story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

بين ناجٍ وغريق.. سبتة المحتلة أمام تصاعد غير مسبوق للهجرة سباحة

ص ص

بين ناجٍ يصل إلى شواطئ سبتة المحتلة بعد ساعات من السباحة، وغريق ينهي البحر حلمه وحياته، أو مفقود لا تزال أسرته تنتظر خبراً عنه، تتواصل على الحدود البحرية بين المغرب والثغر المحتل واحدة من أكثر موجات الهجرة غير النظامية إثارة للقلق خلال السنوات الأخيرة.

ففي الوقت الذي تتسع فيه قائمة المفقودين من الشباب المغاربة الذين حاولوا الوصول سباحة إلى سبتة، تشهد المدينة المحتلة ضغطاً غير مسبوق بفعل مئات الوافدين الذين يصلون يومياً عبر البحر، وسط تحذيرات إسبانية من أن وتيرة التدفقات الحالية باتت تقترب من تلك التي شهدتها المدينة خلال أزمة الهجرة في ماي 2021.

ولم تعد محاولات العبور تقتصر على شبان مغاربة ينحدرون من مدن الشمال، بل امتدت لتشمل قاصرين وعائلات كاملة، في وقت تحولت فيه الفنيدق وبليونش والمناطق الساحلية المقابلة لسبتة إلى نقطة استقطاب لمهاجرين قادمين من مختلف جهات المغرب، بل وحتى من الجزائر وتونس، مدفوعين بدعوات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

“ليلة جنونية”

تعيش مدينة سبتة المحتلة منذ أيام واحدة من أكبر موجات الضغط المرتبطة بالهجرة غير النظامية خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت شواطئها ومحيطها البحري إلى مسرح لمحاولات عبور جماعية ومتواصلة انطلاقاً من السواحل المغربية.

ووصفت صحيفة “إلفارو دي سبتة“، ليلة الإثنين/ الثلاثاء 28 يوليوز 2026، بأنها “ليلة جنونية”، بعدما تواصلت محاولات العبور بشكل متواصل حتى ساعات الصباح الأولى، في ظل مشاركة جميع وحدات الحرس المدني الإسباني والإنقاذ البحري، إلى جانب البحرية الملكية المغربية، في عمليات اعتراض المهاجرين وانتشالهم.

وبحسب المعطيات المتوفرة، اعترضت البحرية المغربية نحو 500 مهاجر في عرض البحر، بينما أنقذ الحرس المدني الإسباني أكثر من 200 آخرين، في حين تمكن عشرات الأشخاص من الوصول إلى شواطئ المدينة دون اعتراض.

وأكدت وسائل إعلام إسبانية أن عناصر الأمن وجدوا أنفسهم أمام ضغط يفوق قدراتهم، مع استمرار وصول مجموعات جديدة في مختلف ساعات اليوم، الأمر الذي دفع السلطات المحلية إلى طلب دعم عاجل من مدريد ومن الاتحاد الأوروبي.

من الشباب إلى العائلات

ولا تقتصر محاولات العبور على الشباب فقط. وفي هذا الصدد، تدخلت البحرية الملكية المغربية لإنقاذ امرأة كانت تحاول الوصول إلى سبتة رفقة أطفالها الثلاثة بعد أن ألقت بنفسها في البحر، في حادثة اعتبرتها الصحافة الإسبانية مؤشراً على التحول الخطير الذي تعرفه محاولات العبور.

كما وثقت الصحافة الإسبانية وجود أعداد متزايدة من القاصرين والفتيات ضمن الوافدين، إضافة إلى مجموعات كاملة تحاول العبور في توقيت واحد، مستفيدة من الضباب أو انخفاض مستوى الرؤية.

ويرى مسؤولون أمنيون إسبان أن ما يجري يختلف عن موجات الصيف السابقة، بالنظر إلى الطابع اليومي والمنظم لمحاولات العبور، وإلى تنوع الفئات المشاركة فيها.

مفقودون.. وأسر تنتظر

على الضفة المغربية، تتسع يوماً بعد آخر قائمة الشباب والقاصرين الذين اختفوا بعد محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة المحتلة.

وخلال الأيام الأخيرة أعلنت مجموعة من الأسر فقدان الاتصال بأبنائها، من بينهم مروان عاشق (18 سنة)، ومحمد صابر أغبالو، ونور الدين خادم، وطارق أزوغاغ المنحدر من مدينة فاس، ومحمد بوزلمات من طنجة، ويوسف جبران (15 سنة)، إضافة إلى سمير مروان، في وقت لا تزال فيه العائلات تناشد كل من يتوفر على معلومات قد تقود إلى معرفة مصيرهم.

