أبناء الضياع
ألف طفل مغربي، أو يزيد. هذا ما تبقى لنا، في واحد من أكثر وجوه مأساة سبتة قسوة، بعدما انفضّ الجمع وعاد عشرات الآلاف إلى المغرب، بعضهم مشيا على أقدام أنهكها الجوع والعطش، وبعضهم محمولا على خيبة أكبر من المسافة التي قطعها.
ألف ولد وبنت، وربما أكثر. آخر الإحصاءات الإسبانية تحدثت عن تسجيل 1342 قاصرا، وهؤلاء ليسوا طيورا مهاجرة، ولا مجرّد أرقام، ولا “حصصا” يتعين توزيعها، ولا طرودا عالقة بين الرباط ومدريد. هؤلاء أبناؤنا.
وقبل أن نسأل إسبانيا ماذا ستفعل بهم، يجب أن يكون لدينا ما يكفي من الشجاعة لنسأل أنفسنا ما الذي فعلناه حتى يخرج طفل مغربي من بيته، ويقذف بنفسه في البحر، أو يركض نحو دولة أخرى، مقتنعا بأن مستقبله يوجد في أي مكان إلا في بلده؟
لا يولد الأطفال مهاجرين سريين، بل تصنعهم السياسات، ويصنعهم تعليم لا ينجح في إقامة علاقة مفهومة بين ما يتعلمه الطفل وما ينتظره في الحياة. وتصنعهم بطالة يرونها في إخوتهم الكبار، وفوارق اجتماعية لا تحتاج إلى تقارير دولية كي يروها.
هؤلاء يصنعهم بلد يحقق نموا ويشيد الطرق والموانئ والمصانع والملاعب، لكنه ما زال عاجزا عن إقناع جزء من أبنائه بأن ثمرة هذا التقدم ستصل إليهم يوما إذا درسوا واجتهدوا وصبروا.
المشكلة إذن ليست في الفقر وحده. هناك من هم أفقر من هؤلاء لكنهم لم يذهبوا إلى سبتة، وبعض من ذهبوا ليسوا من أشد المغاربة فقرا. المشكلة هي انكسار الوعد، وتآكل ذلك العقد البسيط الذي تقوم عليه المجتمعات المستقرة، حيث يكفي أن تدرس وتعمل وتجتهد، وستصبح حياتك غدا أفضل من اليوم. حين يتوقف طفل في الثالثة عشرة أو الخامسة عشرة عن تصديق هذه الجملة، تبدأ الكارثة.
لكن المأساة المغربية لم تنته عندما وضع هؤلاء أقدامهم في سبتة. بل بدأت مأساة أخرى، أطرافها إسبانية وأوروبية هذه المرة.
منذ انطلاق عملية النزوح الأخيرة، عاش الآلاف في ظروف مهينة. ناموا في الشوارع وعلى الشواطئ والمستودعات. تحدث العائدون عن أيام بالكاد وجدوا فيها ما يأكلونه، وعن محلات مغلقة أو رافضة لخدمتهم، فيما عجزت جمعيات الإغاثة عن استيعاب الأعداد الكبيرة. عشرات الآلاف عادوا بعد ساعات أو أيام من الجوع والإرهاق واليأس.
لكن الأطفال الذين بقوا لم يكن ممكنا قانونا التعامل معهم بالطريقة نفسها. وهنا انطلق المزاد. فجأة تحول ألف طفل مغربي إلى مادة للصراع السياسي الإسباني.
حكومة بيدرو سانشيز تريد نقل جزء منهم إلى أقاليم أخرى وتوزيعهم عليها. وحزب “فوكس” يطالب بالعكس تماما، أي إعادتهم جميعا إلى المغرب ووقف نقلهم إلى الداخل الإسباني. والحزب الشعبي، الذي يحكم عددا كبيرا من الأقاليم، يعارض النظام الذي فرضته مدريد لتوزيع القاصرين، لكنه وجد نفسه في النهاية مضطرا إلى القول إن حكوماته المحلية ستطبق القانون، حتى وهي تطعن فيه سياسيا وقضائيا. والأكثر عبثا أن هذا الملف أصبح اختبارا لتحالفات الحزب الشعبي مع “فوكس” في حكومات إقليمية عدة.
إسبانيا دولة شديدة اللامركزية. الحكومة المركزية مسؤولة عن الحدود والهجرة وشؤون الأجانب، لكن حماية القاصرين ورعايتهم تقع بدرجة كبيرة على عاتق الأقاليم ذاتية الحكم. لهذا تجد مدريد نفسها صاحبة القرار في الهجرة، بينما تتحمل حكومات الأقاليم الأسرّة والمراكز والمربين والخدمات الاجتماعية.
ولحل هذا الاختلال، أقرّت إسبانيا في 2025 نظاما جديدا يسمح، عند حدوث حالات تدفق استثنائي للمهاجرين، بإعادة توزيع القاصرين غير المرفوقين من المناطق التي تجاوزت طاقتها بثلاثة أضعاف إلى أقاليم أخرى، وفق معايير تشمل السكان والدخل والبطالة والقدرة الاستيعابية.
هكذا أصبح الطفل المغربي المهاجر عالقا بين مستويين من السلطة، ثم بين اليمين واليسار، ثم بين اليمين التقليدي واليمين المتطرف، ثم بين مدريد وحكومات الأقاليم. وكل فريق يستطيع أن يقول إنه يتحدث باسم “مصلحة الطفل”. لكن هذا الطفل قد يكون في الحقيقة نائما على الرصيف أو في الشاطئ، أو تحت شجرة في الغابة.
