تقرير يرصد حصيلة 5 سنوات.. البطالة وغلاء المعيشة والريع في صدارة الإخفاقات الحكومية
سلط “مرصد العمل الحكومي” الضوء في تقريره الأخير على الحصيلة الحكومية للفترة الممتدة بين 2021 و2026، كاشفا عن اتساع الفجوة بين الالتزامات السياسية والنتائج الميدانية.
أظهر التقرير أن الحكومة واجهت تحديات هيكلية في تنزيل وعودها الكبرى، مما أدى إلى تعثر في محاور أساسية تمس جوهر الحياة اليومية للمواطن المغربي والاستقرار الاجتماعي.
وفي محور أزمة التشغيل، اعتبر التقرير أن فشل الحكومة في تحقيق “وعد مليون منصب شغل” يمثل أبرز نقطة تعثر في حصيلتها؛ هذا الالتزام، بحسب التقرير نفسه، شكل حجر الزاوية في تعاقد الحكومة مع المواطنين، اصطدم بواقع اقتصادي صعب، حيث سجلت معدلات البطالة ارتفاعا ملحوظا، لتنتقل من 11,8 في المئة عام 2021 إلى 13,3 في المئة في 2024.
وتشير الأرقام الرسمية إلى بلوغ عدد العاطلين حوالي 1,63 مليون شخص، وهو رقم قياسي يعكس ضعف فعالية السياسات المعتمدة، وقد ساهم توالي سنوات الجفاف بشكل مباشر في تفاقم هذا الوضع، إذ فقد القطاع الفلاحي وحده 137 ألف منصب شغل خلال 2024، مما عمق هشاشة التشغيل في الوسط القروي، لا سيما في صفوف الشباب والنساء.
ورغم إطلاق الحكومة لبرامج تشغيلية مثل “أوراش” و”فرصة”، يرى التقرير أن أثرها الاجتماعي “ظل محدودا” بالنظر إلى حجم الطلب الحقيقي في سوق الشغل.
وتتجلى حدة هذه الأزمة في استمرار بطالة الشباب عند مستويات مقلقة بلغت 36,7 في المئة في 2025، مما يؤكد ضعف ملاءمة النموذج الاقتصادي الحالي لمتطلبات الإدماج المهني للشباب.
وعلى الرغم من تحقيق بعض التحسن الطفيف خلال سنتي 2025 و2026 بخلق 193 ألف منصب، إلا أن هذا الرقم يظل بعيدا جدا عن تحقيق هدف مليون منصب.
وبذلك، تحول هذا الوعد الانتخابي، بحسب المصدر نفسه، من رمز للثقة السياسية إلى مؤشر رئيسي على “التعثر”، حيث لم تنجح السياسات الاقتصادية في تحويل الاستثمار إلى أثر تشغيلي واسع ومستدام.
وتأتي أزمة تآكل القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار كثاني أكبر نقطة تعثر؛ فقد عاش المغرب موجة تضخمية غير مسبوقة، بلغت ذروتها في 2023 بتضخم عام تجاوز 10,1 في المئة، وقفز تضخم المواد الغذائية إلى أكثر من 20 في المئة، وهو ما أنهك ميزانيات الأسر المغربية بشكل مباشر.
ورغم تراجع التضخم العام إلى متوسط 0,8 في المئة في 2025، يلاحظ التقرير أن الأثر التراكمي للزيادات ظل قائما، خاصة في أسعار المواد الأساسية والخدمات، وأدى هذا إلى شعور المواطن بأن التحسن الإحصائي في الأرقام لا يوازيه أي انخفاض ملموس في كلفة المعيشة اليومية، لا سيما مع استمرار ضغط أسعار المحروقات.
ولم تنجح التدابير الحكومية، كدعم غاز البوتان وتوسيع الدعم الاجتماعي المباشر، في امتصاص الصدمات التضخمية بشكل كامل، خاصة لدى الطبقة المتوسطة والفئات غير المستفيدة من الدعم.
