قروري: تدني المشاركة “مؤشر مقلق”.. وأوراق ملغاة تتجاوز أصوات “البام”
اعتبرت بثينة قروري، أستاذة القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن تدني نسبة المشاركة في الانتخابات يحمل دلالة سياسية رمزية، ويظل مؤشرا مقلقا، لكنها في الوقت ذاته نبهت إلى صعوبة الجزم بأسباب هذا الانخفاض وتفسيره باعتباره “المقاطعة السياسية”.
جاء ذلك في مداخلة لها، خلال مشاركتها في مائدة مستديرة نظمها منتدى المتوسط للتبادل والحوار، اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026، بعنوان: “المشهد السياسي المغربي بعد انتخابات 23 شتنبر: تحولات الخريطة الحزبية، رهانات الشفافية، وهندسة التوازنات بين الأغلبية والمعارضة”.
وقالت قروري إنه “بالنسبة لي، تبقى نسبة المشاركة لديها دلالاتها الرمزية والسياسية، ولا يمكن القول إن نسبة 38.02 في المئة غير مقلقة وغير دالة”، موضحة أن “الإشكالية تكمن فقط في قراءة هذا الرقم؛ هل هو فعلا نتيجة للمقاطعة السياسية؟”.
وأشارت الباحثة الأكاديمية إلى أن تدني نسبة المشاركة لا يعني بالضرورة مقاطعة سياسية، ما لم يكن عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع قرارا واعيا وإراديا لسبب سياسي، وليس نتيجة ظروف طارئة، مبرزة أن هذا التدني “لم يكن له أي أثر مؤسساتي”.
وأوردت أن الذين لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع تركوا، في نهاية المطاف، المقاعد للمنتخبين الذين احتج عليهم المقاطعون بعدم المشاركة، بما يعني أن المقاطعة لم تُحدث تغييرا في المشهد السياسي.
المقاطعة وأثرها المؤسساتي..
وأكدت أن تدني المشاركة لديها دلالة رمزية، ولكن لا يتم ترجمتها إلى أي قرار مؤسساتي، معتبرة أن هذه من بين الإشكالات التي تطرح على خلفية أنماط المشاركة السياسية.
ولفتت الانتباه إلى غياب دراسات سوسيولوجية تدرس الانتخابات، بالنظر إلى أن الجامعات المغربية تفتقر إلى الإمكانيات اللازمة للقيام بها، مبرزة أن الدراسات الأكاديمية هي القادرة على تحليل الأسباب الحقيقية لهذه “المقاطعة”، هل هي نتيجة لاستجابة لبعض الجهات الداعية إليها، أم هي ظروف معينة، أم هي يأس للمواطنين؟
يشار في هذا الصدد إلى أن رشيد كديرة، أستاذ القانون العام بجامعة ابن زهر بأكادير، كان قد ذهب في تحليل مماثل، في تصريح لصحيفة «صوت المغرب»، إذ ذكر أن الامتناع عن التصويت ليس نوعا واحدا، موضحا أن هناك من لم يُسجل أصلا، وهناك من قاطع عن موقف، وهناك من امتنع لأنه لم يرَ للتصويت أثرا في حياته، فضلا عمن غادر البلد أو منطقة التصويت.
وأوضحت قروري أن الباحثين والمهتمين بالمجال السياسي يقومون، في إطار المعطيات والأرقام المتاحة، بالتحليل والتقييم.
قراءة في الأوراق الملغاة..
وقالت الأستاذة الباحثة في العلوم السياسية إن قراءة تدني نسبة المشاركة (المقاطعة)، خاصة عند استحضار أن أزيد من مليون و120 ألف مغربي صوتوا بأوراق ملغاة، يمكن تفسير ذلك بأنه نوع من الاحتجاج.
ولقراءة دقيقة للأوراق الملغاة، نبهت الأستاذة الباحثة إلى أن وزارة الداخلية لا تكشف عن طبيعة هذه الأوراق، هل “ورقة بيضاء” أم “خطأ في وضع العلامة في المكان المخصص لها”؟ موضحة أن غياب معطيات دقيقة بشأن الأوراق الملغاة يحد من قراءتها علميا.
ولفتت الانتباه إلى أن مجموع عدد الأوراق الملغاة هو أكبر من مجموع الأصوات التي حصل عليها الحزب الأول في الانتخابات الأخيرة، مؤكدة أن ذلك يحمل دلالة سياسية.
يُذكر أن عدد الأوراق الملغاة في الانتخابات الأخيرة هو مليون و122 ألفا و470 صوتا على المستوى الوطني، فيما حصل حزب الأصالة والمعاصرة المتصدر للانتخابات على ما مجموعه مليون و65 ألفا و371 صوتا.
وفي المداخلة ذاتها، نبهت بثينة قروري إلى ما أسمته بـ”هشاشة التفويض” في المشهد السياسي المغربي، موضحة أن غاية إجراء الانتخابات هي إفراز مؤسسات تمثيلية (مثلا البرلمان) تعبر فعلا عن الإرادة العامة للمواطنين.
وذكرت أنه حينما نجد، على سبيل المثال، 117 نائبا برلمانيا من أصل 305 فازوا بأقل من 5 في المئة من الأصوات، و37 نائبا برلمانيا فازوا بأقل من 3 في المئة من الأصوات، فإن ذلك يطرح أسئلة حقيقية.
وأوردت الأستاذة الباحثة والقيادية في حزب العدالة والتنمية أنه، مثلا، فازت لائحة حزب “الأحرار” في الدائرة الانتخابية وجدة-أنجاد بـ4467 صوتا؛ أي بنسبة 1.6 في المئة من المقيدين.
شرعية التمثيلية السياسية..
وأبرزت أن مثل هذه الأرقام تفرض علينا تجاوز الأسئلة المرتبطة بنزاهة الانتخابات إلى إشكالات أكبر تتعلق بمسألة التمثيلية السياسية والشرعية، متسائلة: “هل فعلا مؤسسة البرلمان تعبر عن إرادة الناخبين؟”.
ونبهت قروري إلى أن سؤال الشرعية السياسية لا يتعلق فقط بالمقاطعة والأصوات الملغاة، بل أيضا بالقواعد القانونية المنظمة لعمليات الانتخاب، موردة أن التقطيع الانتخابي لم يتغير منذ مرسوم سنة 2011، على الرغم من تغير البنية الديمغرافية لعدد من المناطق.
وذكرت أن 46 في المئة من الساكنة، وأغلبيتها في المناطق الحضرية، لا تمثلها إلا 29 في المئة من عدد المقاعد في مجلس النواب، وفي المقابل هناك 26 في المئة من الساكنة يملكون تمثيلية أكثر.
وأبرزت أن مسألة التقطيع الانتخابي ليس لها بعد تقني فقط، بل لها دلالات سياسية، موضحة أن الأحزاب التي تحصل على مقاعد أكبر في الدوائر الأكثر تمثيلية بالمقارنة مع عدد الساكنة، نجد الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي.
وتابعت شارحة أنه في المقابل نجد أن الدوائر الأقل تمثيلية، التي يفترض أن يكون لها مقاعد أكبر بالمقارنة مع عدد ساكنتها، يفوز فيها حزب العدالة والتنمية، وبالتالي فهو يتضرر من تقليص نسبة التمثيلية، داعية إلى مراجعة مسألة التقطيع الانتخابي.