أعطاب بنيوية وضغوط.. لماذا يتراجع المغرب في مؤشر الحرية الأكاديمية؟
كشف تقرير دولي حديث حول الحرية الأكاديمية عن استمرار التحديات التي تواجه الجامعات في المغرب، حيث صُنّف ضمن الشريحة الدنيا عالميًا، ما يعكس مستوى محدودًا من حرية البحث والتعبير داخل الوسط الجامعي.
ووضع التقرير، الصادر عن جامعة فريدريش ألكسندر إرلانجن-نورنبيرغ ومعهد “في ديم”، المغرب في المرتبة 109 عالميًا من أصل 178 دولة، ضمن مؤشر الحرية الأكاديمية (AFI) لسنة 2026، وهو تصنيف يقيس مستويات الحرية الأكاديمية الفعلية عبر العالم.
ويرصد مشروع مؤشر الحرية الأكاديمية أوضاع الحرية الأكاديمية في مختلف دول العالم اعتمادًا على تقييمات خبراء وباحثين، معتمداً على عدة معايير، تشمل حرية البحث والتدريس، وحرية التبادل الأكاديمي ونشر المعرفة، والاستقلالية المؤسسية للجامعات، إضافة إلى حرية التعبير الأكاديمي.
أعطاب بنيوية
في هذا الصدد، اعتبر أبو بكر الونخاري، الأكاديمي والباحث في الفكر السياسي المعاصر، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن تصنيف المغرب “يكشف بوضوح عن عمق الأعطاب التي تعانيها الجامعة المغربية، ويضعها أمام اختبار حقيقي يتعلق بدورها ووظيفتها داخل المجتمع”.
وأضاف أن “المرتبة 109 عالميًا هي تعبير دقيق عن واقع تُكبَّل فيه الحرية الأكاديمية بقيود متعددة، ظاهرة وخفية، مما يجعل من ممارسة البحث والتدريس فعلا محفوفًا بالحذر بدل أن يكون مجالا رحبًا للنقد والإبداع”.
وأوضح المتحدث أن هذا المناخ “يؤدي إلى تراجع روح المبادرة العلمية، ويغلب منطق التكيّف على حساب الجرأة الفكرية، وهو ما يفقد الجامعة أحد أهم شروط وجودها”.
وبحسب نتائج نسخة 2026، فد جاء المغرب ضمن فئة الدول التي تقع في حدود 30% إلى 40% من أسفل الترتيب العالمي، وهو ما يضعه بعيدًا عن الدول التي تتمتع بمستويات مرتفعة من الحرية الأكاديمية، خصوصًا في أوروبا وأمريكا الشمالية.
ويعكس هذا التصنيف، وفق التقرير، وجود قيود متفاوتة على العمل الأكاديمي، سواء على مستوى حرية التعبير داخل الجامعة، أو استقلالية المؤسسات الجامعية في اتخاذ قراراتها، والتي يُلاحظ من البيانات أنها هي الأدنى تنقيطاً في ملف المغرب.
وفي السياق، يشير الونخاري إلى أن ما خلص إليه التقرير بشأن مركزية الاستقلالية المؤسسية “يسلط الضوء على مكمن الخلل في الحالة المغربية، حيث لا تزال الجامعة تشتغل بهامش محدود من الاستقلال، في ظل حضور قوي لمنطق الوصاية والتدبير الإداري”، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة القرار الأكاديمي ودينامية البحث العلمي، بحسب تعبيره.
وحذر الونخاري من أن “خطورة هذا الوضع لا تكمن فقط في ترتيب متأخر، بل في ما ينتجه من آثار تراكمية تُضعف الثقة في الجامعة وتحدّ من قدرتها على الإسهام في التنمية، وتفرغ خطاب ‘مجتمع المعرفة’ من مضمونه الفعلي”.
وشدد على أن هذا التصنيف ينبغي أن يُقرأ باعتباره تنبيهًا جديًا إلى ضرورة إرساء استقلالية جامعية حقيقية، تُحرّر الفعل الأكاديمي من كل أشكال التقييد غير العلمي، وتعيد للجامعة مكانتها كفضاء حر لإنتاج المعرفة وتكوين العقول القادرة على النقد والبناء”.