وأشار التقرير، في هذا السياق إلى أن هذا التعثر يكشف أيضاً حدود نجاعة آليات ضبط الأسواق وضعف التدخل في مواجهة المضاربات واختلالات سلاسل التوزيع.
أما في قطاعي الصحة والتعليم، فقد سجل التقرير بطئا في الأثر الاجتماعي للإصلاحات رغم إطلاق أوراش كبرى؛ فبينما ركزت الحكومة على النصوص القانونية والميزانيات، ظل المواطن يقيس الإصلاح بمدى تحسن جودة الخدمات، وتقليص الاكتظاظ، وسهولة الولوج إلى العلاج، وهي مؤشرات لم تتقدم بالسرعة المرجوة.
وفي قطاع الصحة، لا يزال النقص في الموارد البشرية والتجهيزات عائقا أمام توسيع التغطية الصحية الشاملة، مما أدى إلى استمرار الضغط على المستشفيات العمومية، كما أن طريقة تدبير بعض الإصلاحات، كتقليص مدة التكوين الطبي، خلفت احتجاجات طلابية كشفت فجوة التواصل بين الحكومة والفاعلين المعنيين.
وفي التعليم، ورغم مشاريع “مدارس الريادة” وإصلاح المناهج، لا يزال الأثر بطيئا بسبب الفوارق في جودة التعليم العمومي، وتأثير الإضرابات الطويلة التي شهدتها الولاية. وقد أدى ذلك إلى اهتزاز ثقة الأسر في المدرسة العمومية، مع استمرار الهدر المدرسي وتدهور الزمن التعليمي في بعض المناطق.
وفي سياق الحكامة، تطرق التقرير إلى ملف المحروقات، مشيرا إلى أن تقارير مجلس المنافسة أثبتت وجود اختلالات وممارسات منافية للمنافسة، ورغم الغرامات التصالحية التي فُرضت، فإن الأثر على أسعار السوق ظل محدوداً، مما عزز الإحساس لدى الرأي العام باستمرار مظاهر الريع في قطاعات استراتيجية.
وأبرز التقرير نفسه أن النقاش العمومي ارتبط بجدل الصفقات العمومية وتداخل المال بالسلطة، وهو ما عمق الشعور بضعف الحكامة، متحدثا عن ظهور ما بات يُعرف بـ “فراقشية الدعم”، وهم وسطاء استفادوا من اختلالات التوزيع، مما أدى إلى ضياع جزء كبير من الموارد المالية المخصصة للدعم الاجتماعي (أكثر من 21 مليار درهم).
واعتبر التقرير أن محدودية أثر السياسات على الطبقة المتوسطة من أبرز إخفاقات الولاية؛ فهذه الطبقة، التي تشكل قاطرة الاستهلاك، وجدت نفسها محاصرة بين ارتفاع كلفة السكن والتعليم والصحة، وبين غياب برامج دعم موجهة لها، مما أدى إلى تراجع هامش الأمان الاقتصادي لدى جزء واسع منها.
وعلى صعيد التوازن المجالي، كشف التقرير استمرار تركز الثروة والاستثمارات العمومية في ثلاث جهات رئيسية (الدار البيضاء، الرباط، طنجة)، هذا التمركز يضعف مساهمة جهات أخرى كبني ملال خنيفرة، ويعكس استمرار الفوارق بين “المغرب الساحلي” و”المغرب الداخلي”، مما يتنافى مع أهداف الإنصاف الترابي.
وأخيرا، سجل التقرير بطئاً في وتيرة إصلاحات الماء والطاقة؛ فرغم تخصيص 143 مليار درهم للبرنامج الوطني للماء، تأخر إنجاز مشاريع الربط والتحلية مقارنة بحجم الخصاص.
وفي قطاع الطاقة، تظل مشاريع الانتقال الطاقي دون مستوى التأثير المطلوب على الفاتورة الوطنية، مع استمرار ضعف مخزون المحروقات الاستراتيجي.
وخلص التقرير إلى أن الحكومة نجحت في الحفاظ على دينامية الأوراش الكبرى، لكنها أخفقت في تحويل هذه المشاريع إلى أثر اجتماعي ملموس وموزع بشكل عادل.