بوعدي وافق.. بوعدي رفض
ما الذي يجعل جزءا من جمهور المنتخب الوطني، غاضبا من موهبة كروية ما من أبناء الجالية، متردد في تمثيل المغرب ؟
في الأمر مزيج من الإتهام بالإنتهازية وتغليب المصلحة الشخصية، وأيضا من ضعف الحس الوطني وعدم حب “البلاد”، وحتى من التعالي و”التعفار”.
لكن النظر بواقعية وموضوعية لهذا الأمر والإحاطة به من كل جوانبه الإجتماعية والإقتصادية والثقافة، سنكتشف أننا نمارس الكثير من الظلم والحيف في حق هؤلاء “الوليدات”.
نعيش خلال هذه الأيام على إيقاع تجدد قضية الإختيار الذي يصعب على أبنائنا المزدادين في الخارج، في شخص الفتى الواعد لاعب نادي ليل الفرنسي أيوب بوعدي، والكثير من الأخبار المتسربة بخصوصهما تفيد بمحاولات متكررة للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم من أجل إقناعه للإلتحاق بالمنتخب الوطني، فيما هو متردد بين بلد الازدياد والمنشأ، وبلد الأجداد والأصول.
عشنا نفس السيناريو مع ابرهيم دياز وإلياس أخوماش وآدم ماسينا وعبد الصمد الزلزولي، ونائل العيناوي وآخرون، التحقوا بالمغرب بعد رفض وتردد، فيما آخرون رفضوا منذ البداية وحسموا خيارهم لصالح البلد الذي ازدادوا فيه وتعلموا الكرة ونشؤوا واكتسبوا لغته وثقافته، على رأسهم لامين يامال، ابراهيم أفلاي، خالد بولحروز، عادل رامي ولائحة الرافضين طويلة.
نحن ننظر للأمر من زاوية عاطفية ووطنية حادة، عندما يبدو على موهبة مغربية في مقتبل العمر، بعض التردد في حسم اختياره الدولي، خصوصا عندما تكثر الضغوط من بلد المنشأ والأصول معا، ونبدأ في إطلاق رصاص الإتهامات، وقد يلجأ البعض منا إلى السب والشتم وإلصاق أوصاف التكبر والتعالي وعدم حب “البلاد” في حين أن أولئك الأولاد “عالم بيهوم غير الله”.
بحكم معرفة شخصية قريبة بكيفية تفكير أبناء المهاجرين المغاربة، الموهوبين والواعدين في كرة القدم (أو أي رياضة احترافية أخرى) سأشرح معطى نفسي في غاية الأهمية ربما قد يساعد على فهم ترددهم وحيرتهم عندما يتلقون في نفس الوقت عرضين من بلد المنشأ ومن بلد الأصول.
لنأخذ مثلا أي شاب واعد و”كوايري” في سن 18-20 سنة ولد ونشأ وتعلم كرة القدم في الرباط أو الدار البيضاء أو طنجة أو أگادير، ويلعب في ناد مغربي وتدرج في جميع المنتخبات الوطنية، ويعرف أن له حظوظا وافرة في أن يلعب في المنتخب الأول، ويصبح نجما كبيرا، ويجمع ثروة من كرة القدم له ولعائلته، هل إذا أتيت لهذا الشاب بعرض للعب في منتخب الكاميرون أو السنغال أو جنوب إفريقيا مثلا، هل سيوافق أم سيرفض؟ وإذا وافق بضغط وتأثير من أسرته، هل سيوافق على الفور ؟ كذلك يقع لأبناء الموهوبين الذين ازدادوا وتربوا في بلاد لم يعرفوا أخرى غيرها.
عندما يوضع أمام اللاعبين المحترفين مزدوجي الجنسية عرضين للإنتماء الدولي، فهم يكونون أمام اختيار مهني حاسم، سيحدد مستقبلهم ورزقهم ومصيرهم في هذه الحياة، وليس (كما يتصور الكثيرون منا) أن الأمر يتعلق فقط بالوطنية وحب البلاد والدفاع عن قميصه وباقي الشعارات المغرقة في المثالية.
أولادنا الموهوبين كرويا نعم نحن في حاجة إليهم، لكن يجب علينا أن نفهم عقليتهم وهواجسهم وصراع الهويتين داخل شخصيتهم، فالذي عرضنا عليه تمثيل بلد آبائه وآجداده، وقبِل المجيء، ولو تردد وتأخر، فمرحبا به، ومن رفض وفضل بلد الإزياد والمنشأ، فلا يسعنا سوى احترام اختياره، وأن ندعو له بالدعاء المغربي الجميل “سير الله يسهل عليك”.