متوكل: نقاطع الانتخابات لأنها لا تعبر عن إرادة الشعب.. وهذه شروط مشاركة “العدل والإحسان” – حوار
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تعود مقاطعة الاستحقاقات إلى واجهة النقاش السياسي، بعدما اختارت جماعة العدل والإحسان عدم المشاركة فيها ودعوة المواطنين إلى مقاطعتها.
هذا الموقف القديم/ الجديد للجماعة لطالما ظل يطرح أسئلة محورية حول هدف “العدل والإحسان” من خيار مقاطعة الانتخابات؟ وهل يستطيع هذا الخيار، والعمل من خارج المؤسسات، أن يصنعا تغييراً فعلياً في حياة المواطنين والدفاع عن قضاياهم؟ وما الذي حققه هذا المسار الذي تبنته الجماعة منذ عقود إلى اليوم، وما أفقه وشروط الانتقال منه إلى المشاركة؟
أسئلة يجيب عنها عبد الواحد متوكل، رئيس الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، في هذا الحوار مع صحيفة “صوت المغرب”، متحدثاً عن جدوى المقاطعة، ورد الجماعة على من يعتبرون المقاطعة خدمة للفاسدين، فضلاً عن الشروط التي يمكن أن تجعل المشاركة الانتخابية خياراً مطروحاً أمام الجماعة مستقبلاً.
وفيما يلي نص الحوار:
- ما الذي تريدون من خيار مقاطعة انتخابات 2026، وما أثر ذلك على حياة المواطنين والدفاع عن قضايا المجتمع؟
نريد أن تساهم في تعرية نظام الفساد والاستبداد، وأن يتأكد للناس أن ما يسمونه انتخابات ما هي إلا خدعة، تكرر بشكل فج دون كلل ولا ملل، لإبقاء الوضع الفاسد على ما هو عليه، ولا علاقة لها بما تعنيه الانتخابات عند عقلاء الناس. قد تتغير معها بعض الوجوه، ولكن السياسات التي تخدم مصالح فئة تعد على الأصابع، والتدبير الفاسد لشؤون البلد لا يتغير. لذلك فإن ازدياد وعي المواطنين بهذه الحقيقة من شأنه أن يعمق معرفتهم بأصل المشكل في البلد وما الذي ينبغي القيام به من أجل الحرية والكرامة والحكم الرشيد.
- تقولون إن مقاطعة الانتخابات ليست انسحاباً من الشأن العام. كيف تترجمون هذا الموقف عملياً خارج المؤسسات؟
بالفعل ليست انسحابا من الشأن العام ولا تخليا عن الاهتمام بأمر الأمة، وانما هو موقف واع وخلاصة دراسة متأنية لتجارب من سبقونا في هذا المجال داخل المغرب وخارجه. نحن نرفض أن نبيع الوهم للناس، أو نعدهم بما لا سبيل إليه. لذلك ينبغي دينيا وأخلاقيا ومروءة أن نصارح الناس بحقيقة الوضع، وأن نبث هذا عبر كل الوسائل الممكنة والمشروعة. فالمعركة لها جناحان: واحد يتعلق ببث الوعي الصحيح والآخر يتعلق ببناء الإرادة، إرادة الإنسان الفاعل الراغب في الحرية والعدل والكرامة الآدمية. وهذه مطالب لا تمنح وإنما تؤخذ غلابا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
- ما الذي استطاع “الحراك” الذي تقوده الجماعة أو تساهم فيه من خارج المؤسسات أن يحققه إلى اليوم؟
أهم المكاسب هو اتساع دائرة الوعي بالطبيعة الاستبدادية للنظام وبغياب الإرادة السياسية لدى الحاكمين لاتخاذ أي خطورة من أجل القيام بالإصلاحات المطلوبة. ومن المكاسب أيضا ازدياد الوعي بأن الضغط من خارج المؤسسات يمكن أن يكون له أثر وأن يكون له من النتائج ما لا تستطيعه حكومة محكومة ولا برلمان مشلول.
فحتى الدستور الجديد الذي يتفاخر به البعض على علاته لم يحلم به أحد لولا الضغط الشعبي الذي جاء مع حركة 20 فبراير. لذلك يتضح أنه كلما ائتلف الناس حول مطالب مشروعة وكان لهم من العزيمة ما يمكنهم من الصمود حتى النهاية إلا وتمكنوا من تحقيق مكاسب مهمة.
- يقول منتقدون إن مقاطعة الانتخابات قد تترك المؤسسات لمن يستفيدون من الفساد فتكون خدمة للمفسدين. كيف تردون على هذا الطرح؟
لو كانت الانتخابات بالقيود التي تخضع لها في المغرب تمنع من المرور بل الهيمنة على المشهد السياسي، لكان لانتقادهم معنى. لكن الحقيقة التي يعلمها الجميع وتؤكدها كل التجارب السابقة هو أن العكس هو الذي حصل ويحصل دائما. فالمفسدون هم الذين يتبؤون الصدارة بكل الطرق الممكنة حتى وإن تطلب الأمر شيئا من الخشونة كاستعمال المال أو غيره.
