نظرية أحمد التوفيق السياسية
تلقّيت قبل بضعة أيام رسالة من صديق يتابع الأحداث بشكل جيّد، تتضمن تسجيلا صوتيا لخطبة جمعة حديثة، تتحدّث عن “وثيقة المدينة”، ملاحظا أن الأمر قد ينطوي على تأصيل نظري لفكرة “علمانية المغرب” التي سبق أن قال بها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق.
حاولت أن أتابع الموضوع، خاصة أن الأمر يتعلّق بسلسلة خطب جمعة مستقاة من السيرة النبوية الشريفة، والتفكير في الموضوع في سياقه الخاص، أي باعتبار الخطبة، خاصة بعد توحيدها، باتت بمثابة “بيان” سياسي تصدره الدولة كل أسبوع.
فخطبة الجمعة في المغرب، لا تأتي بوصفها مجرد وعظ أسبوعي عابر، بل باعتبارها واحدا من أكثر أشكال الكلام العمومي انتظاما وانضباطا وتأثيرا.
كلامٌ أصبح اليوم يُقال في الوقت نفسه، من فوق آلاف المنابر، بلغة واحدة تقريبا، وبمقصد واحد، وتحت سقف واحد معلوم.
لهذا، حين تختار المؤسسة الدينية الرسمية أن تجعل موضوع الأسابيع الأخيرة هو “السيرة النبوية مصدر لتدبير الشأن العام”، فإنها لا تكون بصدد تقديم درس في السيرة فقط، بل بصدد إعلان فكري هادئ عن الطريقة التي تريد بها أن يُفهم بها الدين وهو يقترب من الدولة، وتنتج لنا “نظرية” في الحكم، ليس من باب الحنين التاريخي فقط، بل من باب التأصيل للحاضر، على اعتبار الدين ليس “خارج” الحياة، بل هو “للحياة”.
وحين تقول الخطب إن “الدين للحياة”، فهي لا تفتح باب الاجتهاد العام في معنى السياسة أو تداول السلطة أو التعدد في مصادر الشرعية، بل لتقول إن الحياة لا تستقيم بدون نظام، ولا يستقيم النظام بدون قوانين، ولا تستقيم القوانين بدون مرجعية عليا تضبطها أخلاقيا وروحيا، ثم سياسيا أيضا.
الحقيقة أن هذه الخطب، بعد قراءتها بهدوء، لا تدفع نحو مرجعية “مدنية” خالصة في تدبير الشأن العام، بما يمكن أن يُعتبر تأصيلا لفكرة العلمانية، ولا حتى نحو توازن متساو بين الديني والمدني، بل تمنح الأفضلية الواضحة لمرجعية دينية مؤطرة، تستعمل مفردات حديثة مثل “الدستور” و”المواطنة” و”المساواة” و”القانون”، لكنها تربطها جميعا ب”الهدي النبوي”، ثم “من ولاه الله أمر المؤمنين”.
أي أن البعد “المدني” حاضر، نعم، لكن بوصفه امتدادا منضبطا للمشروعية الدينية، لا كفضاء مستقل عنها أو ندا لها.
لذلك، ليس من قبيل الصدفة أن خطبة وثيقة المدينة، وهي الأكثر غنى من حيث اللغة السياسية الحديثة، تمضي بعناية في اتجاهين متوازيين، فهي تتحدّث من جهة عن “أول دستور”، وعن “المساواة في الحقوق والواجبات”، وعن “المواطنة الحقة”، و”عدم التمييز”، و”العدالة الاجتماعية”… وهي كلها مفاهيم تبدو، للوهلة الأولى، شديدة القرب من قاموس الدولة المدنية.
لكن الخطبة نفسها تعود بسرعة لتقول إن من أهم مقاصد الوثيقة “وحدة النظام” و”طاعة ولي الأمر”، وإن الرسول في المدينة هو المثل الأعلى لأولياء الأمور أو المسؤولين الذين ينوبون عنه ويخلفونه في تدبير أمور الناس، ثم تنتهي إلى أن أهم أولويات هذا الأمن الشامل هو احترام “الأمة” في دينها وثوابتها واختياراتها وتراثها الديني والثقافي والحضاري “الذي هو رأس مالها اللامادي غير القابل للمساومة”.
