story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حكومة |

تقرير يرصد تداعيات ورش الحماية الاجتماعية.. نمط تقشفي قسري لأسر هشة ودولة اجتماعية بخلفية نيوليبرالية

ص ص

رصد تقرير تحليلي حديث للمعهد المغربي لتحليل السياسات، حمل عنوان “هل نجح المغرب في تعميم الحماية الاجتماعية؟”، تداعيات مقلقة تعاكس الرهانات الأصلية لورش الحماية الاجتماعية، لعل أبرزها، حالة من الخوف لدى الأسر الهشة من الوقوع في “فخ الإقصاء”، مما دفعها إلى تبني سلوكيات اقتصادية تقشفية حادة مست متطلبات حياتها الأساسية وحقوق أفرادها.

إلى جانب “استهداف” الطبقة الوسطى و”تفشي” المقاربة النيوليبرالية في تعريف الدور الاجتماعي للدولة، ناهيك عن “ضعف” جودة الرعاية الصحية العمومية يقابله “تسارع” في وتيرة نمو المصحات الخاصة؛ مما يضع الخلفية الاجتماعية للسياسات الحكومية الحالية موضع تساؤل.

سياسات التقشف لدى الأسر”

وشدد التقرير الذي أعده الباحث عبد الرفيع زعنون على أن “هاجس التحكم الصارم في النفقات وقاعدة المستهدفين” أدى إلى رهن التزام الحكومة بتعميم الحماية الاجتماعية بمعالجة خوارزمية جافة، تعتمد على مؤشر اقتصادي واجتماعي لا يعكس بدقة متطلبات العيش الكريم.

في غضون ذلك، تسببت “المعايير الرقمية الضيقة” في إقصاء أوتوماتيكي لأسرة مفقرة من نظامي “أمو تضامن” والدعم المباشر بمجرد توفرها على تجهيزات منزلية بسيطة، أو تجاوز شحن هاتفها 50 درهما، أو تعدي فاتورة مياهها وكهربائها سقف 100 درهم.

وأضاف أن هذا النظام التقني حالة من الخوف لدى الأسر من الوقوع في “فخ الإقصاء”، مما دفعها إلى “تبني سلوكيات اقتصادية تقشفية حادة مست متطلبات حياتها الأساسية وحقوق أفرادها خوفا من ارتفاع مؤشرها الرقمي”.

وانعكس هذا النمط التقشفي القسري بشكل مباشر على حقوق الأطفال والرفاه الأسري، حيث لُوحظ انتقال عائلات للإقامة في مساكن غير لائقة وتقليصها الطوعي لنفقات الماء والكهرباء للحفاظ على عتبة الاستفادة من الدعم.

دولة اجتماعية بخلفية نيوليبرالية”

أوضح التقرير، أن السياق العام لتنفيذ الورش يؤشر على إعطاء دفعة قوية للمقاربة النيوليبرالية في تعريف الدور الاجتماعي للدولة، مدفوعا بـ”ضغوط مستمرة” من المؤسسات المالية الدولية التي ترجح كفة المؤشرات الماكرو اقتصادية على حساب التوازنات الاجتماعية.

تتجلى هذه النزعة النيوليبرالية، بحسب التقرير السالف الذكر، في محاولة حصر شبكات الأمان الاجتماعي في حدها الأدنى عبر تدخلات منخفضة التكلفة، “وهو ما يؤدي عمليا إلى تقليص عدد المستحقين وتوجيه غالبية المواطنين نحو مواجهة تقلبات السوق دون غطاء حمائي كافٍ”.

وأشار إلى أنه من أبرز مظاهر هذا التوجه “إصرار الحكومة على توسيع نطاق نظام الاشتراك المالي ليشمل حتى الفئات ذات الأوضاع الاقتصادية الهشة وغير المستقرة”.

كما واكب هذا المسار “تحجيم ملموس” لقاعدة المستفيدين من التحويلات النقدية المباشرة، مع غياب ضمانات تشريعية واضحة لتوجيه الموارد الجبائية والوفورات المالية الناتجة عن إصلاح صندوق المقاصة لتمويل الحماية الاجتماعية عوض استغلالها لسد عجز الموازنة.