ومن أبرز خلاصات التقرير التأكيد على أن استقلالية الجامعات تشكل عنصرًا حاسمًا في حماية الحرية الأكاديمية. فكلما تمتعت المؤسسات الجامعية بقدرة أكبر على تسيير شؤونها بعيدًا عن التدخلات الخارجية، تحسنت ظروف البحث والتدريس وحرية التعبير.
وفي هذا السياق، يحذر التقرير من أن ضعف الاستقلالية قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية أو إدارية تؤثر بشكل غير مباشر على عمل الباحثين والأساتذة.
ضغوط على الباحثين
من جهته، أوضح محمد الناجي، الأستاذ الجامعي والباحث في الفلاحة والصيد البحري، أن واقع الحرية الأكاديمية في المغرب “يختلف من مجال إلى آخر، حسب طبيعة التخصص ومدى ارتباطه بقضايا معينة”.
وأشار الناجي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إلى أن العلوم الإنسانية والاقتصادية، على سبيل المثال، قد تواجه قيودًا أكبر عندما تتناول مواضيع نقدية، مضيفًا أن “إنجاز دراسة أكاديمية حول فشل برنامج عمومي، كبرنامج قد يؤثر على الأمن الغذائي، قد يضع الباحث في وضعية حساسة، وهو ما يجعل كثيرين يتجنبون الخوض في مثل هذه المواضيع”.
كما لفت إلى وجود صعوبات في الولوج إلى المعطيات، خاصة في بعض القطاعات، موضحًا أن “الدراسات المرتبطة بالصيد البحري، التي تنتقد السياسات الرسمية، غالبًا ما تصطدم بضغوط وعدم توفير البيانات”. وفي حال الإصرار على هذا النوع من الأبحاث، “قد يجد الباحث نفسه غير مرحب به من طرف الجهات المعنية”.
وأضاف أن الدراسات النقدية، سواء في مجال الصيد البحري أو الفلاحة، بما في ذلك المرتبطة بمخطط المغرب الأخضر “تظل قليلة جدًا، وغالبًا ما تبقى حبيسة الرفوف داخل المؤسسات الجامعية، دون أن يتم التعريف بها أو الاستفادة منها”.
وأكد الناجي أن الحرية الأكاديمية لا يمكن فصلها عن حرية التعبير بشكل عام، مبرزًا أن “أي تقييد لحرية التعبير في المجتمع ينعكس بشكل مباشر على الجامعة”.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن بعض الأساتذة يمارسون نوعًا من الرقابة الذاتية، خوفًا من فقدان امتيازات أو التعرض لمشاكل، وهو ما يدفعهم إلى تجنب المواضيع الحساسة”.
كما سجل وجود تفاوت بين الأساتذة، موضحًا أن الأساتذة السابقين كان لديهم تكوين سياسي أو نقابي فكانوا أكثر جرأة، بينما يفضل آخرون اليوم الابتعاد عن كل ما قد يهدد استقرارهم المهني، بحثًا عن الأمان المادي.
ولفت إلى ضعف حضور الأساتذة في النقاش العمومي، قائلاً إن “عدد الذين يشاركون في النقاش العام يظل محدودًا، وغالبًا ما تظل نفس الأسماء حاضرة، في حين يغيب الجيل الجديد عن التعبير والمساهمة”.
وأشار التقرير إلى أن الحرية الأكاديمية تشهد تراجعًا على المستوى العالمي، إذ انخفضت في 50 دولة خلال الفترة ما بين 2015 و2025، مقابل تحسن في 9 دول فقط.
وأبرز أن هذا المنحى التنازلي بدأ منذ حوالي عام 2012، متأثرًا أساسًا بتراجعات مسجلة في آسيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وجاءت كل من التشيك وإستونيا وبلجيكا في المراكز الثلاثة الأولى؛ فيما تذيلت ميانمار ونيكاراغوا القائمة. وعلى المستوى العربي، يتأخر المغرب عن دول مثل لبنان والعراق وتونس والصومال، في حين يتقدم على دول أخرى من بينها الجزائر والإمارات والسودان وسوريا والأردن ومصر.