العدّ العكسي لافتتاح البرلمان.. حكومة المنصوري أمام ضغط تشكيل الأغلبية وقانون المالية
مع اقتراب موعد افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة، تدخل مشاورات تشكيل الحكومة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة أكثر حساسية، في ظل عدّ عكسي لا يتجاوز ثلاثة أيام بين انطلاق الجولة الثانية من المشاورات أمس الاثنين وافتتاح البرلمان المقرر يوم الجمعة الثاني من أكتوبر الجاري.
وإذا كان الدستور لا يفرض أجلا أدنى بين تعيين رئيس الحكومة وتعيين باقي أعضائها، فإن ضيق الفترة الزمنية قبل انطلاق العمل البرلماني، يضع المسار الحكومي أمام تحدٍّ سياسي وتنظيمي، خصوصا أن حسم الأغلبية يفتح الباب أمام استكمال إجراءات تشكيل الحكومة وتعيين أعضائها أمام الملك، قبل الانتقال لاحقا إلى مرحلة تنصيبها برلمانيا.
ويتم ذلك من خلال تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان ومناقشته والتصويت عليه، في وقت يضيف فيه مشروع قانون المالية سقفا زمنيا آخر إلى هذه العملية، مع اقتراب أجل إحالته على مجلس النواب في أجل أقصاه 20 أكتوبر، بما يجعل مختلف هذه المواعيد متداخلة في أجندة زمنية ضيقة.
أربعة أيام قبل افتتاح البرلمان
وفي ظل هذا العدّ العكسي، يبرز السؤال حول ما إذا كانت الجولة الثانية من المشاورات التي أعلنت عنها رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري قادرة في حال انتهت إلى حسم الأغلبية، على فتح الطريق أمام استكمال باقي مراحل تشكيل الحكومة قبل موعد افتتاح البرلمان، خاصة أن الأمر لا يتعلق فقط بالتوافق السياسي بين مكونات الأغلبية، وإنما أيضا باستكمال المسار الدستوري لتعيين أعضاء الحكومة.
وفي هذا السياق، أكدت الباحثة في القانون البرلماني مريم ابليل أن المدة الزمنية المتبقية يمكن أن تكون كافية من الناحية الدستورية، وإن كانت “ضيقة سياسيا وتنظيميا”، مسجلة أنه “إذا حُسمت الأغلبية سريعا، يمكن لرئيسة الحكومة اقتراح أعضاء الحكومة على الملك، ثم يتم تعيينهم طبقا للفصل 47”.
وأضافت الباحثة في حديث مع صحيفة “صوت المغرب” أن الدستور لا يشترط أجلا أدنى بين تعيين رئيس الحكومة وتعيين باقي أعضائها، مؤكدة على التمييز بين تعيين الحكومة وتنصيبها برلمانيا. وأوضحت أن الحكومة لا تعتبر مُنَصبة دستوريا إلا بعد تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان والتصويت عليه بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، طبقا للفصل 88″.
وبالتالي، تبرز ابليل، يمكن تعيين الحكومة قبل افتتاح البرلمان، لافتة في المقابل إلى أن “استكمال التنصيب البرلماني قبل الافتتاح غير ممكن عمليا”. واستحضرت في هذا الإطار سابقة سنة 2021، حين عُينت الحكومة في 7 أكتوبر وافتتح البرلمان في 8 أكتوبر.
وينص الفصل 88 من الدستور على أنه بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه. ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به، في مختلف مجالات النشاط الوطني، وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية. ويكون البرنامج موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين، يعقبها تصويت في مجلس النواب.
ووفقا للفصل ذاته، فإن الحكومة تعتبر منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، لصالح البرنامج الحكومي.
انتخاب رئيس مجلس النواب
وبمجرد افتتاح البرلمان، يبرز موعد آخر يتعلق بانتخاب رئيس مجلس النواب، خاصة في ظل احتمال حسم الأغلبية الحكومية قبل افتتاح الدورة. ويطرح ذلك سؤالا حول ما إذا كان انتخاب رئيس المجلس يمكن أن يتم مباشرة بعد الجلسة الافتتاحية، أي بعد خطاب الملك، وما إذا كان اكتمال تشكيل الأغلبية الحكومية شرطا سياسيا لهذا الانتخاب.