من هذه الزاوية، يمكن القول إن الخطب الأخيرة تميل، بوضوح، إلى البحث عن مصلحة الجماعة أكثر من الفرد، أو لنقل عن “المصلحة العامة”. الفرد موجود فيها، لكن بوصفه مكلَّفا بالانخراط، وليس بوصفه ذاتا مستقلة تطالب بحصتها من الحرية في مواجهة السلطة أو الجماعة.
وبالتالي فإن السؤال المطروح ليس هل هذه الخطب دينية أم مدنية، ولا هل هي مع الفرد أم مع الجماعة، بل أين تقف الديمقراطية داخل هذا البناء كله؟
القراءة المتزنية لا تكشف عن خصومة مباشرة مع الديمقراطية في هذه الخطب، بوصفها آليات أو مؤسسات أو انتخابات أو تمثيلا… لكنها أيضا لا تجعل منها مفهوما مركزيا ولا مرجعية مهيكلة.
ما نجده هو حديث عن “الشورى” بصيغة ضمنية، وعن “الاستشارة” التي تتم داخل المسجد، وعن “الصحيفة” باعتبارها وثيقة اتفاق، وعن “المساواة” و”الحقوق والواجبات” و”القوانين المتغيرة حسب المستجدات”… وكلّها عناصر يمكن أن تتعايش مع خيال ديمقراطي معين.
لكن هذا الخيال يظل مضبوطا من البداية إلى النهاية بسقف واضح هو وحدة الصف، وجماعة المسلمين، والاكتفاء ب”مناصحة” أولي الأمر، وضرورة طاعتهم، واحترام الثوابت، وجمع الشمل وراء القائد… أي إن الديمقراطية لا تحضر في هذه الخطب الدينية بوصفها حقا مفتوحا في الاختلاف والتداول والصراع المنظم بين تصورات متنافسة للمصلحة العامة، بل باعتبارها شيئا يمكن قبوله ما دام لا يهدد الانسجام العام ولا يمس المركز الرمزي والسياسي الذي تنتظم حوله “الأمة”.
هكذا يمكننا القول إن مقاصد ما يعرف ب”خطة تسديد التبليغ” بدأت تتّضح: الدولة اختارت أن تتكلم إلى المواطنين في الحالة التي يكونون فيها “مؤمنين” لتنتج تربية عمومية على فهم معين للدين، وعلى صورة معينة للشأن العام.
قد يقول البعض إن هذا حق مشروع لدولة لها إمارة المؤمنين وتاريخ طويل في ضبط الحقل الديني وتحصينه من الفوضى والتطرف والتسييس… وهذا صحيح من ناحية، لكن ناحية أخرى تقول إن كل توحيد للكلام، مهما كانت نياته حميدة، يحمل دائما إغراء تحويل الدين من مجال حي للتعدد والاجتهاد والتفاعل مع الواقع، إلى جهاز بيداغوجي مركزي لإعادة إنتاج التصور الرسمي للنظام والوحدة والشرعية.
لهذا لا أعتقد أن هذه الخطب دعوة إلى دولة دينية بالمعنى الصريح، كما لا تبدو انحيازا إلى مدنية ليبرالية بالمعنى المتداول. هي عبارة عن شيء ثالث، مغربي جدا في منطقه. مدنية مؤطرة دينيا، أو دينيٌّ يلبس أدوات المدني دون أن يتنازل عن مركزه الأعلى.
مدنية فيها الدستور، لكن تحت السيرة. وفيها المواطنة، لكن داخل الثوابت. وفيها المساواة، لكن تحت سقف وحدة الصف. وفيها القانون، لكن تحت نظر “ولي الأمر”. وفيها السوق، لكن تحت الحسبة. وفيها المال، لكن بوصفه استخلافا لا ملكية مقدّسة. وفيها المجتمع المدني، لكنه لا يتشكّل من أفراد أحرار متنازعين سلميا حول الخيارات، بل جماعة يفترض أن تتآلف وتتوحد وتندمج وتذيب كل ما أمكن تذويبه من أسباب التشظي.
هذه السلسلة من خطب الجمعة لا تقول لنا كيف دبر النبي (ص) الشأن العام في المدينة فقط، بل تقول، ضمنا، كيف تريد المؤسسة الدينية الرسمية في المغرب أن يُفهم الشأن العام اليوم، ليس باعتباره ساحة تعاقد مدني محض، ولا حلبة صراع فرديات مستقلة، بل باعتباره مجالا لحراسة الانسجام العام، وتأديب السوق، وتأليف القلوب، وضبط القانون، وحماية الثوابت، تحت سقف إمارة المؤمنين…
فماذا أنتم قائلون؟