تجديد حضري أم تهجير؟.. مشروع تهيئة الحي المحمدي يثير أزمة بالدار البيضاء
عاد ملف التهيئة الحضرية بالحي المحمدي في الدار البيضاء إلى واجهة الجدل، بعدما قرر مجلس جماعة الدار البيضاء، خلال دورته الثانية لشهر ماي المنعقدة الخميس 14 ماي 2026، رفض مشروع تصميم التهيئة الخاص بالمنطقة، مع التوصية بإعادته إلى طاولة النقاش وإدخال تعديلات تستجيب لمطالب الساكنة والمنتخبين.
وجاء القرار بعد ضغط متزايد من منتخبين بمقاطعة الحي المحمدي، وعلى رأسهم رئيس المقاطعة يوسف الرخيص، الذين طالبوا بموقف واضح من الجماعة في مواجهة المخاوف المتصاعدة للسكان بشأن مستقبل الحي ومصير الآلاف من الأسر القاطنة به.
ويكشف هذا الرفض حجم التوتر الذي يرافق مشاريع “التجديد الحضري” بالدار البيضاء، خاصة تلك المتعلقة بأحياء ذات حمولة تاريخية واجتماعية قوية مثل الحي المحمدي، والذي ينظر إليه باعتباره أحد أبرز الرموز الشعبية والثقافية للعاصمة الاقتصادية.
مخاوف من “تهجير مقنع” تحت غطاء التجديد الحضري
ورغم تقديم المشروع باعتباره برنامجا لإعادة التأهيل وتحسين جودة العيش، إلا أن عددا من المنتخبين والفاعلين المحليين عبروا عن تخوفهم من أن يتحول “التجديد الحضري” إلى بوابة لتهجير السكان وإعادة توظيف العقار لفائدة أنشطة اقتصادية ولوجستيكية.
وفي هذا السياق، حذر عبد الصمد حيكر، عن فريق العدالة والتنمية، من التوجه الذي يحمله المشروع، خاصة في ما يتعلق بأحياء درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض، والتي تضم نسبة كبيرة من ساكنة الحي.
واعتبر حيكر أن إدراج أنشطة اقتصادية ولوجستيكية قرب محطة القطار الجهوي يثير مخاوف حقيقية لدى السكان من فقدان الطابع السكني للمنطقة، وتحويل “التجديد الحضري” إلى عملية إعادة تشكيل عقاري قد تنتهي بإبعاد الساكنة الأصلية عن الحي.
كما شدد على ضرورة التنصيص بشكل واضح على إعادة توطين السكان داخل نفس المجال الترابي، حفاظا على الذاكرة الاجتماعية والتاريخية للحي المحمدي.
الحي المحمدي ليس هامشا حضريا
من جهته، حاول حسين نصر الله، نائب العمدة المفوض له قطاع التعمير، الدفاع عن فلسفة المشروع، معتبرا أن المقاربة المعتمدة تنطلق من اعتبار الحي المحمدي “ذاكرة وجدانية” للدار البيضاء، وليس مجرد منطقة هامشية.
وأوضح نصر الله أن المشروع يقوم على ثلاث ركائز أساسية، أولها “الإنصاف المجالي” عبر تحسين الولوج إلى الخدمات والتجهيزات العمومية، و “الأنسنة” من خلال توسيع المساحات الخضراء وتحسين ظروف العيش، ثم “الربط الوظيفي” لفك عزلة الحي وربطه بالدينامية الكبرى للمدينة.
غير أن هذه التبريرات لم تبدد مخاوف جزء من المنتخبين والسكان، خاصة في ظل غياب ضمانات واضحة بشأن الحفاظ على البعد السكني والاجتماعي للمنطقة.
انتقادات للوكالة الحضرية بسبب “ضعف التشاور”
الانتقادات لم تقتصر على مضمون المشروع فقط، بل شملت أيضا طريقة إعداده والتواصل بشأنه، حيث انتقد مصطفى العكيدي، عن فريق الاستقلال، ما وصفه بضعف انفتاح الوكالة الحضرية على المنتخبين والسكان، معتبرا أن غياب الحوار ساهم في تغذية القلق والاحتقان داخل المنطقة.
وأكد العكيدي على أن الساكنة في وضعية قانونية سليمة وتمتلك عقاراتها، متسائلا عن الأساس القانوني الذي يبرر الحديث عن الهدم أو الترحيل، خاصة أن وجود بعض المباني الآيلة للسقوط، بحسب تعبيره، لا يمكن أن يشكل مبررا لهدم أحياء كاملة أو تشريد الأسر.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة الإشكال المرتبط بمشاريع إعادة الهيكلة والتأهيل الحضري في المدن الكبرى، حيث تصطدم أهداف التحديث العمراني بمخاوف السكان من فقدان هويتهم المجالية والاجتماعية، خاصة في الأحياء الشعبية ذات الكثافة السكانية العالية والقيمة الرمزية الكبيرة.