وتوضح ابليل بأن عقد جلسة لانتخاب رئيس مجلس النواب مباشرة بعد الافتتاح أو في اليوم الموالي يظل ممكنا، كما حدث سنة 2021، إذ افتتح البرلمان يوم 8 أكتوبر وانتخب رئيس مجلس النواب يوم 9 أكتوبر.
وأبرزت الباحثة أنه “لا يوجد شرط دستوري يجعل انتخاب رئيس مجلس النواب متوقفا على تشكيل الأغلبية الحكومية، فالفصل 62 يؤطر انتخاب الرئيس، والفصل 65 يحدد افتتاح الدورة”
وتنص الفقرة الثالثة من الفصل 62 من الدستور على أنه يُنتخب رئيس مجلس النواب وأعضاء المكتب، ورؤساء اللجان الدائمة ومكاتبها، في مستهل الفترة النيابية، ثم في سنتها الثالثة عند دورة أبريل لما تبقى من الولاية.
غير أن الباحثة تشير إلى أن المعطى القانوني لا يلغي العامل السياسي، موضحة أن “انتخاب الرئيس يرتبط عادة بالتفاهمات حول الأغلبية وتوزيع المسؤوليات، ولذلك قد يصبح غياب اتفاق سياسي عام عاملا معطلا وليس مانعا قانونيا”.
إذا تأخر تشكيل الحكومة.. ماذا عن انطلاق البرلمان؟
وفي حال لم تُستكمل عملية تشكيل الحكومة قبل افتتاح البرلمان، فإن حكومة عزيز أخنوش تواصل تصريف الأعمال، وفقا للفصل 47 من الدستور، الذي ينص على أن الحكومة المنتهية مهامها تواصل تصريف الأمور الجارية إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة. لكن استمرار هذه الوضعية قد يفرض أسئلة حول الانطلاقة الفعلية للولايتين الحكومية والبرلمانية.
وفي هذا الصدد، توضح ابليل أن “عدم تشكيل الحكومة قبل افتتاح البرلمان لا يحدث فراغا دستوريا، لكنه قد يربك الانطلاقة السياسية للولايتين”، مبرزة أن “الحكومة المنتهية مهامها تستمر في تصريف الأمور الجارية، وهي صلاحيات محدودة لا تشمل، من حيث الأصل، القرارات التي تلزم الحكومة المقبلة بصفة دائمة، ومنها المصادقة على مشاريع القوانين، إلا ما تفرضه حالة الضرورة”.
وزراء منتخبون نوابا.. حالة التنافي؟
وتزداد “إشكالية” تصريف الأعمال بالنسبة إلى الوزراء المنتهية مهامهم الذين تمكنوا من الفوز بمقاعد في مجلس النواب الجديد، إذ يجد هؤلاء أنفسهم أمام صفتين مؤسساتيتين في مرحلة انتقالية، العضوية في حكومة تصريف الأمور الجارية، والعضوية في البرلمان بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة، وهو ما يطرح النقاش حول تقديم الاستقالة.
وتنص المادة 35 من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها، على أنه يتعين على عضو الحكومة، الذي يوجد في إحدى حالات التنافي، وضمنها العضوية في أحد مجلسي البرلمان، تسوية وضعيته داخل أجل لا يتعدى 60 يوما من تاريخ تنصيب مجلس النواب للحكومة أو من تاريخ تعيين عضو الحكومة المعني.
في هذا السياق، توضح الباحثة في القانون البرلماني أن “المسألة ليست مجرد استقالة سياسية يقدمها الوزراء المنتهية مهامهم والذين انتُخبوا نوابا جددا، لرئيس الحكومة السابق”، مبرزة أن “الجمع بين العضوية في الحكومة والعضوية في مجلس النواب حالة تناف قانونية، وتتم تسويتها وفق المسطرة القانونية المقررة”.
وشددت على أن النظام الداخلي لمجلس النواب ينص على الإحالة الفورية إلى المحكمة الدستورية عند تعيين نائب عضوا في الحكومة.
وتثير هذه الوضعية تساؤلا حول موقع الوزراء المنتخبين في البرلمان الجديد خلال المرحلة الانتقالية، وما إذا كان استمرارهم في حكومة تصريف الأمور الجارية يتقاطع مع اكتسابهم صفة النائب المنتخب، خصوصا مع افتتاح البرلمان الجمعة المقبلة.
البرنامج الحكومي وتنصيب الحكومة
مسار الأغلبية الحكومية لا ينتهي بمجرد تعيين أعضاء الحكومة أمام الملك، إذ يبقى التنصيب البرلماني محطة دستورية أساسية، من خلال تقديم البرنامج الحكومي ومناقشته والتصويت عليه داخل مجلس النواب.
