لماذا سكت الملك عن الانتخابات؟
دأب الملك محمد السادس منذ أول انتخابات تشريعية في “العهد الجديد”، على مخاطبة الناخبين والأحزاب والسلطات قبل موعد الاقتراع. وحده خطاب العرش الأخير خرج عن هذه القاعدة؛ فقد مر على انتخابات 23 شتنبر في جملة واحدة لا أكثر.
وتزداد دلالة هذا الصمت بعد حذف خطاب 20 غشت من أجندة الخطب الملكية، وهو الموعد الذي كان يتيح، في سنوات انتخابية سابقة، توجيه خطاب أقرب زمنيا إلى الاقتراع. وبذلك يصبح خطاب العرش الأخير هو الكلمة الملكية الوحيدة والأخيرة قبل الانتخابات، ما يجعل المرور العابر عليها اختيارا دالا، وليس مجرد سهو في ترتيب الأولويات.
في خطاب العرش لسنة 2002، الذي جاء قبل أسابيع معدودة من انتخاب أول مجلس نواب في العهد الجديد، تحدث الملك عن نزاهة الاقتراع، واختيار أفضل المرشحين، ومسؤولية الأحزاب في إعلان برامجها وتحالفاتها. كان المطلوب يومها تدشين علاقة جديدة بين الدولة والانتخابات، بعد عقود ارتبط فيها الاقتراع بالتدخل الإداري وصناعة الخرائط السياسية.
وفي 2007، خص الملك الانتخابات بخطاب ثان يوم 20 غشت، أعلن فيه أنه يتحدث عنها ليس للتأثير أو التدخل، بل لتأكيد حياد الإدارة وحث المواطنين على المشاركة. أما انتخابات 2011، فلم تكن مجرد استحقاق دوري، بل أول امتحان لدستور جديد؛ لذلك وصفها بأنها “معركة وطنية نوعية” لاختيار أفضل البرامج والنخب، وربط نزاهتها بنجاح التحول السياسي كله.
وفي 2016، عاد خطاب العرش إلى التحذير من استعمال الدين والمال، ومن إقحام شخص الملك في الصراع الانتخابي، في سياق احتدام المواجهة بين الأحزاب وادعاء بعضها القرب من المؤسسة الملكية. ثم جاء خطاب 20 غشت 2021، قبل الاقتراع بأقل من ثلاثة أسابيع، ليؤكد أن الانتخابات ليست غاية، بل وسيلة لإقامة مؤسسات ذات مصداقية تخدم المواطن وتدافع عن قضايا الوطن.
فلماذا سكت خطاب 2026 عن موضوع الانتخابات؟
التفسير الأول أن الموعد الانتخابي، في نظر المؤسسة الملكية، خرج من طور الورش الاستثنائي إلى طور العادة المؤسساتية. فبعد أكثر من ربع قرن، لم يعد المغرب أمام معركة انتزاع الحد الأدنى من النزاهة، ولا أمام إدارة تصنع النتائج بالوضوح الذي عرفته مراحل سابقة. لقد استقرت القواعد نسبيا، وتراجعت شبهة التزوير المركزي والفج، وأصبح يفترض أن تتولى المؤسسات والأحزاب والسلطات مسؤولياتها من دون حاجة إلى استدعاء التحكيم الملكي قبل كل موعد.
أي أن الصمت الملكي قد يكون علامة تطبيع مع الانتخابات، وليس بالضرورة تقليلا من أهميتها. فالاقتراع الذي يحتاج كل خمس سنوات إلى ضمانة ملكية استثنائية يظل ورشا ناقصا. أما الاستحقاق الطبيعي، فتتكفل به القوانين والمؤسسات، ويحاسب كل طرف على أدائه داخله.
لكن الصمت قد يعني أيضا أن الملك لم يعد ينتظر من الطبقة السياسية ما كان ينتظره منها في بداية العهد. فقد امتلأت الخطب السابقة بالدعوة إلى تجديد النخب، وتقديم البرامج، والوفاء بالوعود، وتخليق الحياة العامة وخدمة المواطن؛ ثم تكررت الشكوى نفسها من ضعف الأحزاب، وغياب الوساطة، وهشاشة الثقة، والانشغال بالمواقع بدل السياسات…
ربما يقول خطاب أمس، بالتلميح بدل التصريح، إن الاستراتيجيات الكبرى ستواصل طريقها، سواء لحقت بها الأحزاب أم بقيت منشغلة بحساباتها واستقطاب الأعيان وتدبير خرائطها الداخلية. لذلك بدا الخطاب أقرب إلى بيان في استمرارية الدولة منه إلى تمهيد للتناوب الحكومي.
لقد تحدث الملك عن “مذهب في الحكم” طبع عهده، وعن “توجه استراتيجي واضح”، وعن المبادرة والمتابعة الدقيقة، ثم وصف المنجزات بأنها تراكمات تتجاوز “الزمن الحكومي والبرلماني”.
كأن خطاب العرش للذكرى 27 يرسم الحدود بين زمنين: زمن ملكي طويل المدى، تتحرك داخله المشاريع الصناعية والطاقية والاجتماعية والسيادية؛ وزمن حكومي انتخابي محدود، تتعاقب داخله الأغلبية والمعارضة دون أن يتغير الاتجاه الاستراتيجي للدولة. ولم يترك الخطاب للحكومة المقبلة سوى مهمة “تحصين” المكاسب، و”مواصلة” المشاريع والإصلاحات الكبرى.
وهنا نصل إلى تفسير ثالث ممكن، وهو أن الخطاب الملكي سحب من حكومة عزيز أخنوش إمكان تحويل الأرقام الإيجابية إلى حصيلة انتخابية خاصة بها. فالمنجزات المتعلقة بالنمو والصناعة والسياحة والاستثمار والحماية الاجتماعية قُدمت باعتبارها ثمرة سبع وعشرين سنة من الاختيارات والتراكمات والمتابعة الملكية، لا نتيجة ولاية حكومية واحدة.
لم يهاجم الملك الحكومة، ولم ينف مساهمتها، لكنه وضع حصيلتها داخل حصيلته، وربط المكاسب بمذهب في الحكم سبقها وسيستمر بعدها. وحرمها بالتالي من احتكار مظاهر النجاح، كما لم يمنح معارضتها حق تقديم الانتخابات باعتبارها لحظة لتغيير المسار كله.
إنه، حسب ما يفهم من الخطاب الملكي، اقتراع لاختيار من سيساهم في تدبير المرحلة المقبلة، وليس لتحديد وجهة الدولة. المحسومة سلفا.
وهذا، قبل انتخابات يفترض أن تدافع فيها الحكومة عن بقائها، أقسى من النقد، لأنه حرمانها من سردية الإنجاز.