تكتل حقوقي يدعو إلى مراجعة قانون المحاماة ويناشد الإحالة على المحكمة الدستورية
أعلنت خمس جمعيات حقوقية مغربية منضوية في الشبكة الأورو-متوسطية للحقوق تضامنها الكامل مع المحاميات والمحامين بالمغرب، ومع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، معتبرة أن مشروع القانون المنظم للمهنة، رغم ما عرفه من تدارك جزئي لبعض المقتضيات خلال مناقشته بمجلس المستشارين، لا يزال يثير إشكالات دستورية وحقوقية تستوجب المراجعة خلال مرحلة القراءة الثانية بمجلس النواب.
وقالت الجمعيات، في بيان تضامني، إن موقفها لا يصدر عن اعتبارات مهنية أو فئوية، ولا يعكس اصطفافا إلى جانب طرف دون آخر، وإنما يعبر عن قناعة بأن استقلال المحاماة يشكل إحدى الركائز الأساسية لدولة الحق والقانون، وأن أي مساس بالضمانات المؤطرة لاستقلال الدفاع تمتد آثاره إلى حق المواطنين في الولوج إلى عدالة مستقلة ومنصفة، وإلى الثقة في المؤسسات وسيادة القانون.
كما ناشدت الجهات المخول لها دستوريا، ممارسة حق الإحالة على المحكمة الدستورية، عند الاقتضاء، إذا ظل النص النهائي متضمنا مقتضيات تثير شبهة عدم الدستورية أو تمس الضمانات الأساسية للحق في الدفاع والمحاكمة العادلة، معتبرة أن اللجوء إلى الرقابة الدستورية يظل ممارسة مؤسساتية مشروعة لحماية سمو الدستور وضمان مطابقة التشريع للمبادئ الدستورية والالتزامات الدولية للمغرب.
إصلاح مطلوب… لكن بشروط دستورية
وأكدت الجمعيات أن إصلاح مهنة المحاماة يظل ورشا وطنيا ضروريا تفرضه التحولات التي تعرفها منظومة العدالة وتطور حاجيات المجتمع، غير أن مشروعية أي إصلاح، بحسب البيان، لا تقاس بسرعة اعتماده أو بعدد المقتضيات التي يعدلها، وإنما بمدى انسجامه مع المعايير الدولية واحترامه للدستور، وتعزيزه لاستقلال الدفاع وصيانته للتنظيم الذاتي للمهنة.
وأضافت أن التشريع في مجال الحقوق والحريات يقتضي اعتماد أعلى معايير الجودة التشريعية، القائمة على المقاربة التشاركية والحوار المؤسساتي والإنصات للخبرة المهنية والحقوقية وتقييم الأثر التشريعي، بما يضمن إنتاج نصوص مستقرة ومنسجمة مع الدستور وتحظى بالمشروعية المجتمعية.
وسجل البيان أن النقاش الذي رافق مشروع القانون لم يفض إلى التوافق المؤسسي والمهني الذي يقتضيه تنظيم إحدى الدعائم الأساسية للعدالة، ولم يستوعب، بالقدر الكافي، الملاحظات الجوهرية التي عبرت عنها المؤسسات المهنية والفعاليات الحقوقية وعدد من الخبراء، معتبرا أن مرحلة القراءة الثانية تشكل فرصة لإعادة بناء التوافق حول المقتضيات التي ما تزال محل خلاف.
مقتضيات “ما تزال محل تحفظ”
واعتبرت الجمعيات أن عددا من المقتضيات التي لا يزال يتضمنها مشروع القانون تطرح إشكالات دستورية وحقوقية حقيقية، بالنظر إلى آثارها المحتملة على استقلال المحاماة، وعلى التنظيم الذاتي للمهنة، وعلى التوازن الواجب الحفاظ عليه بين مختلف مكونات منظومة العدالة.