وفي حال لم تستكمل الحكومة تشكيلها قبل افتتاح البرلمان، فإن هذا المسار سيتأخر زمنيا تبعا لذلك، وإن كان استمرار الحكومة المنتهية مهامها في تصريف الأمور الجارية يحول دون قيام فراغ دستوري.
وفي هذا الإطار، أوضحت ابليل أن “عدم تشكيل الحكومة قبل افتتاح البرلمان سيؤخر بالضرورة مسطرة التنصيب، لكنه لا يخلق إشكالا دستوريا في حد ذاته”، مبرزة أنه “لا يمكن تقديم البرنامج الحكومي وفقا للفصل 88 إلا بعد تشكيل الحكومة وتعيين أعضائها”.
وبعد ذلك، تضيف الباحثة، يعرض رئيس الحكومة البرنامج أمام مجلسي البرلمان، وتناقشه الغرفتان، ثم يمنح مجلس النواب الثقة للحكومة بالأغلبية المطلقة لأعضائه. وسجلت أن “كل تأخر في التشكيل سينعكس زمنيا على تقديم البرنامج والتصويت عليه، دون أن يحدد الدستور أجلا صريحا يجب أن يتم داخله التنصيب بعد تعيين رئيس الحكومة”.
قانون المالية.. موعد يرفع ضغط الوقت
وإذا كان افتتاح البرلمان يشكل أول محطة مؤسساتية واضحة أمام الحكومة المقبلة، فإن مشروع قانون المالية يفرض بدوره أجلا زمنيا أكثر إلحاحا، بالنظر إلى ضرورة إيداعه لدى مجلس النواب قبل 20 أكتوبر، بعد استكمال المسار الحكومي السابق للإحالة.
وتنص المادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية على أنه يودع مشروع قانون المالية للسنة بالأسبقية بمكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية على أبعد تقدير.
هل يجعل هذا الموعد الدستوري عاملا بارزا لتشكيل الحكومة قبل افتتاح البرلمان يوم 9 أكتوبر؟ بالنسبة إلى الباحثة في القانون البرلماني فإن “قانون المالية بالفعل أقوى عنصر زمني ضاغط في هذه المرحلة، ويجب أن يودع لدى مجلس النواب في أجل أقصاه 20 أكتوبر، بعد استكمال مساره الحكومي”.
وأشارت الباحثة أيضا إلى أن التوجهات العامة لمشروع قانون المالية تعرض على المجلس الوزاري طبقا للفصل 49 من الدستور، وهو ما يجعل “صعوبة استمرار المسار بحكومة تصريف الأعمال، لأن الأصل أن هذه الحكومة لا تصادق على مشاريع القوانين التي تلزم الحكومة المقبلة بصفة دائمة”.
وبالتالي، فإن أجل 20 أكتوبر، وفق الباحثة، يشكل “ضغطا دستوريا ومؤسساتيا قويا لتسريع تشكيل الحكومة، ليس لأنه يفرض تشكيلها قبل افتتاح البرلمان تحديدا، وإنما لأن استمرار التأخر سيجعل إعداد مشروع قانون المالية والمصادقة عليه وإحالته في الآجال أكثر تعقيدا، وقد يطرح عند الضرورة إشكالية حدود صلاحيات حكومة تصريف الأمور الجارية”.
وهكذا، تتقاطع أمام الحكومة المقبلة، خلال فترة زمنية قصيرة، مجموعة من الاستحقاقات الدستورية والمؤسساتية المتتالية، حسم الأغلبية، تشكيل الحكومة وتعيين أعضائها، افتتاح البرلمان، انتخاب رئيس مجلس النواب، ثم تقديم البرنامج الحكومي والتصويت عليه، وصولا إلى مشروع قانون المالية الذي يفرض بدوره أجلا زمنيا محددا.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الجولة الثانية للمشاورات التي باشرتها رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري مع بعض قيادات الأحزاب السياسية، يتواصل العدّ العكسي نحو افتتاح البرلمان، الذي لن يشكل بالتأكيد مجرد موعد دستوري لافتتاح السنة التشريعية الجديدة، بل بداية فعلية لاختبار التوازنات الجديدة داخل مجلس النواب، وانتخاب هياكله، ومباشرة أدواره التشريعية والرقابية، بالتوازي مع استكمال مسار تنصيب الحكومة.