حكيمي والإشهار وكاميرا الدرون
أنا مسافر وجَوَال كبير عبر شاشات وقنوات العالم بفضل “التيليكومند”، تلك الآلة السحرية التي تسمح لك بأن تصبح “متنقلا كبيرا” un grand zappeur بسرعة، وبدون دروس خصوصية ومهنية أحيانا. خلال كأس العالم لكرة القدم، كشفت لي جولات عبر هاته الشاشات، وعبر لوحات الاشهار في شوارع الرباط ومحطات الترام، وفي الصحف… كيف أصبحت صورة النجم المغربي أشرف حكمي حاضرة بقوة. فرغم مشاكله مع القضاء الفرنسي وتهمة التحرش الجنسي التي تواجهه، تحضر صوره في كل مكان، لكنه غائب على مستوى الصوت والكلام، ولا يعطي حوارات صحفية.
ويبدو أن صورة النجم المبدع في الكرة هي من ينتصر الآن في سياق الانتصارات الكبرى لتي يحققها المنتخب الوطني. يقدم عميد المنتخب المغربي إشهارات متعددة ومتزايدة: لشركات الهاتف، والحلوى واللباس والنظارات. وآخر هذه الإشهارات هو لبنك في قطر تقوم ببثه قناة الرياضة “بي إن سبورت” التي تزايدت شهرتها مع هذا المونديال بفضل مهنيتها واحترافيتها.
ترى كم يتقاضى أشرف حكيمي عن هذه الاشهارات التي أصبحت تملؤ عيوننا، وتستغلنا أبشع استغلال رأسمالي؟ من هو رجل أعماله؟ ومن يدبر حملاته التواصلية وخاصة تواصل الأزمات؟ مثل هذه المواضيع لا تشتغل عليها، للأسف، صحافتنا، كما لا يتطرق لها علماء التواصل عندنا الذين يفضل بعضهم التحريض والشعبوية الكروية. لكن إحدى الصحف سبق لها أن أشارت إلى أن الجامعة الملكية لكرة القدم وضعت خطة تواصل خاصة لتدبير أزمة محاكمة أشرف حكيمي. وتتضمن هذه الخطة توجيهات له بعدم المرور من المنطقة المخصصة للتصريحات الصحفية داخل الملاعب لتفادي الأسئلة المحرجة المتعلقة بالملف القضائي. كما قررت الجامعة عدم مشاركته في الندوات الصحفية التي ينظمها المدرب قبل المباريات لتفادي مثل هذه الأسئلة.
كاميرا الدرون
يُعتبر حضور الصورة، سواء من خلال الإشهار، أو طريقة إخراج وتصوير مباريات كرة القدم، جزءاً أساسياً في تذوق هذه اللعبة: “معبودة الجماهير”. والصورة، في إحدى تعريفاتها، هي “خزان من المواقف يُشكل عناصر الدلالة فيها” حسب تعبير رولان بارث. والحقيقة أن “خزان المواقف” أو تاريخ المشاهدات والصور انطلاقا من خبرتي في تلقي الصورة، يجعلني لا أتذوق كثيرا طريقة تصوير المباريات بواسطة كاميرا الدرون (كلمة درون بالإنجليزية تعني “ذَكر النحلة” الذي يُلقح ملكة النحل).
الأذواق تختلف طبعا، إلا أن التصوير بواسطة الدرون، التي أصبحت موضة كبرى وطاغية عبر العالم اليوم، في الحروب والمباريات، يعطي جمالية ضعيفة وغير دقيقة عن مجريات مباريات كرة القدم. فكاميرا الدرون تظهر لنا اللاعبين خلال مباريات المونديال وكأنهم معلقين ويلعبون في السماء وليس فوق الارض. كما انها تعطينا صورا ومشاهد متعبة للعين، وغير واضحة بالنسبة لمجريات المباريات، بل انها تصيبنا بالدوخة والدوار.
كما ان “اللقطات العلوية” high angle shot ، كما هو معروف في أدبيات التصوير السينمائي، لها معاني تفيد السيطرة على الشخصية (أي اللاعب البطل) التي يتم تصويرها، و”طحنها” (بالمعنى الدارج والفصيح). بحيث تُظهرها وكأنها ضعيفة وتحت السيطرة. وإلى جانب هذه اللقطات من اعلى التي يقدمها “الدرون”، أشير إلى تلك الصور المهتزة والمتعبة للعين التي تقدمها لنا تقنية التصوير بواسطة كاميرا الحكم المعلقة على رأس الحكم، وهي تقنية جديدة أدخلتها الفيفا في هذا المونديال. بشكل عام، ورغم بعض الاستثناءات، يمكن القول إن عملية إخراج المباريات في هذا المونديال ضعيفة المستوى. وهو إخراج يكشف لنا، في العمق، أن الكاميرا لا تحب كثيرا كرة القدم، ولا تحب اللاعبين الذين لا تصورهم كثيرا عن قرب في لقطات صغيرة plan serrés.
ويبدو لي أن ذلك هو نتيجة لعدم ولع الأمريكيين، أصلاً، بكرة القدم، مثل حبهم وولعهم بكرة السلة، أو البيزبول، او كرة القدم الأمريكية… هناك فرق كبير بين التصوير والإخراج الذي نشاهده في مباريات بطولة إنجلترا الذي يبقى الأفضل حسب رأيي. يبدو لي أن الأمريكيين لا يعرفون “لذة النص الكروي”، وليس لهم نفس الشغف، ولا القدرة على تصوير كرة القدم، مثل تلك القدرة التي يكشفون عنها عند تصوير وإخراج الأفلام في هوليود.