الماركسية والتراث
تناقَش المسألة الدينية، في عمومها أو خصوصها، في مناحٍ ثلاثة: في منحاها الوجداني الفلسفي، وفي منحاها السياسي والاجتماعي التاريخي، وفي منحاها العلمي المعرفي. الأول وظيفة العارف المربي، والفيلسوف المتأمل بعد أن يكون العلم قد استنفد أغراضه. الثاني مهمة رجل السياسة وعالِمها، ممارس العمل الاجتماعي أو مُنظّره، يبحث للعقيدة والفقه والسلوك عن معنى تاريخي. الثالث عمل أصحاب التخصصات المختلفة يُخضِعون التدين كغيره من الظواهر المدروسة لأدوات المعرفية الحديقة.
لكل من هذه المناحي خطأ معرفي يجب أن يتوخى السقوط فيه. العارف والفيلسوف عندما يخلطان بين الحق والحقيقة، عندما يحاكمان هذه بذاك، عندما يمنعهما التجريد والعرفان من اعتبار حدود التاريخ وحدود المختبر. رجل السياسة وعالِمها عندما يحصران الدين في ما تنتجه السلطة من إيديولوجيا تسعفها في عملها التاريخ، عندما يحولان بينه وبين أفقيه الانثروبولوجي الما قبل تاريخي والعرفاني الما قبل كوني. أصحاب المعارف الحديثة عندما يرفضون ما للوجدان من حقيقة قد يأباها قصور معارفهم ومناهجهم ومبلغ البشرية من الإحاطة بتعقيدات الظواهر، أو عندما يحتقرون ما الخطاب الديني من نجاعة تاريخية.
السؤال الآن: كيف تعاملت الماركسية مع هذا المعطى، أي المعطى الديني؟ إلى أي المناحي كانت أقرب، العارف أم رجل السياسة أم عالِم المختبر؟ عموما لم يكن ماركس مهتما، بالمسألة الدينية في بعدها الوجودي، لأنه لم يختبر الطريق الوجودي للتدين، فكان يرى الأديان -كما بدت له في زمنه- مجرد “أقنعة” لمصالح طبقية بعينها. كذلك لم يكن مهتما بالأنثروبولوجيا والميثولوجيا بما هما علمان لدراسة حياة الإنسان الما قبل تاريخية. وعندما عاد إلى انثروبولوجيا هذه المرحلة -ومعه إنجلز في “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”- فقد اهتم بتطور الإنتاج ووسائله المادية، لا بالأساطير والمعتقدات القديمة وما يمكن أن تحتويه من معانٍ ضرورية للعيش وتنظيم العلاقات الإنسانية، بل وتفسير بعض الظواهر الطبيعية (الحلم أو الموت مثلا) تفسيرا أوليا.
في هذا الإطار يجب أن نفهم مقولتي كارل ماركس: “الدين أفيون الشعوب” و”الدين روح لعالم بلا روح”. يحضر “الدين” في هاتين المقولتين بمعناه الإيديولوجي، كإيديولوجيا يمارسها الاستغلال على فئات المستغَلين، انطلاقا من استعدادهم الاجتماعي والنفسي لذلك، انطلاقا من وجود استعداد فردي للهروب من الألم وتعويضه بأمل متوهم.. فهل ينفي هذا التوهم وجود حق يدل عليه؟ لماذا هذا النزوع إلى التوهم بالدين؟ لماذا كل هذا العطش تجاه اللانهائي مهما بلغ الإنسان من اقتحامٍ لعقبات الوعي بعالَمه؟ هذا هو السؤال الذي بقي عالقا من غير جواب عند الماركسيين، وعند عموم المنبهرين بنتائج المعرفة الحديثة..