وتدعو السلطات الإسبانية أقارب المفقودين إلى التبليغ الرسمي عن حالات الاختفاء لدى الحرس المدني أو الشرطة، مع تقديم عينات من الحمض النووي من الأمهات أو الأشقاء لتسهيل عمليات التعرف على الجثث إذا اقتضت الضرورة. وتعيد هذه الحالات إلى الواجهة المأساة الإنسانية التي ترافق محاولات العبور سباحة، حيث يتحول البحر بالنسبة لكثيرين إلى حد فاصل بين النجاة والموت.

شبكات التواصل.. دليل العبور إلى سبتة

هذا وبرز مع هذه الموجة، الدور المتزايد الذي تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي في ظل انتشار مجموعات على فايسبوك وحسابات على تيك توك مخصصة لتبادل المعلومات حول العبور إلى سبتة، حيث يتبادل المشاركون مواقع الانطلاق، وأفضل أوقات السباحة، وكيفية تفادي الدوريات الأمنية، بل ويعرض بعضهم للبيع الزعانف وملابس الغوص وحتى قوارب “الكاياك”.

وتضم هذه المجموعات مشاركين من مختلف المدن المغربية يسألون عن طرق الوصول إلى الفنيدق أو بليونش، وكيفية تجاوز نقاط المراقبة.

وتبرز ضمن هذه المنصات مجموعة على “فايسبوك” تحمل اسم “حراكة سبتة“، يتبادل أعضاؤها معلومات حول أفضل أماكن الانطلاق، ووضعية المراقبة الأمنية، وأوقات العبور، إضافة إلى صور ومقاطع فيديو لوسائل السباحة، وإعلانات لبيع الزعانف (Les palmes) وبذلات الغوص وقوارب “الكاياك”، فضلاً عن صور شبان وصلوا إلى سبتة.

وتتضمن المنشورات أيضا إعلانات لبيع معدات السباحة، من بينها زعانف معروضة للبيع بمدينة الدار البيضاء. كما تدعو بعض هذه المنشورات إلى تشكيل مجموعات للعبور الجماعي وتقاسم تكاليف شراء قوارب “كاياك”، مع تبادل نصائح لتفادي المراقبة.

مخيمات مؤقتة وأزمة استقبال

وتنعكس هذه الأعداد الكبيرة مباشرة على مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين (CETI) بمدينة سبتة. فقد تجاوز عدد المقيمين داخله طاقته الاستيعابية، بينما اضطر أكثر من 400 شخص إلى البقاء خارجه في خيام وملاجئ مؤقتة أقيمت بمحاذاة الطريق المؤدي إلى المركز.

وأظهرت صور نشرتها الصحافة الإسبانية مهاجرين يفترشون الكرتون وينصبون أغطية وفرتها منظمات إنسانية للحماية من الشمس، في وقت تحولت فيه نقاط المياه إلى أماكن للاستحمام والتزود بالماء.

وفي هذا الصدد، دعت النقابات الإسبانية إلى تعزيز الموارد البشرية داخل المركز، وتوفير موظفين إضافيين في مجالات الأمن والصحة والنظافة والصيانة، بل طالبت بإنشاء مركز استقبال جديد لمواجهة موجات الوصول الجماعية.

5 آلاف مهاجر خلال شهر؟

وبحسب معطيات نشرتها الصحافة الإسبانية ما يزال الضغط على مدينة سبتة المحتلة في منحى تصاعدي، إذ حذر الحرس المدني من أن استمرار وتيرة الوصول الحالية قد يؤدي إلى دخول نحو 5 آلاف مهاجر إضافي خلال شهر واحد، إذا استمرت المعدلات اليومية المسجلة خلال الأيام الأخيرة، والتي تقدر، بحسب عناصر في الحرس المدني الإسباني، بوصول نحو 50 قاصراً و100 راشد يومياً.

ووفقاً لصحيفة “إلفارو دي سبتة”، فإن عدد الوافدين إلى المدينة خلال الأسبوع الأخير تجاوز الألف شخص، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن العدد الإجمالي للمهاجرين الذين وصلوا منذ بداية الموجة الأخيرة بلغ نحو 1600 شخص، في وقت استقبل فيه مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين أعداداً تفوق طاقته الاستيعابية، فيما اضطر نحو 500 مهاجر إلى الإقامة في مخيمات مؤقتة خارج المركز.

كما أشارت إلى أن البحرية الملكية المغربية اعترضت ما بين 450 و500 مهاجر في عرض البحر خلال يوم واحد، مقابل نحو 200 شخص أنقذهم الحرس المدني الإسباني وفرق الإنقاذ البحري، حيث يخضع هؤلاء لإجراءات التسجيل لدى الشرطة الإسبانية قبل نقلهم إلى مركز الإيواء، تطبيقاً لقرار المحكمة العليا الإسبانية.

