story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
صحة |

عاد للمغرب بعد عقود.. ما هو مرض “الدفتيريا”؟ وما أسبابه وسبل الوقاية منه؟

ص ص

عاد داء الخناق، المعروف بـ”الدفتيريا”، إلى الواجهة في المغرب بعد إعلان وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، في 28 شتنبر 2026، رصد بؤرتين عائليتين محدودتين للمرض بجهة سوس ماسة، واحدة بعمالة أكادير إداوتنان وأخرى بإقليم اشتوكة آيت باها.

وظل المغرب، بحسب معطيات وزارة الصحة، دون تسجيل حالات للدفتيريا منذ سنة 1991، بفضل البرامج الوطنية للتطعيم، مما يجعل المستجدات الحالية بمثابة جرس إنذار مبكر يستوجب التوعية والتحسيس.

وقالت الوزارة إن حالة واحدة تأكدت مخبرياً، فيما توجد ثماني حالات أخرى قيد التحري والتأكيد المخبري، من بينها حالتا وفاة ما تزال أسبابهما القطعية قيد التحقيق المخبري لمقاطعة نتائجها مع الأعراض السريرية. ويتعلق الأمر شقيقين، يبلغان من العمر 10 و17 عاماً، توفيا بالمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير.

وأوضحت الوزارة أن المعطيات الأولية تشير إلى أن الأطفال المعنيين بهذه البؤر لم يسبق لبعضهم تلقي اللقاح المضاد للمرض أو لم يستكملوا الجرعات الموصى بها، فيما جرى تفعيل بروتوكول الاستجابة الوبائية، بما يشمل البحث عن حالات أخرى، وتتبع المخالطين، وتوفير العلاج الوقائي بالمضادات الحيوية والتلقيح وفق التدابير الصحية المعتمدة.

ما هو الدفتيريا؟

تُعرف الدفتيريا، حسب منظمة الصحة العالمية، بأنها عدوى بكتيرية حادة تسببها جرثومة تُدعى الوتدية الخناقية، والتي تستهدف في المقام الأول الغشاء المخاطي للجهاز التنفسي العلوي كالأنف والحلق واللوزتين، وفي حالات أقل شيوعاً قد تصيب الجلد على شكل تقرحات.

وتكمن الخطورة الرئيسية لهذه الجرثومة في قدرة بعض سلالاتها على إفراز سم بكتيري يُعرف بالذيفان، وهو مركب بروتيني يعمل على تثبيط عملية تصنيع البروتينات داخل الخلايا البشرية، مما يؤدي إلى موت الأنسجة المخاطية وتلفها السريع.

وينتج عن هذا التلف النسيجي تشكّل غشاء رمادي أو مائل للسواد يُعرف بـ”الغشاء الكاذب“، وهو النسيج الميت الذي يلتصق بشدة باللوزتين والحلق والأنف ويصعب إزالته دون التسبب في نزيف زؤام.

ويثير هذا الغشاء خطورة بالغة لأنه يتسبب في تضخم الغدد اللمفاوية في الرقبة وانسداد المسالك التنفسية بشكل حاد، مما يؤدي إلى صعوبة شديدة في البلع والتنفس قد تصل إلى حد الاختناق.

علاوة على ذلك، يمتص مجرى الدم السم البكتيري لينقله إلى باقي الأعضاء الحيوية، مسبباً مضاعفات جسيمة كالتهاب عضلة القلب واضطراب نبضاتها، واعتلال الأعصاب الذي يترتب عنه شلل في عضلات الحلق والعين وحتى العضلات التنفسية، وهي مضاعفات قد ترتفع معها نسبة الوفيات إلى نحو ثلاثين بالمائة لدى الأشخاص غير الملقحين في حال عدم تلقيهم العلاج المبكر.

كيف تنتقل العدوى؟

تتراوح فترة حضانة المرض في العادة بين يومين وخمسة أيام من لحظة التعرض للبكتيريا المسببة.