بعد ماركس بعقود، وفي شروط غير أوروبية، في أمريكا اللاتينية بالذات، تبنت حركات تحررية “المسيحية” إيديولوجية لها، وأصبحنا نتحدث عن نوع جديد من اللاهوت هو “لاهوت التحرير”. بعده أيضا، وبعد أن كشفت المادية الأوروبية عن حدودها في فهم الظاهرة الإنسانية وحمايتها وتوفير العزاء لها، انتبه ماركسيون أمثال أنور عبد الملك (في كتابه “تغير العالم”) إلى الكفاءة الوجدانية والنفسية للدين إذا اشتد الخناق على الإنسان، سواء أكان هذا الخناق اجتماعيا (الفقر وانتشار الفساد الأخلاقي والفوضى الفكرية) أو طبيعيا (الكوارث الجيولوجية والوبائية)..
انتقلت الماركسية إذن، من اعتبار الدين إيديولوجيا لمصالح طبقية (“قناعا” لهذه المصالح بتعبير ع. العروي في “مفهوم الإيديولوجيا”)، يخفي مصالح العمال بحثهم على التحمل، ومصالح البرجوازية بتبرير مِلكيتها الاستغلالية قدَريا؛ قلت: انتقلت الماركسية من هذا المعنى إلى معنيين آخرين: الأول تحرري يحرض على العدالة والمقاومة، والثاني عزائي يخفف على الإنسان قيود الطبيعة والاجتماع. وإذا استثنينا بعض الماركسيين النفسانيين، كإيريك فروم، الذين حاولوا فهم الدين في بعده النفساني، ما يشكل بداية للتماس بعوالم أخرى غير معتادة عند الغربيين (معتادة عند الشرقيين)؛ إذا استثنينا هذه المحاولة التي تكاد تكون منحسرة، بل هي كذلك، فقد بقيت الماركسية حبيسة عمليتين في التعامل مع المسألة الدينية: مواجهة أدلوجتها الاستغلالية، وإنتاج أدلوجتها التحررية.
ماذا عن الماركسيين العرب؟ هل دفعتهم خصوصيتهم الإسلامية، أو المسيحية الأرثودكسية المشرقية، إلى اكتشاف أبعاد مختلفة في المسألة الدينية؟ هل هذا ما حصل أم أنهم ساروا على نهج أغلب الماركسيين الغربيين في مواجهة الإيديولوجيا الدينية أو توظيفها؟ لا يمكننا تصنيف الماركسيين العرب في خانة واحدة، فلكل منهم مقاربة في الموضوع، ولكل منهم تحليل واعتبار، أو تكوين خاص يميزه عن غيره. هذا ولا ينبغي أن نهمل سياق الماركسية العربية ونحن نتحدث عن موقف منظريها من المسألة الدينية. هناك اختلاف واضح بين مجتمع صناعي لم تعد للكنيسة سيطرة عليه، ومجتمع مختلط ما زال للدين سلطة على علاقاته الاجتماعية والسياسية. كما أن هناك اختلافا واضحا بين إيديولوجيا دينية تجعل وسيطا دينيا/ سياسيا بين الناس والغيب، وأخرى تحررهم وتجعلهم سواسية أمام هذا الأخير.
أثر هذا الاختلاف تأثيرا كبيرا على تعامل الماركسيين العرب مع المسألة الدينية. فكان منهم الذي رفضها وواجهها ودعا إلى تخليفها وتركها، حتى كاد ينادي بشعار البورجوازية الصاعدة في أوروبا: “اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس”.. لكن هذا النموذج سرعان ما وجد نفسه غريبا في مجتمع متدين، لا يختلط فيه الدين بالسياسة فقط، بل بالحياة الاجتماعية أيضا، كذا بلاوعي جمعي يعرف الدين كممارسة قديمة لم ينل منها تعاقب السياسات. في خضم هذا الضغط السياسي-الاجتماعي “المتدين”، ظهرت نماذج ماركسية متصالحة -إلى هذا الحد أو ذاك- مع المسألة الدينية.
