مجلس المنافسة يهزّ المحاماة.. ولوج أوسع واقتطاع مباشر ووصاية أكبر لوزارة العدل
أصدر مجلس المنافسة حزمة توصيات واسعة، ضمن النسخة النهائية من رأيه حول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، تتضمّن خطوات تغيّر وجه المهنة بشكل جذري، وتخرجها بالكامل من القواعد والأعراف التي ظلّت تؤطرها تاريخيا.
وجاء الرأي أقرب إلى موقف وزارة العدل في ظل المعركة المفتوحة بينها وبين هيئات المحامين على خلفية مشروع القانون الخاص بالمهنة، حيث كما يجعل المجلس، من خلال توصياته، وزارة العدل وصيّة على تنظيم مهنة المحاماة، من خلال اقتراح تمكينها من صلاحيات تقريرية واضحة في تنظيم الولوج إلى المهنة وتحديد أسعار مرجعية للأتعاب…
وفي الشق المالي، قدّم المجلس حزمة توصيات تتضمن قيودا على تصرّف المحامين في التدفقات المالية المرتبطة بنشاطهم المهني، واقترح اعتماد نظام الاقتطاع المباشر من مداخيل المحامي لتمويل أنظمة التغطية الصحية والتأمين والتقاعد.
التوصيات ترمي، حسب نص الرأي الذي حصلت “صوت المغرب” على نصه الكامل، إلى تخفيف بعض قيود الولوج، وتوسيع قاعدة الكفاءات المؤهلة لدخول المهنة، مقابل فرض قواعد صارمة، ترمي حسب الوثيقة إلى تعزيز الشفافية المالية، وضبط التواصل المهني، وإعادة تنظيم عدد من الخدمات والاختصاصات وفق منطق أكثر انفتاحا وتنافسية.
وتقترح التوصيات التي انتهى إليها مجلس أحمد رحو، إعادة بناء توازن جديد بين متطلبات استقلال المحامي وخصوصية المهنة، من جهة، وحاجة سوق الخدمات القانونية إلى مزيد من الشفافية والتنافسية وتكافؤ الفرص، من جهة أخرى.
ولوج مرن إلى المحاماة
بالنسبة لسن الولوج إلى مهنة المحاماة، قدّم مجلس المنافسة حزمة توصيات تهدف إلى جعله أكثر مرونة. فبخصوص شرط السن، يوصي المجلس بإلغاء سقف السن الأقصى (45 سنة)، مبررا ذلك بالحرص على الانسجاما مع عدد من التجارب المقارنة (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا وغيرها) التي لا تعتمد سقفاً زمنياً أقصى للولوج.
كما يوصي المجلس بإعادة النظر في هذا القيد بالنظر إلى كونه قد يشكل حاجزاً أمام إدماج كفاءات مهنية ذات خبرة متنوعة، بما يحد من دينامية تجديد المهنة وتطورها ..
وبالنسبة لولوج بعض المحترفين لمهن أخرى إلى جسم المحاماة، يوصي المجلس باعتماد ما سمّاه “آليات إدماج بينمهنية مرنة وذات طابع انتقائي”، والتي قال إنها تروم استقطاب الكفاءات القانونية ذات الخبرة الميدانية النوعية، ولا سيما أطر الإدارات العمومية، وموظفي هيئة كتابة الضبط والمستشارين القانونيين بالمقاولات.
ويقترح المجلس أن يتم هذا الإدماج في إطار نظام إعفاء جزئي من بعض شروط الولوج، وعلى وجه الخصوص مباراة ولوج معهد تكوين المحامين، والتوفر على تجربة مهنية معترف بها، مع اختبار كفاءات فردي، بإشراف من الوزارة الوصية، مع إلزامهم بالتفرغ التام لمهنة المحاماة كشرط لضمان الاستقلالية المهنية وتفادي أي حالات لتضارب المصالح.
واعتبر المجلس أن من شأن هذا التوجه أن يسهم في تجديد النسيج المهني من خلال إدماج خبرات عملية تراكمت داخل بيئات مهنية مختلفة، بما يعزز جودة العرض القانوني ويرفع من مستوى الأداء المهني. كما يكرس دينامية تنافسية إيجابية داخل السوق القانونية، تقوم على تنويع مصادر الكفاءات وإغناء الممارسة المهنية بمقاربات تجمع بين التأصيل القانوني والدراية العملية، بما ينعكس إيجاباً على نجاعة الخدمات القانونية وجودتها.
