story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

الإعلام وتسليع الزواج وتفريغ القيم.. “لالة العروسة” نموذجا

ص ص

لم يعد النقاش حول ما يُسمّى بـ”تلفزيون الواقع” سجالاًة نخبويا معزولا، بل أضحى جزءا من معركة أوسع تتعلق بهندسة الوعي الجماعي وإعادة تشكيل منظومة القيم داخل المجتمع، فبرامج مثل “لالة العروسة” لا يمكن قراءتها فقط كمنتوج ترفيهي، بل ينبغي تفكيكها باعتبارها خطابا رمزيا يعكس اختيارات ضمنية حول طبيعة الأسرة، ومكانة المرأة، ومعنى الزواج في السياق المغربي المعاصر.

في هذا الإطار، يظهر بوضوح أن هذا البرنامج وما يشبهه، يشتغل وفق منطق السوق أكثر مما يستند إلى منطق القيم، حيث إنها تعيد صياغة الزواج من كونه مؤسسة اجتماعية ذات حمولة دينية وثقافية، إلى منتَج قابل للتسويق والتقييم الجماهيري، تتحول العلاقة الزوجية من خلاله إلى مشهد تنافسي مفتوح، تُقاس نجاحاته بمؤشرات الفرجة، ونسب التصويت، وحجم الإبهار البصري، وهو ما يعكس، في العمق، اختراقا مكشوفا لمنطق الاستهلاك، لفضاء كان يُفترض أن يظل محكوما بقيم الاستقرار والخصوصية.

ولعل المثال الأبرز على ذلك هو طبيعة التحديات التي تُفرض على المشاركين في هذا البرنامج، حيث يتم التركيز بشكل مكثف على عناصر الشكل والتمثّل الاجتماعي، من أزياء وديكور وطقوس الاحتفال، وطريقة الظهور أمام الكاميرا.

في المقابل، تغيب بشكل شبه كلي الأسئلة المهمة المرتبطة بالحياة الزوجية والتي تتعلف بكيف يُبنى التفاهم بين الزوجين، وكيف تُدار الخلافات، وما هي أسس الاستقرار الأسري؟

هذا الاختلال في ترتيب الأولويات لا يُعد بريئا او مجرد سهو، بل يعكس توجها لإعادة تعريف الزواج باعتباره لحظة استعراضية قد تكون مؤقتة، لا مسارا إنسانيا طويل الأمد.

أما على مستوى تمثلات المرأة، فإن هذه “لالة العروسة” يسهم في تكريس صورة نمطية تُختزل فيها المرأة في بعدها الجمالي والوظيفي داخل مؤسسة الزواج، تُقدَّم فيه “العروسة” كموضوع للتقييم، تخضع لمعايير جاهزة، ويتم الحكم عليها وفق قدرتها على التماهي مع صورة نموذجية مُسبقة الصنع، تقليدا لما يعرض في برامج الواقع العالمية التي تقدم النساء في سياقات تنافسية مشابهة، حيث يتم التركيز على المظهر والقدرة على الإقناع الجماهيري، أكثر من الكفاءة أو الاستقلالية، وهو ما يعمّق منطق تشييء المرأة بدل تمكينها.

كما أن تحويل الزواج إلى مشروع تنافسي علني يُنتج آثارا اجتماعية ملموسة، خاصة لدى فئة الشباب، حيث بات من الملاحظ، في الواقع المغربي، تناميا لظاهرة “الزواج الاستعراضي”، الذي تُضخَّم فيه تكاليف الأعراس بشكل غير متناسب مع الإمكانيات الحقيقية للأسر، تحت ضغط المقارنة الاجتماعية والرغبة في تحقيق لحظة مثالية شبيهة بما يُعرض في هذه البرامج.

هذا التحول لا يهدد فقط التوازنات الاقتصادية للأسر، بل يعيد إنتاج تفاوتات اجتماعية جديدة، حيث يُقاس نجاح الزواج بمدى القدرة على الإنفاق لا بمدى القدرة على الاستمرار.

سياسيا وثقافيا، يجدد هذا الواقع السؤال الدائم حول دور الإعلام العمومي، والخاص كذلك، في تأطير الذوق العام، لأنه حين يتحول الإعلام إلى فاعل في إعادة تشكيل القيم وفق منطق السوق، دون ضوابط مرجعية واضحة، فإنه يساهم عن قصد او دون قصد، في إضعاف البنية الرمزية للمجتمع ولذلك تبرز الحاجة إلى نقاش عمومي مسؤول حول وظيفة الإعلام، وما اذا كان مجرد أداة للفرجة وتحقيق نسب المشاهدة، أم مؤسسة ذات دور تربوي وثقافي ملزمة بمراعاة الخصوصية المجتمعية؟

إن الرهان اليوم ليس في رفض هذه البرامج بشكل مطلق، بل في إعادة توجيهها ضمن أفق قيمي متوازن، يزاوج بين جاذبية الشكل وعمق المضمون، وهذه المعادلة تشكل جوهر مقتضيات دفاتر التحملات الخاصة بمتعهدي الاتصال السمعي البصري، إذا ما جرى الحرص على تطبيقها.

إن المجتمع الذي يُختزل فيه الزواج في عرض تلفزيوني هو مجتمع مهدد بفقدان المعنى والروح في واحدة من أهم مؤسساته، ما يجعل إعادة الاعتبار للزواج كقيمة إنسانية وأخلاقية، لا كمجرد منتج إعلامي، تظل مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة، والإعلام، والحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية والنخب الثقافية، والأسرة على حد سواء.