وبالحساب البسيط فإنه يستحيل على أي حزب أن يحصل على الأغلبية التي تمكنه من قيادة الحكومة وتنفيذ برنامجه. وعلى فرض أن حزبا معينا كانت له شعبية واسعة وحقق انتصارا كاسحا في الانتخابات، فإنه سيضطر لامحالة إلى التحالف مع حزبين أو ثلاثة لتشكيل الحكومة، ممن كان يعتبرهم أحزابا فاسدة وأنهم أسباب كل المآسي الاقتصادية والاجتماعية وكل الأزمات التي يعيشها المغاربة. فكيف يشرحون هذا للمغاربة غدا. فهل ستتحول هذه الأحزاب التي تجر وراءها تاريخا طويلا من الفساد والإفساد صباح تشكيل الحكومة إلى هيئات نظيفة ومستعدة لخدمة الصالح العام بصدق وأمانة؟ ارحموا هذا الشعب المسكين من هذا الهراء من فضلكم.
- بعد سنوات من مقاطعة الانتخابات، ما الأفق الذي ترسمونه لهذا الخيار؟ وبأي مؤشرات تقيّمون نجاحها؟
تغيير النظام السياسي إلى ما هو أفضل لا يتأتى بمقاطعة الانتخابات وحدها، وإنما هي عامل من عوامل أخرى، لكنها عامل مهم يكشف النظام على حقيقته، ويتركه عاريا أمام الشعب، ويكشف بعضا من الحيل المستعملة لإخفاء الحقيقة المرة وهي احتكار الحاكمين للسلطة والثروة، وعدم وجود أي رغبة لديهم لاحترام اختيار الشعب لمن يحكمه وربط المسؤولية بالمحاسبة والتوزيع العادل للثروة. الانتخابات في المغرب تستعمل لإنتاج مؤسسات صورية لا تستطيع أن تقوم بوظائفها كما هو الشأن في الأنظمة الديمقراطية الحقة. فلِم نزك عملية مغشوشة وفاسدة حتى النخاع؟ ولا شك بأن الوعي بهذه الحقيقة قد ازداد بشكل كبير. ويكفي دليلا على ذلك مقاطعة أكثرية المواطنين لهذه المسرحية الممجوجة.
- هل يمكن أن نرى جماعة العدل والإحسان تشارك في الانتخابات مستقبلا؟ وهل هناك شروط تجعل الجماعة تعيد النظر في هذا الموقف؟
جماعة العدل والإحسان تقاطع الانتخابات ليس للمقاطعة من أجل المقاطعة، وإنما لانتفاء أبسط الشروط التي تجعلها ذات جدوى، وتجعل المشاركة فيها ذات معنى. فإذا أصبحت لدينا انتخابات حرة ونزيهة، تفرز خريطة سياسية معقولة تعبر عن إرادة الشعب، وتؤدي إلى قيام مؤسسات مسؤولة وذات مصداقية وبصلاحيات حقيقية، فإن المشاركة هي الأصل وهي الوسيلة لتنظيم الاختلاف والتداول السلمي على الحكم. فمن سيرفضها في هذه الحال؟
- ما هي الخطوات السياسية والإجرائية التي تتصورون تحقيقها على أرض الواقع حتى تتوفر الشروط التي ذكرت؟
نحتاج دستورا جديدا شكلا ومضمونا، يؤمن الفصل بين السلطات الثلاث ويعطي لمؤسسات الحكم صلاحيات حقيقية لتمارس وظائفها بشكل طبيعي. نريد برلمانا يعبر عن اختيار الشعب ولديه القدرة على القيام بوظائفه التشريعية والرقابية. نريد حكومة مسؤولة تملك أن تنفذ البرنامج الذي على أساسه وصلت إلى ذلك الموقع. نريد قضاء مستقلا يقضي بالقانون ولا يخضع للتعليمات. نريد دستورا يربط المسؤولية بالمحاسبة ويجعل الجميع سواسية أمام القانون. فهل هذه مطالب تعجيزية أو مستحيلة؟ هذا موجود في كثير من بلاد الدنيا التي تحترم شعوبها. فلماذا لا نكون نحن كذلك؟ أو لسنا بشرا مثلهم؟ فلماذا يريد منا البعض أن نبقى غرباء في أوطاننا، نقنع بالفتات، ونساق سوق الأغنام، ويأكل غيرنا معظم خيراتنا، وتستحوذ على الباقي فئة قليلة من المنتفعين في بلدنا؟