سحب عقود الحقوق العينية العقارية من المحامين
في الشق الخاص بمجال اختصاص المحامين، يوصى المجلس بمراجعة صياغة المادة 33 من مشروع القانون المثيبر للجدل، بما يرفع الغموض القائم ويمنع أي تأويل قد يؤدي إلى تضييق وصفه المجلس ب”غير المبرر”، على نطاق تدخل المحامي في مجال تحرير العقود، وذلك في اتجاه تكريس مقاربة تعاقدية مرنة تعزز موقع المحامي كفاعل قانوني محوري في تأطير النشاط الاقتصادي للمقاولة.
وفي هذا الإطار، يقترح الرأي إعادة تحديد نطاق الاختصاص التعاقدي، بما يضمن شمول اختصاص المحامي لمختلف العقود والاتفاقيات بما في ذلك المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والتجاري والمدني، مع استثناء العقود والتصرفات المرتبطة بالحقوق العينية العقارية، أخذاً بعين الاعتبار الإشكالات العملية والقانونية التي أثارتها الجهات المستمع إليها بشأن إسناد هذا الاختصاص للمحامين، والحاجة إلى الحفاظ على وضوح توزيع الاختصاصات بين المهن القانونية المنظمة.
كما أوصى المجلس بمراجعة نطاق اختصاص وكيل المهن الرياضية والفنية الممنوح للمحامي، بما يضمن وضوح الحدود الفاصلة بين النشاط القانوني الخاضع لقواعد التنافي المهني والنشاط ذي الطبيعة الاقتصادية القائم على الوساطة والتفاوض والتدبير التعاقدي، وذلك من خلال حصر هذا الاختصاص في إطار الشؤون القانونية المرتبطة بالمهن الرياضية والفنية، “بما يحد من أي خلط قد يؤثر على شفافية قواعد المنافسة داخل هذا السوق ويضمن وضوح الأدوار بين الفاعلين المعنيين”.
“حذف” واجبات الانخراط في الهيئات
في الوقت الذي تمثّل واجبات الانخراط في هيئات المحامين زحد مصادر الدخل الأساسية لهذه الهيئات، يوصي رأي مجلس المنافسة بإعادة النظر في واجبات الانخراط في مهنة المحاماة، في اتجاه ملاءمتها وتوحيدها ضمن سقف وطني مرجعي.
وبرّر المجلس اقتراحه هذا بالسعي إلى الحد من التباينات القائمة بين الهيئات المهنية وتعزيز الموضوعية والوضوح، “مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات تمويل التمثيليات المهنية وتيسير ولوج المهنة، وتفادي تحول هذه الواجبات إلى عائق مالي قد يفضي إلى تمييز غير مبرر بين المؤهلين”.
وحرص المجلس على الإشارة إلي استئناسه في هذا الإطار بالممارسات المقارنة التي قال إنها تعتمد في الغالب رسوماً ذات طابع إداري محدود عند التسجيل، إلى جانب أنظمة اشتراكات مهنية دورية تتدرج مع تطور النشاط المهني.
ويقترح المجلس في هذا السياق وضع إطار مرجعي وطني لواجبات الانخراط، يحدد سقفاً وطنياً موحداً في حدود معايير موضوعية مرتبطة بالكلفة الفعلية للتسيير الإداري للهيئات.
كما يوصي المجلس بجعل واجب الانخراط نظيرا لرسم إداري يغطي التكاليف الفعلية لمعالجة الملف، “بما يضمن انسجامها مع طبيعتها الإدارية، وتفادي توسيع نطاقها ليشمل تمويل خدمات أو برامج أخرى تكوين مستمر، خدمات صحية واجتماعية مساهمات التقاعد وغيرها بحكم أنها لا ترتبط مباشرة بإجراءات الولوج”.
