تقرير يسجل “تراخيا” حكوميا في ورش الحماية الاجتماعية
كشف تقرير تحليلي حديث صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات، تحت عنوان “هل نجح المغرب في تعميم الحماية الاجتماعية؟”، عن وجود ما أسماه “تراخي” من قبل الحكومة في المواكبة السياسية لورش الحماية الاجتماعية، مشيرا إلى أن الإنجازات المحققة حتى الآن لا تؤشر على كسب الرهان الاستراتيجي لبناء “الدولة الاجتماعية”.
وأوضح التقرير السالف الذكر أن الحكومة تعاملت مع إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية كمدخل للتمكين للدولة الاجتماعية، غير أن الإنجازات لا تؤشر على تحقيق هذا الرهان الاستراتيجي، وذلك بسبب “ضعف انسجام” برامج الحماية الاجتماعية مع السياسات العمومية الأخرى، لاسيما في قطاعات التشغيل، الصحة، الانتقال الرقمي، والعدالة المجالية.
وأضاف التقرير أنه من المفترض أن يشكل القانون الإطار نواة صلبة لاستراتيجية اجتماعية شاملة تغطي الجدول الزمني للتعميم (2021-2025)، وتستحضر الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية وتكفل التنسيق بين مختلف الفاعلين الرسميين وغير الرسميين.
وانتقد المركز التحليلي وتيرة سير اللجنة الوزارية لقيادة إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، واصفا إياها بـ”غير المنتظمة” بالرغم من توحيد الإشراف السياسي.
ضبابية في الدعم
سجل التقرير، أنه “رغم أن القانون يفرض انعقاد اللجنة مرة كل ثلاثة أشهر كحد أدنى، إلا أنها لم تجتمع بصفتها الرسمية سوى مرتين (26 نوفمبر 2024 و16 شتنبر 2025) وبتركيبة غير مكتملة وتسميات متباينة”
وبشكل عام، لم تلتئم اللجنة سوى 8 مرات فقط منذ بداية سنة 2022 وحتى نهاية عام 2025، مما أدى إلى عدم التحكم في الأجندة التشريعية، إلى جانب العجز عن تدارك اختلالات التنزيل على أرض الواقع، ناهيك عن ضعف التواصل المؤسساتي الفعال وتضارب المعلومات حول الحصيلة المرحلية.
ونبه المصدر نفسه إلى أن هذا الضعف التواصلي ساهم في غياب توضيحات رسمية حول قضايا جوهرية تمس المواطنين بشكل مباشر، وعلى رأسها الحيثيات المرتبطة بـ “فلترة” المسجلين بنظام المساعدة الطبية السابقة ودمجهم في نظام “أمو تضامن”، فضلاًعن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء رفض طلبات العديد من الأسر للاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر.
تداخل في الأدوار
على الصعيد التنظيمي، رصد التقرير إشكالات “مقلقة” تكتنف آليات استهداف الفئات الهشة، مبرزا أن الوكالة الوطنية للسجلات يكتنف دورها التباس كبير جراء تداخل الاختصاصات مع مؤسسات أخرى، إلى جانب غموض مسطرة تعيين رئيسها وآليات مراقبتها، وكيفيات تحقق الهيئات الوسيطة من صدقية المعطيات.
ورصد التقرير عمل الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، مشيرا إلى أنها تواجه “تراخيا” في تفعيل دورها، مما يمنعها من ممارسة مهامها الحيوية كإعداد المؤشرات الإحصائية، التقييم الدوري لحصيلة الدعم المباشر، وكذا تطوير أدوات الرصد والتتبع.
كما سجل استمرار تفويض الصلاحيات التنفيذية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، “مما يثقله بضغوط تدبيرية إضافية قد تؤثر سلبا على نجاعة أدائه العام”.
أزمة حكامة
وانتقد التقرير بشدة هيئات التقنين، مشيرا إلى “ضعف الآليات القانونية والتقنية للوكالة الوطنية للتأمين الصحي”، مبرزا أن ذلك “يضعف” من موقعها كهيئة ضابطة، مهددا بـ”تكرار تجربتها السابقة التي تميزت بمحدودية إسهامها في ضبط أنظمة التغطية الصحية”.
وسجل أن الهيئة العليا للصحة “لم تشرع في القيام بمهام الضبط والتأطير التقني، حيث لم يتم تحديد مستوى إشراكها في مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية”، كما أن ضعف الموارد والآليات قد “يضعف” من إسهامها في التصدي للاختلالات الماسة بجودة وسلامة خدمات المؤسسات الصحية والتي تؤثر بشكل مباشر على فعلية الاستفادة من التأمين الإجباري عن المرض.
ويرى التقرير أن دور الوكالة الوطنية للأدوية والمنتجات الصحية في تنظيم ومراقبة القطاع سيبقى “محدوداً” بسبب “طغيان الصلاحيات الاستشارية على مهامها”. كما يواجه مسار تحولها من مديرية مركزية بوزارة الصحة إلى مؤسسة عمومية صعوبات جمة، تتجلى في إشكالات إلحاق الأطر المتخصصة، ونقص أدوات التدخل المناسبة، فضلاً عن الغموض واللبس الذي يلف استقلاليتها الإدارية والمالية.
واختتم التقرير بانتقاداه مسارعة الوكالة الوطنية للأدوية والمنتجات الصحية في أولى خطواتها نحو تبني وتبرير الخطاب الحكومي الذي يؤكد وفرة أدوية الأمراض المزمنة، في وقتٍ يقر فيه مجلس المنافسة بعكس ذلك تماما، مشيرا إلى أن سوق الأدوية يعيش اختلالات حقيقية تتناقض مع تزايد الطلب والعرض.