ونقلت الصحيفة عن عناصر في الحرس المدني أن أخطر الفترات تمتد من ساعات الليل إلى الصباح الباكر، حيث تتجمع مجموعات كبيرة قرب الشواطئ المقابلة لسبتة قبل أن تلقي بنفسها في البحر دفعة واحدة، مشيرة إلى أن مئات الأشخاص حاولوا العبور في توقيت واحد خلال إحدى الصباحات، وهو ما شكل ضغطاً كبيراً على فرق الإنقاذ المغربية والإسبانية.

وأضاف المصدر ذاته أن عناصر الأمن الإسباني يرون أن تشديد المراقبة على الساحل المغربي لا يزال دون المستوى المطلوب لمواجهة هذا التدفق، رغم الدور المتواصل الذي تقوم به البحرية الملكية المغربية في اعتراض المهاجرين، محذرين من أن استمرار هذه الوتيرة يرفع من احتمال وقوع مآسٍ جديدة في البحر.

200 مهاجر يوميا.. وتحذير من تكرار أزمة 2021

وفي المقابل، حذرت السلطات المحلية في سبتة المحتلة من أن استمرار التدفق الحالي للمهاجرين قد يعيد المدينة إلى سيناريو أزمة الهجرة التي شهدتها في ماي 2021. ووصف رئيس حكومة المدينة، خوان فيفاس، الوضع بأنه “خطير للغاية”، مؤكداً أن قدرات الاستقبال والخدمات العمومية “تجاوزت حدودها”.

وأوضح فيفاس، في مؤتمر صحافي استثنائي، يوم الأربعاء 29 يوليوز 2026، أن أكثر من 1500 مهاجر وصلوا إلى المدينة خلال فترة وجيزة “بينما تستقبل سبتة حالياً أكثر من 200 وافد يومياً”، مشيراً إلى أن مراكز الإيواء “لم تعد تتسع لأي شخص إضافي”، وأن مراكز إيواء القاصرين بلغت نسبة إشغال تفوق 1600 في المائة.

وحذر المسؤول الإسباني من أنه “إذا استمرت وتيرة الوصول الحالية، فقد يصبح الوضع قريباً أمام أرقام مشابهة لتلك التي سُجلت خلال أزمة ماي 2021″، معتبراً أن أخطر ما في الوضع ليس فقط الضغط على مرافق المدينة، بل أيضاً الخسائر البشرية، مذكراً بأن 60 جثة لمهاجرين انتُشلت من البحر خلال الاثني عشر شهراً الماضية.

ودعا رئيس حكومة سبتة الحكومة الإسبانية في مدريد إلى التدخل العاجل، مؤكداً على أنه تواصل مع وزارات الداخلية والخارجية والشباب والطفولة من أجل اتخاذ إجراءات عاجلة، معتبراً أن الأزمة الحالية “تتطلب استجابة استثنائية تتناسب مع حجمها”، سواء لمعالجة الوضع الإنساني الآني أو لمنع تفاقمه خلال الأسابيع المقبلة.

ضغط يتصاعد

وتتواصل وتيرة الوصول إلى سبتة المجتلة التصاعد، اليوم الأربعاء، إذ وُصِفت المدينة بأنها تعيش “دخولاً جماعياً للمهاجرين سباحة من المغرب”، مع تسجيل وصول مهاجرين إلى مختلف شواطئ الثغر المحتل، من منطقة تراخال إلى خوان الثالث والعشرين وسارشال، في وقت “لم تعد فيه قوات الحرس المدني وفرق الإنقاذ البحري قادرة على مواكبة حجم التدفق”.

وذكرت صحيفة “إلفارو دي سبتة” أن جميع الوحدات البحرية الإسبانية، إلى جانب البحرية الملكية المغربية، واصلت طوال اليوم عمليات اعتراض وإنقاذ المهاجرين، بينما امتلأت زوارق الحرس المدني بالمهاجرين الذين جرى انتشالهم من البحر، في مشهد وصفته الصحيفة بأنه “حالة طوارئ وطنية”.

وأضافت الصحيفة أن المدينة “تعيش وضعاً غير مسبوق لا يشبه مواسم الصيف السابقة”، مشيرة إلى أن ما يحدث يرتبط باستمرار الدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أدت إلى توافد أعداد كبيرة من المهاجرين إلى السواحل المقابلة لسبتة، قبل الإلقاء بأنفسهم في البحر في مجموعات متتالية.

كما لفت المصدر إلى أن سكان المدينة أصبحوا يصادفون المهاجرين في مختلف الأحياء والشوارع بعد وصولهم إلى اليابسة، بينما يواصل آخرون الوصول إلى الشواطئ دون أن تتمكن قوات الأمن من اعتراضهم جميعاً، في ظل ما وصفته الصحيفة بـ”الضغط غير المسبوق” على الأجهزة الأمنية.