من المسيرة الخضراء إلى ما بعد المينورسو.. محطات مفصلية في مسار الوحدة الترابية
حلت يوم الجمعة 6 نونبر 2026 الذكرى 51 للمسيرة الخضراء، في سياق وطني ودبلوماسي مختلف عن السنوات السابقة، بعدما شهد ملف الصحراء تطورات خلال السنتين الأخيرتين، بدءا من آخر خطاب للملك محمد السادس بمناسبة هذه الذكرى سنة 2024، مرورا بقرار مجلس الأمن رقم 2797 في أكتوبر 2025، ثم إعلان 31 أكتوبر من السنة نفسها عيدا وطنيا للوحدة، وصولا إلى طي صفحة بعثة “المينورسو” فوق الأراضي المغربية.
وبين استحضار محطة 1975 واستشراف مرحلة ما بعد المينورسو، يتواصل النقاش حول تعزيز المكاسب ومواصلة تنمية الأقاليم الجنوبية، بالتوازي مع توسيع ثمار التنمية لتشمل جميع جهات المملكة، من الريف إلى الصحراء، ومن الشرق إلى المحيط، كما أكد آخر خطاب ملكي بمناسبة ذكرى المسيرة.
نداء الحسن الثاني
وتعود بداية هذه المحطة التاريخية إلى السادس من نونبر 1975، حين استجاب نحو 350 ألف مغربي لنداء الملك الراحل الحسن الثاني، وشاركوا في المسيرة الخضراء، في سياق معركة المغرب لإنهاء الوجود الاستعماري الإسباني واستكمال وحدته الترابية.
وقامت فكرة المسيرة الخضراء على التعبئة الشعبية السلمية، وكانت لحظة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، ومهدت لتوقيع اتفاق مدريد في 14 نونبر 1975 بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا، الذي أفضى إلى انسحاب إسبانيا من الإقليم.
وإثر ذلك، استمر المغرب في مواجهة تحديات بأقاليمه الجنوبية قصد استكمال وحدته الترابية، خصوصا بعدما اندلعت المواجهات المسلحة في المنطقة، على خلفية إقدام جبهة “البوليساريو” الانفصالية، بدعم من الجزائر، على حمل السلاح.
وفي سنة 1979، تمكن المغرب من استعادة إقليم واد الذهب في إطار استكمال الوحدة الترابية، عقب انسحاب موريتانيا؛ فيما واصل المغرب جهوده لتحصين أراضيه في ظل استمرار المواجهات المسلحة وتعدد المبادرات الدبلوماسية، وتباين مواقف الأطراف بشأن مستقبل الإقليم.
وقف إطلاق النار
وفي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بدأت ملامح الانتقال نحو المسار السلمي تتشكل، في ظل جهود قادتها منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية، وأفضت إلى قبول مقترحات التسوية في 30 غشت 1988.
وقامت المقترحات على وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء لتقرير المصير بالأقاليم الجنوبية المغربية.
وفي هذا الإطار، أصدر مجلس الأمن، في 29 أبريل 1991، القرار رقم 690، الذي قرر بموجبه إنشاء بعثة “المينورسو” للإشراف على تنفيذ مخطط التسوية، ومراقبة وقف إطلاق النار، والإعداد للاستفتاء.
ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 6 شتنبر من السنة ذاتها، غير أن الخلافات بشأن تحديد الهيئة الناخبة وشروط المشاركة حالت دون تنظيم الاستفتاء، الذي كان مقررا في يناير 1992، وبقيت “المينورسو” آلية أممية لمراقبة الوضع الميداني بشأن احترام وقف إطلاق النار.
وبعد سنوات من الجمود، قدم المغرب في أبريل 2007 مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها مقترحا لتسوية سياسية للنزاع، يتيح لسكان المنطقة تدبير شؤونهم المحلية في إطار السيادة الوطنية.
استقرار المنطقة المغاربية
واستمر المغرب في البحث عن حل سلمي يقوم على التوافق السياسي، ويضمن استقرار المنطقة المغاربية، في ظل استمرار تحدي تباعد مواقف الأطراف الأخرى، وبقاء الوضع على حاله دون التوصل إلى تسوية نهائية.
