عزيز هناوي.. مناهض التطبيع في شارع محمد الخامس يدخل البرلمان
من الجماعة الترابية (القروية) أَوْفُوسْ، بإقليم الراشيدية، إلى شوارع سلا والرباط، وبالخصوص شارع محمد الخامس، حيث صدحت حنجرته في الوقفات والمسيرات الداعمة للقضية الفلسطينية والمناهضة للتطبيع مع إسرائيل، ثم إلى قبة البرلمان، قطع عزيز هناوي (أيت أُهني) مسافة طويلة انتهت، بعد ثلاثة عقود من الالتزام داخل حزب العدالة والتنمية، بمقعد برلماني عن دائرة سلا الجديدة.
ووفق النتائج المعلنة إلى حد الآن، عقب إجراء الانتخابات البرلمانية يوم الأربعاء 23 شتنبر الجاري، فإن عزيز هناوي تصدر المشهد السياسي بدائرة سلا الجديدة، متقدما على مرشح حزب الأصالة والمعاصرة العربي الرويش، الذي حل ثانيا، ثم مرشح حزب الاستقلال محمد كريبوب في المركز الثالث.
وهكذا، وجد الرجل الذي عرفه كثيرون من خلال صوته الجهوري في الشارع أو نشاطه في المنصات الرقمية ضد التطبيع، نفسه أمام محطة جديدة، تتمثل في الانتقال من الاحتجاج الميداني والمرافعة إلى المؤسسة التشريعية خلال الولاية 2027-2031.
الحكاية من الراشيدية
انطلقت قصة حياة عزيز هناوي بعيدا عن شوارع العاصمة الإدارية للبلاد؛ إذ رأى النور، في سنة 1975، بواحة «ولاد شاكر» التابعة ترابيا للجماعة القروية «أوفوس»، بإقليم الرشيدية، جهة درعة تافيلالت، داخل أسرة متوسطة تنتمي لعائلة أيت أُهني.
ويملك عزيز هناوي قصة مع اسمه العائلي؛ إذ كانت عائلته في الأصل تحمل في المنطقة تسمية «آيت أهني»، قبل أن تتحول، في مطلع ستينيات القرن الماضي، إلى «هناوي» في وثائق الحالة المدنية، بعدما دوّنتها الإدارة المغربية بهذا الاسم، في سياق سياسة التعريب والمغربة التي طبعت تلك المرحلة.
وهكذا أصبحت التسمية التي حملها رسميا منذ طفولته جزءا من هويته الشخصية التي رافقته لاحقا في مسارات الدراسة والإدارة والنشاط المدني والسياسي.
وفي البيت الذي نشأ فيه عزيز هناوي، كان والده الراحل، الحاج الطالب لحسن هناوي، يمثل سيرة أخرى لا تقل نضالا وعصامية؛ إذ كان الرجل حافظا للقرآن الكريم في كتاتيب تافيلالت والريصاني، قبل أن يغادر المنطقة شابا نحو مكناس، حيث تعلم ميكانيك السيارات والشاحنات على يد مؤطر فرنسي بين سنتي 1948 و1950، ليعود إلى الرشيدية ويفتح محلا أعال منه أسرته، جامعا بين حب المعرفة والعلم وإتقان عمله المهني.
وتلقى عزيز هناوي تعليمه الأساسي في سلك الابتدائي والإعدادي والثانوي في الراشيدية، قبل أن يشد الرحال نحو مدينة مكناس سنة 1993 ليتابع دراسته الجامعية، بعد حصوله على شهادة البكالوريا.
المسار الأكاديمي والمهني
في مدينة مكناس، بدأ عزيز هناوي رحلته الأكاديمية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة مولاي إسماعيل، وحصل منها على الإجازة في القانون العام، مسلك القانون الإداري، سنة 1997، قبل أن يواصل دراسته بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ويحصل سنة 2000 على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام.
وإثر ذلك، عمل أستاذا متعاونا (فاكاتير) بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس؛ إذ درس مادة العلاقات الدولية في سنة 2001، بالتزامن مع انخراطه في حركة المعطلين بالرباط خلال السنة ذاتها.
وفي أواخر 2002، التحق بوزارة الاقتصاد والمالية بعد نجاحه في مباراة التوظيف، لتبدأ مرحلة مهنية ستقوده إلى قلب الإدارة المالية بالعاصمة؛ إذ داخل وزارة الاقتصاد والمالية، تدرج هناوي في المسؤوليات إلى أن أصبح رئيس مصلحة بمديرية الميزانية سنة 2011.
هناوي ولقجع ومزوار
ويحمل المسار المهني لعزيز هناوي تفصيلا لافتا؛ إذ كان فوزي لقجع، الملتحق حديثا بحزب الأصالة والمعاصرة، والذي عُين في سنة 2011 في منصب مدير الميزانية، من المشرفين على الاختبارات الشفهية التي كان يجتازها هناوي داخل دواليب وزارة المالية للترقي إلى مسؤوليات رئاسة المصلحة ورئاسة القسم.
