حقوقي ينتقد “عدم احترام حقوق الإنسان” في تدبير ملف الهجرة بين المغرب وأوروبا
اعتبر عبدو منبهي، عضو التنسيقية الأوروبية من أجل حقوق الإنسان في المغرب، أن الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة تعكس “تراجعاً عن الالتزامات التي تضمنها الميثاق العالمي للهجرة واللجوء الذي احتضنه المغرب بمدينة مراكش سنة 2018″، داعياً إلى فتح تحقيق مستقل في ما جرى، وعدم الاكتفاء بالتحقيقات المحلية.
وقال منبهي، خلال ندوة صحافية نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بشراكة مع التنسيقية الأوروبية من أجل حقوق الإنسان في المغرب، اليوم الجمعة 7 غشت 2026 بالرباط، إن المغرب كان من أوائل الدول التي تبنت ميثاق مراكش إلى جانب الاتحاد الأوروبي، غير أنه اعتبر أن الممارسات الحالية المرتبطة بتدبير الهجرة “تتناقض مع روح هذا الميثاق ومع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق الطفل وحماية المهاجرين”.
وأضاف أن ما يجري في ملف الهجرة “يعكس عملياً وجود اتفاق ضمني مفاده أنه لا مكان للحقوق ولا للمواثيق الدولية في تدبير هذا الملف”، معتبراً أن هذا المنطق لم يعد يقتصر على الهجرة القادمة من الجنوب، بل أصبح يطبع أيضاً السياسات الأوروبية الخاصة بالهجرة.
كما أنه “يعكس عملياً غياب احترام الالتزامات الدولية”. وأشار المتحدث إلى أن التعامل مع المهاجرين، بمن فيهم الأطفال، يتم بمنطق أمني يتجاوز الضمانات الحقوقية المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي توصل، في 21 يونيو الماضي، إلى تفاهمات جديدة مع المغرب، قال إنها أسندت للرباط دورين رئيسيين، يتمثل الأول في إعادة الأشخاص الذين لا يتوفرون على وثائق إقامة قانونية، فيما يتعلق الثاني بدراسة ملفات اللجوء الخاصة ببعض المهاجرين القادمين من إفريقيا قبل انتقالهم إلى أوروبا.
وتساءل منبهي، وهو مدير المركز الأورومتوسطي للهجرة والتنمية، عن مدى انسجام هذا التوجه مع مبادئ حماية اللاجئين، معتبراً أن تكليف دولة “لا تحترم حقوق الإنسان”، بحسب تعبيره، بالبت في طلبات اللجوء يطرح إشكالات قانونية وحقوقية عميقة.
وربط المسؤول الحقوقي الأوروبي ما وقع في سبتة بالسياق العام للسياسات الأوروبية الخاصة بالهجرة، معتبراً أن الأحداث الأخيرة لا يمكن فصلها عن توجه أوروبي يسعى إلى تشديد الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي عبر التعاون مع دول الجوار.
وقال إن “هناك توافقاً يومياً ومستمرًا بين أوروبا والمغرب في تدبير ملفات الهجرة”، مضيفاً أن حجم محاولات العبور الجماعي الأخيرة يثير، في نظره، تساؤلات حول الظروف التي أحاطت بها وكيفية تدبيرها، معتبراً أنه “يصعب تصور عبور ما بين خمسة آلاف وستين ألف شخص في يوم واحد دون أن تطرح أسئلة حول ما حدث وكيف بدأ”.
وأضاف أن بعض الأوساط الأوروبية تفسر ما جرى بوجود “إشارات” أو رسائل مرتبطة بفتح الحدود في سياقات سياسية معينة، مؤكداً أن هذا النقاش أصبح مطروحاً داخل عدد من الدول الأوروبية، من بينها إيطاليا.
