بعد “الفيتو” الدستوري.. المعارضة البرلمانية تعيد هندسة قانون مجلس الصحافة بتعديلات موسّعة
تكريس التعددية، تعزيز الشفافية، وضمان الاستقلالية المؤسساتية، أبرز عناوين التعديلات التي قدمتها المعارضة البرلمانية على مجمل مواد مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وضمنها المواد الخمسة (4، 5، 49، 57، 93) التي قضت المحكمة الدستورية في قرارها رقم 261/26 بعدم دستوريتها.
التعديلات التي يُرتقب عرضها للمناقشة للتصويت على مشروع القانون، الثلاثاء المقبل أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال، شددت على ضمان مبادئ التوازن في التمثيلية والحياد، وحذف المقتضيات التي تمس حرية الصحافة والتنظيم الذاتي.
انفتاح المجلس وتعزيز الرقابة البرلمانية
تنص المادة 4 من مشروع القانون على أن المجلس يعد “تقريرا سنويا عن وضعية أخلاقيات المهنة وعن مؤشرات احترام حرية الممارسة الصحافية وعن أوضاع الصحافة والصحفيين بالمغرب. ويمكن له إعداد تقارير موضوعاتية تهم قطاع الصحافة ويحيل نسخة منها إلى رئيس الحكومة ويعمل على نشره بجميع الوسائل المتاحة”.
في هذا الإطار، تقدم الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية بتعديل ينص على إحالة هذا التقرير السنوي على رئيس الحكومة والبرلمان معا، مع عرضه وجوبا أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، ونشره كاملا داخل أجل لا يتجاوز 30 يوما من المصادقة عليه. كما نصّ على إمكانية إعداد تقارير موضوعاتية تهم قطاع الصحافة تنشر وفق نفس الكيفيات، بما يُعزز الرقابة البرلمانية ويُكرس الشفافية
بدوره اقترح الفريق الحركي توسيع مضمون التقرير ليشمل الأوضاع المهنية والاجتماعية والاقتصادية للصحفيين ومؤسسات الصحافة، لتقديم تقييم شامل لواقع القطاع وليس فقط الجانب الأخلاقي أو المرتبط بحرية الممارسة، مع إتاحة إعداد هذه التقارير بطلب من سلطات مختصة أو فاعلين في القطاع، مسجلا أن ذلك “يجعل عمل المجلس أكثر انفتاحا واستجابة لقضايا آنية واستراتيجية ويعزز بعده المؤسساتي”.
كما اقترح الفريق بدوره إحالة التقرير على رئيسي مجلسي البرلمان إلى جانب رئيس الحكومة لأنها تكرس “مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الرقابة البرلمانية على أوضاع قطاع الصحافة”، مع التنصيص على نشر التقرير عبر الوسائل الرقمية لأنه “يعزز الشفافية وإتاحة الوصول إلى المعلومة”.
فيما تقاطع مقترح كل من فريق التقدم والاشتراكية ومجموعة العدالة والتنمية عند ضرورة تضمين التقرير السنوي رصد انتهاكات حرية الممارسة الصحفية وخروقاتها.
إعادة تركيب المجلس ..
اعتبرت المحكمة الدستورية في قرارها السابق أن منح الناشرين (9 مقاعد) تمثيلية ضمن تركيبة المجلس المنصوص عليها في المادة5، أكبر من الصحفيين (7 مقاعد) يخلّ بمبدأ التوازن.
ولذلك حمل مشروع القانون بعد ترتيب الأثر، تعديلا قلّص بموجبه عدد أعضاء المجلس إلى 17 عضوا عوض 19 عضوا، وذلك بعد حذف عضوين من فئة الناشرين الحكماء كما نص قرار المحكمة الدستورية.
الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية دافع على توسيع التمثيلية وتعزيز حضور النساء، ولذلك دعا في تعديله إلى توسيع عدد الأعضاء إلى 21 عضوا، موزعين بالتساوي بين الصحفيين والناشرين (8 لكل فئة)، مع 3 ممثلين للمؤسسات والهيئات وعضوين من فئة “الحكماء” يتم تعيينهم باقتراح ممثلي الصحفيين والناشرين، مع التنصيص على نسبة لا تقل عن الثلث للنساء داخل كل فئة، والسعي إلى المناصفة تدريجيا، بالإضافة إلى تمثيل الصحافة الجهوية والإعلام الرقمي.
من جهة أخرى، دعا الفريق الحركي إلى اعتماد الانتخاب كآلية موحدة لجميع الأعضاء داخل بنية المجلس لتفادي “ازدواجية المشروعية” بين أعضاء منتخبين وآخرين معينين أو منتدبين، مع التنصيص الصريح على تمثيلية النساء، وإخضاع العملية لنص تنظيمي “يحدد المساطر والطعون ويكرس مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة”.
وفي اقتراح آخر، مضى فريق التقدم والاشتراكية إلى اقتراح الإبقاء على 19 عضوا (7 صحفيين و7 ناشرين، بينهم ثلاث نساء على الأقل) يُنتخبون باللائحة، مع تعيين خمسة أعضاء يمثلون مؤسسات وهيئات، من بينها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية إلى جانب المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
خلافا لهذه التركيبة العددية، اقترحت مجموعة العدالة والتنمية العودة إلى صيغة 21 عضوا مع توزيع متوازن، صحفيين و8 ناشرين و5 أعضاء يمثلون المؤسسات والهيئات، ضمنها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحارتبها، والمجلس الوطني للغات والثقافة عند تنصيبه. كما شددت المجموعة على السعي في تأليف المجلس إلى تحقيق المناصفة بين الجنسين ما أمكن.