وينتقل الدفتيريا أساساً من شخص إلى آخر عبر الرذاذ التنفسي الناتج عن السعال أو العطس، كما يمكن أن تنتقل العدوى من خلال المخالطة المباشرة للإفرازات التنفسية للشخص المصاب

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى إمكانية انتقال البكتيريا أيضاً عبر ملامسة الملابس أو الأشياء الملوثة بها، فيما يكون الأشخاص الذين يخالطون المصاب بشكل وثيق، خصوصاً داخل الأسرة، أكثر عرضة للعدوى.

ويُفسر وصف وزارة الصحة للبؤرتين بكونهما عائليتين الطبيعة السريعة لانتشار العدوى داخل المحيط الأسري المباشر بين الأشخاص الذين يعيشون في مكان واحد، وهو ما يبرر الشدة والصرامة اللتين اتسمت بهما عمليات حصر المخالطين وتتبعهم من طرف فرق التقصي الوبائي.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الدفتيريا مرض يمكن الوقاية منه باللقاح، لكنه قد يكون خطيراً في حال الإصابة، خصوصاً لدى الأشخاص غير الملقحين أو غير المستكملين لجرعات التلقيح.

ما أعراض الدفتيريا؟

تظهر أعراض الدفتيريا عادة بعد فترة تتراوح بين يومين وخمسة أيام من التعرض للبكتيريا، وقد تكون في البداية شبيهة بعدوى تنفسية عادية.

ومن أبرز الأعراض التهاب الحلق، والحمى، والشعور بالضعف، وتضخم الغدد اللمفاوية في الرقبة.

في الحالات التنفسية قد تتشكل خلال أيام طبقة سميكة رمادية اللون من الأنسجة الميتة على الأنف أو اللوزتين أو الحلق، وقد تؤدي إلى صعوبة في التنفس والبلع.

وفي الحالات الشديدة، يمكن لسم الدفتيريا أن يصل إلى أعضاء أخرى، مسبباً مضاعفات من بينها التهاب أو تلف عضلة القلب واضطرابات الجهاز العصبي، وقد تهدد هذه المضاعفات حياة المصاب.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن الدفتيريا قد تكون قاتلة لدى غير الملقحين إذا لم يحصلوا على العلاج المناسب، وقد تصل نسبة الوفيات في هذه الحالات إلى نحو 30 في المائة.

كيف يمكن الوقاية منه؟

يبقى التلقيح الوسيلة الأساسية للوقاية من الدفتيريا. وتدرج وزارة الصحة والحماية الاجتماعية اللقاحات المضادة للمرض ضمن البرنامج الوطني للتمنيع، إلى جانب لقاحات أمراض أخرى، مع جرعات أساسية وجرعات تذكيرية تهدف إلى الحفاظ على المناعة.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بإعطاء سلسلة أولية من ثلاث جرعات من اللقاح المحتوي على مكوّن مضاد للدفتيريا، تليها جرعات معززة خلال الطفولة والمراهقة للحفاظ على الحماية لفترة أطول.

وفي ظل الحالات التي رصدت في سوس ماسة، دعت وزارة الصحة الأسر إلى التحقق من دفاتر تلقيح أطفالها واستدراك الجرعات الناقصة، كما أوصت بالتوجه دون تأخير إلى أقرب مؤسسة صحية عند ظهور أعراض يشتبه في ارتباطها بالمرض، مع تفادي المخالطة اللصيقة إلى حين التقييم الطبي.

ولا تعني عودة حالات الدفتيريا بالضرورة انتشاراً واسعاً للمرض على المستوى الوطني، فالمعطيات المعلنة حالياً تتعلق ببؤرتين عائليتين محدودتين في جهة سوس ماسة.

لكن عودة ظهور المرض تذكّر بخطورة الفجوات في التلقيح، خصوصاً أن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن تراجع مستويات التمنيع يهيئ الظروف لعودة الدفتيريا واندلاع بؤر جديدة، رغم توفر لقاح فعال للوقاية منها.