وفي آلية توفر موارد مالية بديلة لهيئات المحامين، أوصى المجلس بإرساء آلية اشتراكات سنوية لدى الهيئة تتناسب مع تطور رقم معاملات المحامي والخدمات المقدمة، بما يحقق توازناً بين استدامة تمويل المؤسسات المهنية وعدالة المساهمة.
وذهبت توصيات المجلس إلى اقتراح اعتماد نظام الاقتطاع المباشر من مداخيل المحامي لتمويل أنظمة التغطية الصحية والتأمين والتقاعد، بما يضمن انتظام أداء المساهمات الاجتماعية واستدامة موارد أنظمة الحماية الاجتماعية، “على غرار الممارسات المعتمدة في عدد من النماذج المقارنة مع مراعاة مبدأ التناسب بين قيمة المساهمات ومستوى الدخل المهني”.
كما أوصى المجلس بتيسير الولوج إلى المهنة، عبر آليات داعمة، من خلال اعتماد تدابير مرنة لفائدة الممارسين الجدد، كصيغ أداء ملائمة أو تسهيلات مرحلية، بما يعزز تكافؤ الفرص ويدعم إدماج الكفاءات الشابة في المهنة .
صندوق لدعم المحامين وتأمين موحّد
أوصي المجلس بالاتجاه نحو منظومة خدمات مهيكلة وذات طابع موحد، بما يسمح بالانتقال من تدبير مجزأ على مستوى كل هيئة إلى رؤية مركزية أكثر انسجاماً، قادرة على ضمان عدالة الاستفادة وتكافؤ الفرص بين جميع المحامين، مع تعزيز النجاعة والاستدامة المالية للنظام المهني ككل. وفي هذا الصدد يقترح المجلس :
- إحداث صندوق ضمان وطني لدعم مكاتب المحاماة: يهدف إلى تقديم ضمانات مالية وقروض ميسرة وآليات دعم تمكن من تعزيز استقرار وتطوير مكاتب المحاماة، لا سيما لفائدة المحامين الممارسين الجدد. بما يساعدهم على تغطية تكاليف التأسيس والتجهيز والرقمنة، وتعزيز استمرارية مكانهم وقدرتها على تقديم خدمات قانونية ذات جودة.
- تطوير البنيات الرقمية من خلال إحداث صندوق وطني مشترك لتمويل التحول الرقمي لمكاتب المحاماة (توفير برمجيات موحدة خوادم مؤمنة التدريب التقني)، مما يضمن تكافؤ الفرص في الولوج للتكنولوجيات الرقمية بين المكاتب الكبرى والصغرى.
- اعتماد تأمين وطني مركزي موحد عن المسؤولية المدنية المهنية للمحامين إلى جانب التأمين الفردي، بدل تعدد الأنظمة على مستوى كل هيئة، بما يضمن توحيد شروط التغطية وحدود الضمان، ويعزز الحماية القانونية للمحامي والمتقاضي على حد سواء، ويرفع من منسوب الثقة في الخدمات القانونية، على غرار صندوق التأمينات والضمانات الخاص بالموثقين
- إحداث منظومة مركزية موحدة للخدمات الاجتماعية والصحية والتقاعد لفائدة جميع المحامين على الصعيد الوطني ترتكز على مبدأ الاقتطاع الدوري من مداخيل المحامي، بما يضمن توحيد شروط الاستفادة ويعزز الاستقرار الاجتماعي داخل المهنة ويسهم أيضا في تقليص التفاوتات بين الهيئات المهنية في تدبير هذه الأنظمة.
وزارة العدل تحدّد مرجعية الأتعاب
بالنسبة لشفافية الأتعاب وما سمّاه المجلس ب”اليقين المالي”، اقترح المجلس أن تعد الوزارة الوصية مرجعيات استرشادية للأتعاب في حالة غياب وجود عقد مكتوب بين المحامي والموكل. ونفى المجلس أن يكون الهدف من ذلك هو تقييد حرية التعاقد، “بل لإرساء يقين مالي يمكن الموكل من توقع التكاليف مسبقاً وتيسير البث في منازعات الأتعاب من طرف النقيب، ويمكن أيضا الاستئناس بها من طرف القضاء فيما يخص الطعون المرتبطة بالأتعاب”.