استهداف الطبقة الوسطى”

ونبه المعهد المغربي لتحليل السياسات على أن الهندسة المعتمدة لتمويل الورش توحي باستهداف منهجي للطبقة الوسطى؛ حيث يضعها التفكيك التدريجي لصندوق المقاصة أمام واقع شراء السلع الأساسية بأسعار السوق المرتفعة، دون الاستفادة من آليات الدعم المباشر.

وحذر من أن تواجه الفئات الدنيا من الطبقة الوسطى خطر الانزلاق نحو عتبة الفقر، لكونها تعاني مسبقا من مخلفات تحرير أسعار المحروقات منذ عام 2015، وتجد نفسها اليوم معزولة بين مطرقة غلاء الأسعار وسندان الإقصاء من الدعم.

علاوة على غلاء المعيشة، أصبحت الطبقة الوسطى مُلزّمة بالمساهمة في تمويل البرامج الاجتماعية الجديدة بموجب تحملات جبائية إضافية تهدد
بإضعاف قدرتها الشرائية، وهو ما بدأت بوادره في الظهور، بحسب التقرير منذ مشروع قانون المالية لسنة 2021 الذي كان يذهب في اتجاه فرض المساهمة الاجتماعية للتضامن على الأرباح والدخل على كل موظف أو أجير يساوي أو يفوق أجره الشهري 10 آلاف درهم قبل أن يتم رفع العتبة المحددة إلى 20 ألف درهم.

“إنعاش اقتصاديات الظل”

وأبرز التقرير أن الاقتصاد غير الرسمي يطرح تحديا مزدوجا؛ فهو يمثل من جهة خزاناً بشريا وماليا ضخما قادرا على دعم التوازن المالي لمنظومة الحماية الاجتماعية، ومن جهة أخرى يمثل معضلة حقيقية في ضبطه وإقناع الفاعلين فيه بالانخراط المالي.

وشدد المصدر نفسه على التوجس من ارتفاع المؤشر الرقمي والحرمان من الدعم أدى إلى رفض فئات عريضة من عمال القطاع غير المهيكل الإدلاء ببياناتهم المعيشية الحقيقية، رغبة منهم في الحفاظ على التغطية الصحية التضامنية المجانية والتعويضات العائلية.

كما تعمقت ممارسات التهرب من المنظومة الرسمية عبر تزايد الحرص على تخزين النقود وتداولها خارج النظام البنكي (الكاش)، وبيع الأصول المحفظة، بل واختيار بعض المهنيين الانتقال العكسي من القطاعات المقننة إلى الأنشطة غير المهيكلة.

انتقد التقرير صيغة تعميم التعويضات العائلية الحالية، مؤكدا عجزها عن تحقيق الاستقلال المالي للمستهدفين بسبب ضعف قيمتها المادية، وإغفال ربطها بمشاريع حقيقية لإدماج الفئات الهشة والنشيطة في سوق الشغل المنظم.

وأشار إلى أن المقاربة الحكومية الحالية للدعم المباشر تساهم في تكريس روح الاعتمادية والتبعية المالية للدولة، بدلاًمن اعتماد التحويلات النقدية كآلية انتقال مؤقتة تساعد الفقراء على التعافي التدريجي والخروج من دائرة العوز.

واقع التغطية الصحية

ويرى التقرير أن توسيع الاستفادة من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض يبقى “إنجازا شكليا” ما لم يرافقه توسيع وتأهيل حقيقي للشبكة الصحية العمومية، العاجزة ببنيتها الحالية (170 مستشفى بمعدل مؤسسة لكل 216 ألف نسمة) وبتفاوتها الجغرافي الصارخ عن استيعاب الطلب المتزايد.

اختتم التقرير بالتأكيد على أن ضعف جودة الرعاية الصحية العمومية وتأخر المغرب في المؤشرات العالمية (المرتبة 94 في تصنيف NUMBEO)، يقابله تسارع وتيرة نمو المصحات الخاصة؛ حيث أصبحت تستأثر بـ 74% من النفقات المفوترة مستفيدة من أموال نظام “أمو تضامن”، مما جعل القطاع الخاص المستفيد الأول من الميزانية العمومية للحماية الاجتماعية دون تقديم خدمات تتسم بالإنصاف والشفافية.