%60 من التعهدات الحكومية بلا جواب عن مآلها.. دراسة ترصد اختلالات الرقابة البرلمانية
كشفت ورقة بحثية صادرة عن المعهد المغربي لتحليل السياسات أن 60 في المائة من التعهدات الحكومية المسجلة خلال الولاية التشريعية 2021-2026 لم يصدر بشأنها أي جواب يوضح مآلها، في مؤشر على محدودية آليات تتبع الالتزامات الحكومية داخل مجلس النواب، رغم الارتفاع الكمي الذي عرفته جلسات الأسئلة الشفهية خلال الفترة نفسها.
وأوضحت الورقة، التي أنجزها الصحافي ياسر المختوم، أن قاعدة بيانات التعهدات الحكومية تضم 1339 تعهدا جرى تسجيلها خلال الولاية التشريعية، لم يتوفر بشأن سوى 534 منها جواب حول مآلها، أي ما يعادل نحو 40 في المائة، مقابل 805 تعهدات، بنسبة 60 في المائة، ظلت دون جواب إلى غاية نهاية أكتوبر 2026.
وشددت الدراسة، التي تحمل عنوان “المساءلة غير المكتملة: اختلالات جلسات الأسئلة الشفهية بمجلس النواب”، على ضرورة التمييز بين التوصل بجواب حول مآل التعهد الحكومي وبين تنفيذه فعليا، معتبرة أن وجود جواب لا يعني بالضرورة أن الإجراء الموعود قد دخل حيز التنفيذ.
كما سجلت أن المقتضيات المنظمة لتتبع هذه التعهدات، ولا سيما المواد من 299 إلى 301 من النظام الداخلي لمجلس النواب، لا تحدد أجلا ملزما للحكومة للإجابة عن مآلها، فيما تتيح المادة 301 للحكومة تقديم هذه الإجابات دون أن تجعل ذلك التزاما واجبا.
ولا تقتصر الاختلالات التي رصدتها الورقة على تتبع التعهدات الحكومية، بل تمتد إلى طبيعة المشاركة داخل جلسات الأسئلة الشفهية وتوزيعها بين أعضاء مجلس النواب. فبالاستناد إلى تحليل 125 جلسة أسبوعية، وما مجموعه 10 آلاف و354 تدخلا، سجلت الدراسة تفاوتا في مستوى مشاركة النواب، إذ لم يسجل 41 نائبا، من أصل 395، أي تدخل خلال هذه الجلسات طيلة الولاية التشريعية، سواء تعلق الأمر بطرح الأسئلة أو التعقيبات أو نقاط النظام أو الإحاطات علما في القضايا الطارئة.
وأشارت المعطيات ذاتها إلى أن 23 نائبا من بين هؤلاء، أي ما يعادل 56 في المائة، عادوا للترشح في انتخابات 23 شتنبر 2026. غير أن الدراسة تنبه إلى أن غياب النائب عن جلسات الأسئلة الشفهية لا يكفي وحده للحكم على أدائه البرلماني العام، بالنظر إلى تعدد مجالات العمل النيابي، بما فيها اللجان والأسئلة الكتابية وغيرها من أشكال العمل الرقابي.
وعلى مستوى تطور الأداء الكمي، سجلت الدراسة ارتفاعا في عدد التدخلات خلال الولاية التشريعية الحالية، من 7124 إلى 10 آلاف و354 تدخلا، بالتوازي مع ارتفاع عدد الجلسات من 110 إلى 125 جلسة.
كما ارتفع عدد الأسئلة الشفهية من 2473 إلى 3997 سؤالا، فيما زادت التعقيبات من 4159 إلى 5612 تدخلا. لكن هذا التطور العددي، بحسب الوثيقة، لم يواكبه تحسن مماثل في آليات التتبع والمراقبة، ما يطرح سؤال نجاعة المساءلة البرلمانية ومدى قدرتها على ضمان متابعة الأجوبة والتعهدات الحكومية.
وفي ما يتعلق بتوزيع التدخلات حسب القطاعات، أظهرت الدراسة أن أربعة قطاعات استقطبت 2812 تدخلا من أصل 9609 تدخلات مصنفة قطاعيا، أي ما يقارب 29 في المائة، ويتعلق الأمر بالتجهيز والماء بـ798 تدخلا، والفلاحة والتنمية القروية بـ704 تدخلات، والتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بـ677 تدخلا، ثم الصحة والحماية الاجتماعية بـ633 تدخلا.
كما سجلت تركيزا في المشاركة لدى عدد محدود من النواب، إذ استأثر النواب العشرة الأكثر تدخلا بنحو 10 في المائة من مجموع التدخلات، مقابل تسجيل 87 نائبا عشرة تدخلات أو أقل لكل واحد منهم.
وأمام هذه الاختلالات، تدعو الورقة البحثية إلى تعزيز شفافية البيانات المرتبطة بالمشاركة داخل الجلسات البرلمانية، من خلال نشر معطيات دقيقة ومهيكلة وقابلة للمعالجة حول أسئلة النواب وتعقيباتهم ونقاط النظام والإحاطات علما، بما يسمح بتتبع المشاركة وتقييمها على أساس بيانات واضحة.
كما تقترح إرساء آلية منتظمة ومحينة لتتبع التعهدات الحكومية، تتضمن آجالا مرجعية وحالة كل تعهد، سواء تعلق الأمر بتنفيذه أو تنفيذه جزئيا أو استمرار العمل به أو عدم تنفيذه أو تعذر التحقق من مآله.
وتخلص الدراسة البحثية إلى أن تطوير الرقابة البرلمانية لا يرتبط فقط برفع عدد الأسئلة والتدخلات، بل يتطلب الانتقال من تدبير زمن الجلسات إلى تدبير مسار المساءلة برمته، عبر ضمان تتبع الأجوبة والتعهدات، وتوفير بيانات مفتوحة وشفافة تتيح تقييم أداء المؤسسة التشريعية وقياس مدى استجابة الحكومة للالتزامات التي تعلن عنها أمام البرلمان.