قاعدة النخب المشرفة التي تحتذى بها الأجيال، والتي تثبت يوما بعد يوم أن الصحراء ولادة بالكفاءات القادرة على قيادة المشهد السياسي وطنيا ودوليا.