فكان منهم الباحث عن المادية والجدلية في التراث (حسين مروة في كتابه “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية”/ لبنان)، وكان منهم الداعي إلى تشكل “يسار إسلامي” (حسن حنفي والخليل عبد الكريم/ مصر)، وكان منهم المنظّر لـ”اشتراكية الدين” (خالد محيي الدين/ مصر)، وكان منهم الباحث في التقدمية التاريخية للسيرة النبوية (بندلي الجوزي/ فلسطين، ع. السلام الموذن/ المغرب، سلامة كيلو/ فلسطين-سوريا)، وكان منهم الداعي إلى امتلاك التراث (م. عابد الجابري في “نقد العقل العربي”/ المغرب)، وكان منهم الداعي إلى استثمار أدلوجة التراث بعد القطع مع ذهنيته (ع. العروي/ المغرب)، وكان منهم المتوقف في تفسير بعض الظواهر الغيبية كالوحي (جورج حنا في كتابه “قصة الإنسان”/ لبنان)، وكان منهم الباحث عن القيم الشيوعية في سير المتصوفة وبعض الحركات السياسية (هادي العلوي في “مدارات صوفية” وكتب أخرى/ العراق)، وكان منهم الداعي إلى استثمار قيم المقاومة الدينية والتراثية في مواجهة الاستعمار القديم والجديد (عبد الصمد بلكبير/ المغرب)؛ الخ.
إلى غير ذلك من النماذج الماركسية التي تعاملت مع التراث تعاملا إيديولوجيا، ظل يمارس بعض المحاولات العلمية والتفسيرية بين فينة وأخرى.. لكن هذه المحاولات العلمية لم تبلغ مداها لسببين في نظرنا؛ يتعلق الأول بقدراتنا العلمية المحدودة كمجتمعات عربية، ما جعل مسائل عديدة دينية وغير دينية عصية على الكشف والبحث؛ فيما يتعلق الثاني بالهاجس السياسي الماركسيين العرب، الأمر الذي أبقاهم حبيسي مقاربة إيديولوجية خاصة في التعامل مع المسألة الدينية، غير مهتمين ببعديها العلمي والوجداني.. وقد غاب هذا البعد الأخير عند الماركسيين المهتمين بالتصوف أنفسهم، وذلك مثل هادي العلوي الذي حصر التصوف في قيم الزهد المشاعي (عبد الكريم الجيلي) وبوادر النظر المادي الجدلي (صدر الدين الشيرازي)، مع ازدراء كل محاولة للتأمل والحال خارج العالم المادي (راجع كتابه “مدارات صوفية”).
وأيضا، لم يخض أغلب الماركسيين تجربة “التعليم العتيق”، فبقيت بضاعتهم فيه مزجاة، يناقشون الشيوخ والفقهاء في معارفهم العميقة والمتماسكة ضمن منطقها الداخلي ببعض المعارف الأولية التي يتقنها المبتدئون في العلوم الشرعية.. لم يهتموا بالبناء الشرعي ما دام هذا البناء مفسَّرا لديهم بالمادية التاريخية والاقتصاد السياسي، فضُرب بينهم وبين الفقهاء بون شاسع ما كان له أن يتشكل لو حضرت حكمة الماركسيين العرب، لو اعترفوا بأن البناء الشرعي مؤسسة ينبغي أن تُدرس بعمق. لم يتحقق هذا الورش فتكونت لدى الفقهاء قناعة أوحى بها الماركسيون أنفسهم، وهي أن الماركسية خطر على الدين والتراث، تهدد بناءه وتسعى إلى هدمه.
هل كان هذا التقاطب في مصلحة مجتمعاتنا؟ وهل يحقق اليوم هذه المصلحة؟ انحسر أو اندثر الماركسيون على هامش المجتمع، حُرِم الفقهاء من منهج ناجع مسعِف في التحليل والنظر الاجتماعي والسياسي. هذه نتيجة إرادات عالمية أرادت أن تخاصِم العقل والروح في مجتمعاتنا.. وكذلك كان!