وبالموازاة مع ذلك، اشتغل المغرب على تعزيز المشاريع بالأقاليم الجنوبية، عبر مشاريع البنيات التحتية والاستثمار والتنمية.
وشهدت سنة 2025 تحولا جديدا في المسار الأممي، مع اعتماد مجلس الأمن، في 31 أكتوبر، القرار رقم 2797، الذي جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، واعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق.
ودعا القرار الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات دون شروط مسبقة، مع تكليف الأمين العام بتقديم مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولاية البعثة الأممية للاستفتاء في الصحراء الغربية “المينورسو”، في ضوء نتائج المفاوضات.
إقرار عيد الوحدة
وتزامن هذا التطور مع خطاب ملكي في 31 أكتوبر 2025، أكد فيه الملك محمد السادس أن المغرب يدخل مرحلة جديدة في مسار ترسيخ مغربية الصحراء وإغلاق النزاع المفتعل في إطار حل توافقي قائم على مبادرة الحكم الذاتي.
وفي الخطاب ذاته، وجه الملك دعوة إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من أجل إطلاق حوار أخوي صادق بين البلدين، متطلعا إلى تجاوز الخلافات وبناء علاقات قائمة على الثقة وحسن الجوار.
وبعد هذا الخطاب، تقرر اعتماد 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا تحت اسم “عيد الوحدة“، ليشكل مناسبة لاستحضار التحولات التي عرفتها القضية الوطنية، والتعبير عن التشبث بالوحدة الترابية للمملكة.
وبذلك انتقل الاحتفاء الرسمي بذكرى المسيرة الخضراء من استحضار خطاب ملكي سنوي بهذه المناسبة إلى إحياء محطة وطنية جديدة مرتبطة بالتطورات التي شهدها الملف سنة 2025.
نهاية ولاية المينورسو
أما سنة 2026، فقد حملت تطورا جديدا في علاقة الأمم المتحدة بقضية الصحراء المغربية؛ إذ جرى طي صفحة ولاية المينورسو في 31 أكتوبر، بعدما عجز مجلس الأمن، في 30 أكتوبر، عن اعتماد مشروعي قرار بشأن مستقبل البعثة.
وكانت روسيا قد لجأت، يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، إلى استخدام حق النقض “الفيتو” ضد مشروع القرار الذي صاغته الولايات المتحدة الأمريكية، والذي نال تأييد 11 دولة داخل مجلس الأمن الدولي، المكون من 15 عضوا، فيما امتنعت 3 دول عن التصويت.
وإثر ذلك، أعدت روسيا مشروع قرار آخر مضاد، لم ينل سوى تأييد 3 دول، وامتناع 11 دولة، فيما عارضته الولايات المتحدة الأمريكية باستخدام “الفيتو”. وأوضحت أمريكا، عبر سفيرها الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، أن وضعية “المينورسو” غير قابلة للاستمرار في المغرب.
وأعاد هذا التطور رسم ملامح مرحلة جديدة في قضية الصحراء المغربية، بعدما وجدت البعثة نفسها دون ولاية مجددة، عقب 35 سنة من وجودها في المنطقة، في وقت اعتبر المغرب أن عدم تمديد مهمتها يشكل خطوة مهمة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء على مستوى الأمم المتحدة.
وفي خضم هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة المرتقب في 10 نونبر 2026، عقب استخدام “الفيتو” داخل مجلس الأمن، وإلى طبيعة المرحلة التي ستلي انتهاء ولاية البعثة.
وبين محطة 1975 وتحولات 2026، تبدو المسيرة الخضراء أمام مرحلة مختلفة من تاريخها، لم يعد الرهان فيها مقتصرا على استحضار حدث الوحدة الترابية، بل يمتد إلى ترجمة التحولات الدبلوماسية إلى واقع تنموي ومؤسساتي بالأقاليم الجنوبية، وتعزيز الاستثمار والبنيات التحتية والخدمات، واستكمال شروط تنزيل الحكم الذاتي، بما يجعل التنمية أحد العناوين الأساسية للمرحلة المقبلة بمختلف الأقاليم المغربية.