story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

حتى لا يتلاشى الأمل: قراءة أولية في التصريح الحكومي

ص ص

لسنا بصدد إجراء محاكمة قبلية للحكومة الجديدة، والتي نتمنى لها النجاح في مهامها، بل إن واجب المهتمين والباحثين في مختلف المجالات هو الإدلاء بآرائهم والمشاركة في النقاش العمومي. وتفاعلا مع التصريح الحكومي الذي قدمته السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة، أمام غرفتي البرلمان، وبعيدا عن طريقة الإلقاء؟؟؟ أثار انتباهي إغفال التفصيل في عدة نقاط أساسية. لقد قدمت السيدة رئيسة الحكومة عرضها بشكل لا يختلف عن أسلافها، على الرغم من أن ظرفية تحملها للمسؤولية مختلفة عنهم. ورغم الإشارة إلى السياق الدولي الصعب، والتغيرات المناخية والانتقال الرقمي والذكاء الصناعي، إلا أن التصريح قدم العوامل التقليدية الإيجابية التي تتحدث عن القرب من السوق الأوروبي والعمق الإفريقي والواجهة الأطلسية كمؤشرات محددة للفرص المستقبلية، وهو ما ينافي تطور الأوضاع الحالية في القارة الأوروبية، التي تحولت إلى بؤرة للأزمات الهيكلية ديمغرافيا واقتصاديا وعسكريا واجتماعيا، وتواجه شبح اندلاع حرب يحذر منها القادة العسكريون، ويدعون الأوروبيين إلى الاستعداد لها (أطلق قائد الجيش البريطاني السير رولي ووكر تحذيرات بالغة الخطورة تدعو إلى مكاشفة الشعب البريطاني والاستعداد لحرب كبرى، وأكد رئيس هيأة الأركان الألماني كارستن بروير أنه وجب على ألمانيا أن تكون مستعدة لخوض حرب في غضون 4 إلى 5 سنوات). كان الأولى بالسيدة رئيسة الحكومة رسم خارطة طريق واضحة المعالم، تفك الارتباط العضوي بالاقتصاد الأوروبي والارتهان المطلق بتغيراته. ولعل أحد أوجه إمكانيات التنويع الحالية والمستقبلية هي التركيز أساسا على تعميق التوجه الإفريقي، وإخراجه من واقعه الحالي الذي يركز على الخدمات خاصة في قطاعي الأبناك والاتصالات، ويحرمنا من فرصة التغلغل الصناعي حسب حاجيات السوق الإفريقية، والتي لا تطلب مستوى تكنولوجيا عاليا (صناعة الدراجات النارية كمثال)، مما يفتح الباب أمام إعادة تشكل الصناعة المغربية، وخروجها من منطق الصناعة بالوكالة إلى مفهوم التحكم الصناعي في سلسلة التصنيع، دونما القطيعة مع التوجه الحالي، والذي وجب الاستمرار في تنزيله وتعزيز مستويات الانتقال التكنولوجي من خلاله بين الشركات الأم والشركات المستقرة في المغرب. وفي نفس إطار استقراء الواقع الحالي الذي يشهد أزمة طاقية غير مسبوقة، وعلى الرغم من التوجه نحو الطاقات المتجددة النظيفة التي تشكل حلا جزئيا فقط للمعضلة الطاقية للمغرب، فإن من أهم الشروط الضرورية المساعدة على التحول الهيكلي للاقتصاد المغربي، نجد النجاعة الطاقية أو القدرة على تحقيق الحد الأدنى من الأمان الطاقي، وهو ما يستلزم تشكيل المخزون الاستراتيجي ووضعه تحت تصرف السلطة الحكومية، وهو أمر غائب عن التصريح الحكومي، ولم يكن حاضرا في النقاش العمومي بالشكل الصحيح، أي خارج احتياطيات الفاعلين التي تشكل مخزونا للاستهلاك المستقبلي، ولا تمت بصلة لمفهوم المخزون الاستراتيجي الموجه لتفادي الوقوع في الأزمات. وفي نفس سياق نقائص التصريح، ورغم إحداث وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، إلا أن السيدة رئيسة الحكومة أغفلت جانبا هاما في التحولات التي تشهدها أسواق الشغل، فهل يكفي بناء إطار لذكاء اصطناعي آمن ومسؤول لحماية سوق الشغل وإعادة تدوير الكتلة النشيطة لملاءمة تكوينهم ومهاراتهم مع الواقع المفروض من نتائج التسارع التكنولوجي؟

إن السياق الحالي سياق صعب، يحمل الكثير من المخاطر التي تتطلب مراجعة مستمرة للاختيارات، بتثمين الجيد، وتحسين السيء، وإلغاء الفاشل منها. وإذا حق لنا الانتقاد، فإن النقيصة الكبرى هي غياب الرؤية الواضحة في مجال التشغيل، والتراجع عن الوعود الرقمية المقدمة في البرامج الانتخابية، وعدم توفير الظروف الموضوعية للتحول الهيكلي للاقتصاد المغربي. فكيف يمكن محاسبة الحكومة في نهاية ولايتها دون الأرقام التالية: عدد مناصب الشغل المتوقع خلقها (الوعود حملت رقم المليون والتصريح صامت)، نسبة البطالة المستهدفة (الوعود حملت رقم 7% والتصريح صامت)، عدد المناصب الصافية الناتجة عن خيارات التكوين، الحد الأدنى للأجور المتوقع في سنوات الولاية ومدى تطوره… ثم كيف للاختيارات الاقتصادية والتكوينية السابقة، والتي تشكل نفس قواعد البرنامج الحالي، أن تؤدي لنتائج مختلفة؟ وهل ثبات بارامترات المعادلة يمكن من تغيير النتائج؟

كانت هذه مجموعة من الملاحظات الأولية، والتي نتمنى أن تجيبنا عنها تفاصيل السياسات القطاعية، إن احتوت المقاربة العملية الضرورية لإحداث التحول الهيكلي المنتظر، وإلا فإن الأمل المعقود على التصريح الحكومي، والبرنامج الحالي، ستتلاشى حباله، ليصنف في ذاكرتنا كما صنفت الآمال السابقة، وهو ما لا نتمناه بكل صدق ورجاء.