تجعل اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل “المصلحة الفضلى للطفل” اعتبارا أساسيا في كل قرار تتخذه إدارة أو محكمة بشأنه. وميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي والقواعد الأوروبية الخاصة بالعودة تسير في الاتجاه نفسه: لا يمكن إخراج طفل غير مرفوق قبل التأكد من أنه سيُسلَّم إلى أسرته أو وصي مسؤول أو مؤسسة حماية قادرة فعلا على استقباله.
والمادة 35 من قانون الأجانب الإسباني تفرض، قبل إعادة القاصر، البحث في ظروف أسرته، والاستماع إليه إذا كان قادرا على التعبير عن رأيه، وأخذ رأي أجهزة حماية الطفولة والنيابة العامة. ثم لا تكون العودة مشروعة إلا إذا تمت في إطار لمّ شمل عائلي أو تسليمه إلى جهاز حماية تتوافر فيه شروط مناسبة، وكل ذلك تحت قاعدة واحدة هي مصلحة الطفل الفضلى.
لقد جرّبت إسبانيا اختصار الطريق وتسريع المسطرة سنة 2021، عندما أعادت مئات القاصرين من سبتة إلى المغرب بعد أزمة الهجرة آنذاك، مستندة إلى اتفاق ثنائي مع الرباط. وبعد ثلاث سنوات، قال القضاء الإسباني كلمته.
اعتبرت المحكمة العليا تلك الإعادات غير قانونية بسبب “التجاهل المطلق” للمسطرة التي يفرضها قانون الأجانب. وذهبت المحكمة أبعد من ذلك حين اعتبرت ما وقع عودة جماعية تتعارض مع الضمانات التي يقررها النظام الأوروبي لحقوق الإنسان.
أي أنه حتى لو قالت الرباط غدا “أعيدوا أبناءنا” كما ردّد وزير العدل عبد اللطيف وهبي أمس عبر قناة ألمانية، وقالت مدريد “اتفقنا”، فلن يكفي الاتفاق بين الحكومتين كي يوضع ألف طفل في الحافلات ويعادوا إلى المغرب.
وهذا كلّه جيد وفي مصلحة هؤلاء القاصرين، لأن الدول، حين تتوتر السياسة، تميل إلى رؤية البشر كأرقام. والقانون وُجد أحيانا كي يعيد إلى الإنسان اسمه وملامحه وقصته. لكن هذا القانون لم يحم هؤلاء الأطفال حتى الآن بما يكفي.
فمن أشد الأخبار إيلاما أن مستشفى سبتة عالج خلال الأيام الماضية فتيات قاصرات للاشتباه في تعرضهن لاعتداءات جنسية، وبعضهن لا يتجاوز الرابعة عشرة.
تخيلوا فقط أن طفلة تولد في المغرب، ثم تفقد الثقة في المستقبل الذي يعرضه عليها بلدها. تعبر إلى سبتة وسط الفوضى والموت. ثم تنام في الشارع لأن دولة أوروبية لم تجد لها سريرا. وتصبح فريسة محتملة للاغتصاب. وبعد ذلك نجلس جميعا لنناقش من يأخذها؟ ومن يدفع كلفة إيوائها؟ وفي أي إقليم ستوضع؟
المغرب أعلن استعداده للتعاون من أجل تحديد هويات القاصرين وإعادتهم. وهذا واجب. لكن إعادتهم لا ينبغي أن تصبح نهاية الملف، بل بدايته. لأن إعادة الطفل إلى المكان نفسه، والظروف نفسها، واليأس نفسه الذي فرّ منه، ليست حلا للهجرة.
وإسبانيا مطالبة من جهتها بأن تتوقف عن النظر إلى هؤلاء باعتبارهم عبئا سياسيا يوزع بين الأقاليم. ما دام الطفل فوق التراب الخاضع لسلطتها، فهو تحت مسؤوليتها. حمايته من الجوع والتشرد والعنف ليست صدقة إسبانية، بل التزام قانوني.
ثم تأتي أوروبا التي تحب الحديث عن القيم حين تكون الكلفة بيانا باردا في بروكسيل، لكنها تتحول بسرعة إلى جار بخيل حين يصل طفل جائع إلى بابها.
في النهاية، لا تستطيع إسبانيا أن تطرد ألف طفل بجرة قلم، ولا يستطيع المغرب أن يمحو وجودهم بمجرّد التعبير عن الاستعداد لاستعادتهم، ولا تستطيع أوروبا أن تحول المتوسط إلى سور مرتفع بما يكفي لكي تختفي الأسباب التي تدفع الناس إلى ركوبه.
هناك ألف طفل أو يزيد يقولون لنا شيئا لا يريد أحد سماعه. يقولون للمغرب إن النمو الذي لا يصنع الأمل لا يكفي. ويقولون لإسبانيا إن حقوق الإنسان التي تتوقف عند ضغط صناديق الاقتراع ليست حقوقا. ويقولون لأوروبا إن الحدود قد تمنع الأجساد أحيانا، لكنها لا تستطيع أن تعالج اليأس.
والمؤلم أكثر أن هؤلاء الأطفال لا يطالبوننا بكل هذه الخطب. بل يريدون فقط ما كان ينبغي أن يكون عاديا منذ البداية…
يريدون بيتا لا يتمنّون الهرب منه، وبلدا يستطيعون أن يتخيلوا فيه غدا أفضل من اليوم.