واعتبر منبهي أن اليمين المتطرف الأوروبي يعد “الداعم الأساسي” لهذا النوع من التعاون مع المغرب، موضحاً أن هذه التيارات تنظر إلى الرباط باعتبارها “حارساً للحدود الأوروبية في إفريقيا”، وتدعو إلى توسيع هذا التعاون في إطار مقاربة أمنية للهجرة.
وانتقد منبهي، في السياق نفسه، ما وصفه بضعف الحماية التي توفرها السلطات المغربية لمواطنيها المهاجرين بالخارج، قائلاً إنه لم يسبق، بحسب تقديره، أن قامت الدولة المغربية بتعيين محامين للدفاع عن المغاربة ضحايا الاعتداءات أو الجرائم العنصرية في الخارج، رغم أن تحويلات الجالية المغربية تدر على البلاد ما يقارب 12 مليار يورو سنوياً.
كما اعتبر أن السلطات المغربية لم تبادر إلى مراجعة الاتفاقيات الثنائية مع الدول الأوروبية من أجل تعزيز حماية حقوق المهاجرين المغاربة، مضيفاً أن الحديث عن احترام تلك الاتفاقيات “يُقدَّم أحياناً كما لو كان يتعارض مع المصالح”.
وأكد عضو التنسيقية الأوروبية أن منظمته تنسق حالياً مع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لمواكبة الضحايا وعائلاتهم، سواء على المستوى الحقوقي أو الإنساني، والعمل على الإجابة عن تساؤلاتهم المتعلقة بمصير ذويهم وسبل الدعم القانوني.
ودعا إلى إنشاء آلية مستقلة للتحقيق في أحداث سبتة، معتبراً أن “التحقيقات المحلية”لا تبدد المخاوف المطروحة”، ومؤكداً أن التنسيقية الأوروبية تعمل على تعبئة منظمات حقوقية ومدنية بإسبانيا وأوروبا من أجل تبني مطلب إجراء تحقيق مستقل والضغط على السلطات الإسبانية للاستجابة له.
وختم بالتأكيد على ضرورة “عدم طي هذا الملف”، معتبراً أن ما جرى في سبتة يجب أن يبقى حاضراً باعتباره “قضية تكشف طبيعة التواطؤ الأوروبي المغربي في تدبير ملف الهجرة”، وتشكل مناسبة لإعادة طرح سؤال احترام حقوق الإنسان في السياسات المعتمدة بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
وشهدت سبتة المحتلة أزمة غير مسبوقة نهاية يوليوز الماضي، بعدما تدفق عشرات الآلاف من المغاربة نحو الثغر المحتل في فترة وجيزة. ففي حين أعلنت السلطات الإسبانية أن نحو 69 ألف شخص عبروا إلى المدينة خلال ذروة الأزمة، تحدثت السلطات المغربية عن حوالي 40 ألف شخص، معتبرة أن الأرقام الإسبانية “مبالغ فيها”.
كما تختلف الروايتان بشأن حصيلة الوفيات. فبينما أعلنت وزارة الداخلية المغربية، في أول حصيلة رسمية لها، انتشال 11 جثة داخل المياه والأراضي المغربية، قالت السلطات الإسبانية إن عدد الوفيات المرتبطة بالأحداث بلغ 88 شخصاً، إضافة إلى آلاف العائدين عبر معبر تاراخال خلال الأيام التي أعقبت الأزمة.
في المقابل، تعتبر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن العدد الحقيقي للضحايا والمفقودين ما يزال غير محسوم، في ظل استمرار بحث عائلات عن أبنائها، وغياب معطيات رسمية مفصلة، داعية إلى تحقيق مستقل يكشف ملابسات الوفيات وظروف عمليات الإرجاع التي رافقت الأزمة.
وأرجعت الرباط ما وقع إلى تداخل عدة عوامل، من بينها التضليل عبر الفضاء الرقمي، وشبكات تهريب البشر، وسوء فهم بعض المعطيات القانونية المرتبطة بالهجرة، مؤكدة استمرار التنسيق مع مدريد للتحقق من هويات الضحايا والأرقام النهائية.