منظومة التلقيح بالبرنامج الوطني للتمنيع بالمغرب

يظل التطعيم باللقاحات المضادة للدفتيريا الوسيلة الأكثر أماناً وفاعلية للوقاية من هذا المرض وضمان الحماية الجماعية.

وتعتمد المنظومة الصحية المغربية برنامجاً وطنياً للتمنيع يدرج التلقيح ضد الدفتيريا ضمن مركبات مجمعة لحماية الطفل من عدة أمراض فتاكة في الآن ذاته.

وتبدأ السلسلة التلقيحية الأساسية للأطفال بإعطاء اللقاح الخماسي التكافؤ عند سن الشهرين، ثم الجرعة الثانية عند سن الثلاثة أشهر، تليها الجرعة الثالثة عند سن الأربعة أشهر، حيث يوفر هذا التتابع الأولي بناء الاستجابة المناعية الضرورية ضد الدفتيريا والكزاز والسعال الديكي والتهاب الكبد الفيروسي ب والمستدمية النزلية.

ولا تقتصر الحماية الوقائية على الجرعات الأساسية الأولى، إذ يعتمد البرنامج الوطني جرعات تذكيرية متتابعة لتعزيز مستويات المضادات الحيوية في الجسم، حيث يتلقى الطفل الجرعة التذكيرية الأولى عند بلوغه ثمانية عشر شهراً، تليها الجرعة التذكيرية الثانية عند سن السادسة بالتزامن مع مرحلة الدخول المدرسي.

كما تنصح التوجيهات الصحية الدولية والمحلية بتلقي اليافعين والبالغين جرعة معززة كل عشر سنوات للحفاظ على الحماية المستدامة مدى الحياة، خاصة للكوادر الصحية والأشخاص الأكثر عرضة للخطر.

البروتوكول العلاجي الاستعجالي والتدابير الوقائية للمخالطين

يعتمد نجاح علاج الدفتيريا التنفسية على السرعة القصوى في التشخيص والتدخل الطبي، حيث تشدد منظمة الصحة العالمية على ضرورة الشروع في تقديم العلاج فور الاشتباه السريري بالحالة ودون انتظار نتائج الفحوصات البيولوجية والمخبرية، نظراً للسرعة التي يتلف بها السم البكتيري الأعضاء الحيوية.

ويقوم البروتوكول العلاجي على تقديم مصل مضاد ذيفان الدفتيريا لحقنه في الدم بغرض تحييد السموم السارية قبل ارتباطها بالأنسجة، مدعوماً بالعلاج ببروتوكول المضادات الحيوية كالبنسلين أو الإريثروميسين لمدة أربعة عشر يوماً للقضاء على البكتيريا وإيقاف إفراز السموم وقطع العدوى.

وفي الحالات التنفسية الحرجة، يحتاج المرضى إلى عناية مركزة تشمل تأمين مجرى الهواء ودعم التنفس الاصطناعي مع المراقبة الدقيقة لوظائف القلب والأعصاب.

أما على مستوى إدارة المحيط الوبائي، فتُخضع الفرق الطبية جميع المخالطين المباشرين للمراقبة الصحية لمدة أسبوع كامل، مع إعطائهم علاجاً وقائياً بالمضادات الحيوية والتحقق من وضعيتهم التلقيحية لاستدراك أي جرعات ناقصة بشكل فوري.

الدفتيريا في المغرب قديماً

لم يكن ظهور الدفتيريا في المغرب ظاهرة جديدة؛ فقد كانت المرضى والحالات مسجلة في البلاد منذ النصف الأول من القرن العشرين. وتظهر إحدى النشرات الوبائية القديمة تسجيل 36 حالة بين يونيو وشتنبر 1935، توزعت خصوصاً بين بور ليوطي، أي القنيطرة حالياً، والشاوية، والرباط وسلا، ومنطقة الغرب ومكناس.