ووفق معطيات حصلت عليها صحيفة «صوت المغرب»، فإن الرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار صلاح الدين مزوار، الذي كان يشغل منصب وزير الاقتصاد والمالية في 2011، هو الذي وقع قرار تعيين عزيز هناوي رئيسا للمصلحة التي تحمل مسؤوليتها إلى اليوم؛ أي إلى حين نجاحه في الانتخابات البرلمانية الحالية.
وبين أروقة الإدارة المالية وشوارع الرباط، كان مسار آخر يتشكل في حياة هناوي؛ مسار بدأ من النشاط التلاميذي، ثم وجد فضاءه الأوسع في الجامعة وتطور عقب توظيفه.
المسار النضالي المدني
في سنة 1993؛ أي بعد التحاقه بالجامعة، عزز عزيز هناوي نشاطه الفكري والنضالي بالانخراط في الفعاليات الثقافية التابعة للدعوة ورابطة المستقبل الإسلامي، قبل أن تتطور التجربة إلى «فصيل الوحدة والتواصل»، الذي سيصبح لاحقا «منظمة التجديد الطلابي»، في مرحلة كان يقودها مصطفى الخلفي.
ومن الجامعة، أخذت القضية الفلسطينية موقعا متقدما في هذا المسار؛ ففي سنة 2005، كلفت منظمة التجديد الطلابي عزيز هناوي ليكون أول منسق للمبادرة الطلابية ضد التطبيع والعدوان، عند إطلاقها بمدينة مكناس.
وبعد ذلك بأربع سنوات، أي في سنة 2009، ومع إطلاق المبادرة المغربية للدعم والنصرة على المستوى المركزي من حركة التوحيد والإصلاح، تولى مهمة نائب المنسق، وهي المهمة التي ما يزال يتولاها إلى اليوم.
أما في «مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين»، فقد كان عضوا في سكرتاريتها منذ سنة 2002، قبل أن يتولى مهمة الكاتب العام سنة 2014. وفي السياق ذاته، تأسس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع في يناير 2013، وتولى مهمة كاتبه العام منذ ذلك الحين، ليغدو اسمه مع مرور السنوات لصيقا بالقضية الفلسطينية ومناهضة التطبيع، في المغرب وخارجه.
ولم يكن نشاطه محدودا في المغرب؛ إذ في 2007 أصبح عضوا في اللجنة الإدارية لرابطة الشباب لأجل القدس الدولية ببيروت، وشارك سنة 2011 في تأسيس الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين في إسطنبول، ثم تولى سنة 2026 مهمة التنسيق العام للتنسيقية الدولية ضد التطبيع والصهيونية، بعدما كان عضوا فيها منذ 2019.
المسار السياسي الحزبي
وموازاة مع مساره المدني، ظل النشاط السياسي الحزبي حاضرا في حياة هناوي منذ وقت مبكر؛ إذ انضم مع بعض أعضاء حركة التوحيد والإصلاح، سنة 1996، وهو في الراشيدية، إلى حزب «الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية» برئاسة الراحل عبد الكريم الخطيب، الذي تغير اسمه، في سنة 1998، إلى حزب العدالة والتنمية.
وعندما انتقل هناوي إلى الرباط سنة 2002، التحق بالهياكل الحزبية والشبيبية بسلا، وشغل عضوية الكتابة الإقليمية للحزب لولايتين، كما أدار حملات الحزب الانتخابية بدائرة سلا الجديدة في محطات 2011 و2015 و2016 و2021.
وفي الانتخابات الجماعية لسنة 2015، خاض تجربة «ترشح نضالية»، أي في المرتبة 25 في لائحة الترشح، بمقاطعة حصين، كما انتخب عضوا في المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية لولايتين متتاليتين.
وتُوج هذا المسار السياسي بتقديمه من طرف الحزب على رأس لائحته الانتخابية بدائرة سلا الجديدة، في الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في 23 شتنبر 2026.
وفي الساعات الأولى من صباح يوم الخميس 24 شتنبر 2026، جاءت نتائج صناديق الاقتراع لتفتح صفحة جديدة في مساره الطويل؛ صفحة لم يعد فيها عزيز هناوي مجرد صوت في الشارع أو ناشط مدني أو حزبي، بل منتخبا تحت قبة البرلمان.
والآن، بعد نحو ثلاثين سنة من الانخراط في مسار حزبي بدأه في الراشيدية سنة 1996، يجد عزيز هناوي نفسه في موقع مختلف تماما؛ إذ ينتقل صوته في شارع محمد الخامس احتجاجا على التطبيع، إلى الجلوس تحت قبة البرلمان ممثلا عن دائرة سلا الجديدة.