وأضافت أن الأمر لا يتعلق باختلاف في التقدير حول اختيارات تشريعية جزئية، وإنما بمدى احترام المبادئ الدستورية التي تؤطر تنظيم إحدى أهم مؤسسات العدالة، مؤكدة أن التشريع المتعلق بالحق في الدفاع والضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة يقتضي الالتزام بأعلى معايير الضرورة والتناسب والجودة التشريعية، وتجنب كل مقتضى يمكن أن يؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إضعاف استقلال الدفاع أو الحد من استقلال الهيئات المهنية في تدبير شؤونها.
وسجل البيان، بوجه خاص، أن بعض المقتضيات المرتبطة باختصاصات الهيئات المهنية، وحدود تدخل السلطة التنفيذية في بعض جوانب التنظيم المهني، والجوانب المالية والإدارية، والنظام التأديبي، لا تزال تستوجب مراجعة بما يضمن انسجامها الكامل مع الدستور والمعايير الدولية المؤطرة لاستقلال المحاماة ومتطلبات التنظيم الذاتي للمهن الحرة في الأنظمة الديمقراطية.
دعوة إلى التوافق واستمرار الترافع
وثمنت الجمعيات ما تم إدخاله من تعديلات استجابة لبعض المطالب المهنية والحقوقية، لكنها اعتبرت أن هذا التدارك الجزئي لا يغني عن مراجعة باقي المقتضيات التي ما تزال تثير تحفظات جدية، مؤكدة أن حماية الضمانات الدستورية لا تقبل التجزئة ولا يجوز أن تخضع لمنطق التسويات المرحلية.
ودعت مجلس النواب، خلال مرحلة القراءة الثانية، إلى إعادة النظر في جميع المقتضيات التي قد تمس استقلال المحاماة أو التنظيم الذاتي للمهنة، واعتماد مقاربة تشاركية تستوعب الملاحظات الجوهرية التي عبرت عنها المؤسسات المهنية والفعاليات الحقوقية والخبراء.
كما دعت المجلس الوطني لحقوق الإنسان والهيئات الدستورية والجامعات والمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية إلى مواصلة مواكبة هذا الورش التشريعي، باعتباره شأنا حقوقيا ودستوريا يهم المجتمع بأسره، مؤكدة عزمها على مواصلة الترافع وطنيا ودوليا من أجل كل إصلاح يعزز استقلال العدالة ويحترم الدستور ويكرس التزامات الدولة المغربية في مجال حقوق الإنسان.
وفي السياق، نظمت جمعية هيئات المحامين بالمغرب، اليوم الخميس 02 يوليوز 2026، وقفة احتجاجية بالبذل المهنية أمام مقر البرلمان بالعاصمة الرباط، تزامنا مع مناقشة مشروع قانون مهنة المحاماة.
وتأتي هذه الوقفة، حسب بلاغ للجمعية، في إطار مواكبة المستجدات المرتبطة بمسار المشروع والتعبير عن موقف الجمعية، واستحضارا لما تقتضيه المرحلة من مسؤولية في الدفاع عن استقلال مهنة المحاماة، وصون مكتسباتها، وحماية رسالتها.
وعلاقة بنفس الموضوع، أصدر مجلس المنافسة حزمة توصيات واسعة، ضمن النسخة النهائية من رأيه حول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، تتضمّن خطوات تغيّر وجه المهنة بشكل جذري، وتخرجها بالكامل من القواعد والأعراف التي ظلّت تؤطرها تاريخيا.
وجاء الرأي أقرب إلى موقف وزارة العدل في ظل المعركة المفتوحة بينها وبين هيئات المحامين على خلفية مشروع القانون الخاص بالمهنة، حيث كما يجعل المجلس، من خلال توصياته، وزارة العدل وصيّة على تنظيم مهنة المحاماة، من خلال اقتراح تمكينها من صلاحيات تقريرية واضحة في تنظيم الولوج إلى المهنة وتحديد أسعار مرجعية للأتعاب…