ومع بداية خمسينيات القرن الماضي، أخذت الإصابات منحى تصاعدياً واضحاً. فبعدما كان عدد الحالات المبلغ عنها لا يتجاوز 400 حالة سنوياً حتى سنة 1948، ارتفع إلى 643 حالة عام 1952، ثم 822 حالة عام 1953، وصولاً إلى 885 حالة عام 1954. وتزامن ذلك مع ارتفاع ملحوظ في نسبة المرضى المغاربة، وهو ما دفع السلطات إلى تشديد إجراءات الوقاية والتلقيح.

وأمام هذا التصاعد، اتخذت السلطات خطوة تشريعية في 15 يونيو 1954، حين صدر ظهير يجعل التلقيح ضد الدفتيريا إلزامياً لفئات من التلاميذ بالمؤسسات التعليمية. وتلقى أول فوج من التلاميذ اللقاح خلال السنة الدراسية 1954-1955، في محاولة لوقف تصاعد المرض، وإن كانت آثار الحملة على منحنى الإصابات لم تكن قد اتضحت بعد في ذلك الوقت.

التسلسل الزمني للمرض بالمغرب:
1935: تسجيل 36 حالة في عدة مناطق وفق النشرات الوبائية التاريخية.
1952–1954: 643 ثم 822 ثم 885 حالة.
15 يونيو 1954: صدور ظهير بإلزامية التلقيح ضد الدفتيريا لفئات من التلاميذ.
1963: إدخال اللقاح الثلاثي DTC ضمن منظومة التلقيح.
1981: التحاق المغرب بالبرنامج الموسع للتلقيح.
1987: إعادة هيكلة البرنامج في إطار البرنامج الوطني للتمنيع وإطلاق حملات وطنية واسعة.
1989: 14 حالة.
1991: حالة واحدة، ثم انقطاع الحالات المسجلة.
2026: رصد بؤرتين عائليتين في سوس ماسة وحالة مؤكدة وثماني حالات قيد التحري، بينها حالتا وفاة.

وتواصلت لاحقاً عملية توسيع التلقيح، إذ تشير وزارة الصحة إلى إدخال اللقاحات المضادة للدفتيريا والكزاز والسعال الديكي سنة 1963، قبل أن تنطلق لاحقاً حملات أوسع للتطعيم على المستوى الوطني.

وفي 1981، التحق المغرب بالبرنامج الموسع للتلقيح التابع لمنظمة الصحة العالمية، قبل إعادة هيكلته سنة 1987 تحت اسم البرنامج الوطني للتمنيع. وركز البرنامج الوطني الجديد على توسيع التغطية وتحسين الوصول إلى اللقاحات، وأطلق ابتداء من خريف 1987 “أيام وطنية للتلقيح” استهدفت ستة أمراض رئيسية، من بينها الدفتيريا. وتشير الأكاديمية الوطنية للطب في فرنسا إلى أن التغطية الوطنية بالتلقيح تحسنت بشكل كبير في السنوات التي تلت إعادة هيكلة البرنامج.

وقبل إعادة هيكلة برنامج التلقيح سنة 1987، كانت الدفتيريا لا تزال تظهر في المغرب على شكل أوبئة قاتلة، وفق دراسة الأكاديمية الوطنية للطب في فرنسا، قبل أن يبدأ معدل الإصابة في الانخفاض بصورة متواصلة مع توسيع التغطية بالتلقيح.

وكان أثر هذه التحولات واضحاً في السنوات الأخيرة قبل اختفاء المرض من السجل المعلن؛ فبحسب الدراسة ذاتها، انخفض عدد حالات الدفتيريا في المغرب إلى 14 حالة عام 1989، ثم إلى حالة واحدة فقط عام 1991. وتقول وزارة الصحة إن المغرب لم يسجل بعد ذلك حالات للدفتيريا منذ سنة 1991.