وقدّم المجلس مقترحات تفصيلية في هذا المجال، تتمثّل في:
- إرساء مرجعية استرشادية للأتعاب : (Grille indicative) وضع إطار استرشادي من طرف الوزارة الوصية يحدد نطاق الأتعاب بناء على نوع الملف وطبيعته دون فرض تسقيف إجباري، يتم الاعتماد عليه في حال غياب عقد مكتوب بين المحامي والموكل، وذلك لمساعدة الموكل على تقدير التكاليف مسبقا .
- إرساء منصة رقمية استرشادية لتقدير الأتعاب ويتعلق الأمر بتطوير أداة رقمية مرجعية متاحة للعموم وتوضع تحت إشراف الوزارة الوصية تتيح للمتقاضي إدخال معطيات عامة حول طبيعة القضية ونوع النزاع، ودرجة التقاضي للحصول على تقدير استرشادي للأتعاب، دون طابع إلزامي.
- اعتماد اتفاق مسبق ومكتوب يتضمن، بالإضافة إلى قيمة الأتعاب المنصوص عليها في مشروع القانون الجديد تفصيل احتساب الأتعاب ومراحل أدائها بشكل واضح ومسبق، بما يضمن وضوح الالتزامات المالية بين المحامي وموكله، ويحد من الغموض أو الاختلاف في التفسير الذي قد يشوب العلاقة التعاقدية.
- إحداث لجان تسوية منازعات الأتعاب إحداث لجان متخصصة داخل هيئات المحامين لتسوية نزاعات الأتعاب بشكل ودي وسريع ويتجرد مني
- إلزامية الفوترة المفصلة: فرض إصدار فواتير توضح طبيعة الخدمات القانونية المقدمة وتكلفتها، مما يعزز الشفافية المالية ويسمح للموكل بالتأكد من الخدمات المؤداة فعلياً.
مراقبة المحتوى الإشهاري والرقمي للمحامين
يوصي المجلس يتبني نموذج للتواصل المهني يتيح للمتقاضين الوصول إلى معلومات موضوعية حول تخصصات المحامين وخبراتهم، مما يحد من ظاهرة عدم تماثل المعلومات ويعزز شفافية السوق. وذلك من خلال اعتماد الآليات الإجرائية التالية:
- إرساء ميثاق التواصل الرقمي المهني. يحدد ضوابط الحضور الرقمي للمحامي في المواقع الإلكترونية المهنية، وشبكات التواصل الاجتماعي. ويجب أن يرتكز هذا الميثاق على مبدأ المسؤولية الذاتية، حيث يلتزم المحامي باحترام السر المهني وعدم المبالغة، مع منح الهيئة دوراً رقابياً لاحقاً (التحقق والزجر) بدلاً من الترخيص المسبق المحدود في الموقع الإلكتروني المعرف للمحامي.
- قاعدة التعريف الموضوعي بالتخصصات، من خلال السماح للمحامي بالتعريف بمجالات تخصصه وخبراته (مثل: قانون الأعمال الملكية الفكرية والتحكيم الدولي)، بشكل دقيق وموضوعي مع منع الإعلانات المقارنة أو استخدام عبارات تفضيلية (مثل الأفضل الأسرع)، مما يحد من عدم تماثل المعلومات ويساعد الموكل على اختيار الكفاءة المناسبة لاحتياجاته.
- إرساء لجنة اليقظة الأخلاقية (Comité de déontologie numérique) إحداث لجنة داخل الهيئات المهنية مهمتها ليس الترخيص، بل مراقبة المحتوى الإشهاري والرقمي لضمان مطابقته الأخلاقيات المهنة. وتعمل هذه اللجنة كمرجع استشاري يمكن للمحامين الرجوع إليه قبل نشر أي محتوى، مما يضمن أمن المعلومات ويحمي الممارسة المهنية من الانزلاقات الإشهارية
- التمييز بين التوعية القانونية والإشهار التجاري: تشجيع المحامين على نشر مقالات ودراسات قانونية (توعية قانونية)، وتصنيف هذا النشاط كنشاط مهني فكري لا يخضع لقيود الإشهار التجاري، طالما أنه يهدف إلى تنوير الرأي العام وتطوير الثقافة القانونية، وهو ما يخدم في الوقت نفسه التعريف بالسمعة المهنية للمحامي.