وسجلت المجموعة ضرورة “تعزيز مبادئ النزاهة والشفافية وتحصين قرارات المجلس من أي شبهات انسجاما مع المقتضيات الدستورية”.
كما قدمت النائبة فاطمة التامني تعديلا لتوسيع المجلس إلى 24 عضوا، مع إشراك هيئات مثل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري وهيئة المناصفة ومكافحة جميع أشكال التمييز ضمن المؤسسات والهيئات، مع منحها دورا استشاريا دون حق التصويت.
هندسة التعددية
أسقط قرار المحكمة الدستورية مقتضيات المادة 49، التي أثارت الكثير من الجدل، لكونها تمنح المنظمة المهنية التي تحصل على أكبر عدد من “الحصص التمثيلية” جميع المقاعد المخصصة للناشرين داخل المجلس، كما تمنع المشاركة في عملية توزيع المقاعد كل المنظمات المهنية التي حصلت على أقل من 10 في المائة من العدد الاجمالي للحصص التمثيلية لمجموع المنظمات المهنية، وهو ما اعتبرته المحكمة منافياً لمبدأ التعددية التمثيلية.
وفي هذا الإطار، دعا الفريق الاشتراكي إلى إشراك جميع المنظمات المهنية المستوفية للشروط، واعتماد التمثيل النسبي بالقاسم الانتخابي، مع معايير تكميلية تراعي عدد الأجراء والانتشار الجغرافي وتنوع الوسائط، ومنع أي آلية قد تؤدي إلى الإقصاء.
فيم اقترح الفريق الحركي اقترح اعتماد معيار عدد المستخدمين المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي كمعيار مرجح لتخصيص المقعد، معتبرا أنه “يضمن حلا موضوعيا وشفافا بدل الاعتماد على معايير غير دقيقة أو تقديرية”.
في المقابل، تمسّكت مجموعة العدالة والتنمية باعتماد القاسم الانتخابي عن طريق قسمة الأصوات المعبر عنها على عدد المقاعد المخصصة لفئة الناشرين بالمجلس، وتوزع المقاعد الباقية حسب قاعدة أكبر البقايا بتخصيصها للمنظمات المهنية التي تتوفر على الأرقام القريبة من القاسم المذكور.
رئاسة المجلس.. التناوب والتوازن
شدد الفريق الاشتراكي المعارضة الاتجادية على تعزيز الحكامة وتقليص “تركيز” السلطة، مقترحا أن تنتخب الجمعية العامة رئيسا للمجلس ونائبا له من بين أعضائه مع مراعاة تمثيل فئتي الصحفيين والناشرين وضمان التوازن بين النساء والرجال.
وفي الاتجاه ذاته، حث الفريق الحركي على إدراج مبدأ التناوب بين فئتي الصحفيين والناشرين، معتبرا أنه يضمن “عدم احتكار رئاسة المجلس من طرف فئة واحدة ويعزز التوازن داخل المؤسسة”، مع التنصيص على تمثيلية النساء داخل رئاسة المجلس، وإمكانية تعيين متحدث رسمي مساعد عند الاقتضاء للرئيس باعتباره ناطقا رسميا باسم المجلس.
أما حزب التقدم والاشتراكية فدعا إلى انتخاب الرئيس ونائبه بواسطة الاقتراع باللائحة، مع حصر الرئاسة بين المهنيين من الصحفيين والناشرين، والتنصيص على التداول والتناوب بينهم عليها، وتحديد مدة الولاية في خمس سنوات غير قابلة للتجديد. كما شدد حزب العدالة والتنمية على مبدأ التناوب كل خمس سنوات بين ممثلي الصحفيين والناشرين، ضمانا “للتداول على المسؤولية”.
استقلالية لجنة الاستئناف
أقرت المحكمة الدستورية عدم دستورية المادة93، مستندة إلى أن إدماج رئيس لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية ضمن تشكيلة لجنة الاستئناف التأديبية يمسّ بمبدأ الحياد، باعتبار أن الجهة التي تبت في الاستئناف ينبغي أن تكون مجردة من أي موقف مسبق وألا يشارك فيها من ساهم في القرار الابتدائي.
ولضمان الحياد والاستقلالية، اقترح الفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية أن تتألف لجنة الحياد من قاض يعينه المجلس الأعلى للسلطة القضائية رئيسا، وأعضاء ينتخبون من بين أعضاء المجلس مع استثناء لجنة اخلاقايت المهنة والقضايا التأديبية. كما شدد على ألا يجوز لأي عضو شارك في اتخاذ القرار التأديبي الابتدائي أن يشارك في البت في الاستئناف، إلى جانب ممارسة اللجنة اختصاصاتها باستقلال تام مع ضمان حقوق الدفاع ومبادئ المحاكمة العادلة، والتي نص على أن “تكون قراراتها معللة وقابلة للطعن أمام القضاء المختص”.
وفي مقترح آخر يسعى إلى ضمان استقلالية تركيبة لجنة الاستئناف، أكد مقترح مجموعة العدالة والتنمية على إمكانية تعويض عضو من اللجنة تعذر عليه الحضور بعضو آخر، بقرار من الرئيس، على أساس “ألا يكون عضوا في لجنة الأخلاقيات”.
يشار إلى أن مكونات المعارضة البرلمانية، وهم 96 عضوا، وجهت في يناير الماضي رسالة موقّعة إلى رئيس المحكمة الدستورية للبت في مدى مطابقة مشروع القانون رقم 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة للدستور. واعتبرت المعارضة حينها أن القانون يتضمن مقتضيات تخرق مبدأ التنظيم الذاتي ومبادئ الديمقراطية الداخلية للهيئات ولمبدأ المساواة.