story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حقوق وحريات |

قضاة وحقوقيون يدعون إلى تيسير ولوج النساء إلى العدالة وتعزيز بيئة قضائية خالية من التمييز

ص ص

أجمع قضاة وحقوقيون وبرلمانيون على أن حماية حقوق النساء والفتيات بالمغرب لم تعد تقتصر على تجويد النصوص القانونية فحسب، بل أصبحت تتوقف بالأساس على مدى قدرة المنظومة القضائية على تيسير الولوج الفعلي إلى العدالة، من خلال تبسيط المساطر، وتطوير الرقمنة، وضمان بيئة قضائية آمنة وخالية من التمييز.

جاء ذلك خلال لقاء وطني نظمه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، يوم الأربعاء 11 مارس 2025 بالرباط، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، والذي شكل محطة حقوقية لمساءلة نجاعة المنظومة القضائية المغربية في ضمان الإنصاف للنساء والفتيات.

وقد ركز المشاركون على ضرورة جسر الهوة بين الترسانة القانونية وبين الواقع الاجتماعي المثقل بالعوائق الإجرائية والثقافية.

في هذا الصدد، أكدت الأستاذة الجامعية، والنائبة البرلمانية وعضوة لجنة العدل والتشريع، مليكة الزخنيني، أن تحقيق “العدالة المنصفة” لا يقتصر على وجود النصوص القانونية، بل يتطلب قدرة القانون على إحداث تحول اجتماعي حقيقي وتمكين النساء والفتيات من الوصول الفعلي إلى حقوقهن.

وأشارت الزخنيني، خلال اللقاء الذي حمل عنوان “العدالة المنصفة: مسارات في أفق ولوج النساء والفتيات للعدالة”، إلى أن الالتزام بالعدالة والمساواة يجب أن يكون راسخًا في النظام وفي المجتمع، مشددة على أن العدالة المنصفة ينبغي أن تكون قادرة على ضمان الإنصاف للنساء والفتيات، وتمكينهن من المطالبة بحقوقهن والحصول على الانتصاف عند المس بها.

وتناولت النائبة البرلمانية عدة ملاحظات أساسية حول واقع المساواة في المغرب، مشيرة إلى أن المرأة تاريخيًا وثقافيًا “عانت من التمييز والتهميش، حيث تمارس ضدها أفعال عدة بسبب كونها أنثى”، لافتة إلى أن هذه الممارسات لا تتوازن دائمًا مع القوانين الوطنية، بل تبقى مرتبطة بعوامل ثقافية واجتماعية.

وقالت المتحدثة إن البناءات القانونية في المغرب هي نتاج علاقات السلطة داخل المجتمع، وتتأثر بتحولات هذه العلاقات سواء كانت أزمات أو فرصًا، مثل الحروب والانتصارات والتغيرات المناخية والهجرة أو الأوبئة، ما يجعل تطبيق القانون مرتبطًا بتحولات المجتمع.

وأضافت: “البناءات القانونية ليست جامدة، بل هي نتاج تجربة مجتمعية متغيرة”، مشيرة إلى أن القانون يمكن أن يسهم في الإصلاح الاجتماعي، لكنه يحتاج إلى دعم اجتماعي وثقافي لتحقيق تأثير فعلي.

وأكدت الزخنيني أن الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الاجتماعية والمؤسساتية لا تزال قائمة، خاصة في القوانين التي تهدف إلى إصلاح واقع المساواة بين الجنسين.

وأوضحت أن هناك حالتين رئيسيتين: الأولى حين يترجم القانون الواقع الاجتماعي، فلا توجد فجوة بين النص والممارسة؛ والثانية حين ينشئ القانون واقعًا جديدًا ويقود إصلاحًا محددًا، وفي هذه الحالة قد تواجه النصوص مقاومة اجتماعية وانقسامًا في التطبيق.

ولفتت إلى أن هذه الممانعات الذاتية والجماعية تتطلب وقتًا طويلًا للتطبيع، مشيرة إلى أن الكثيرين ما زالوا يميلون إلى التراتبية التقليدية في السلطة، حيث يُنظر إلى الرجل كمسؤول عن الفضاء العام، فيما تُحصر المرأة في الفضاء الخاص.

وأضافت المسؤولة البرلمانية أن التشريع الفعال يمكن أن يسرّع التحول الاجتماعي بدل انتظار الديناميات الاجتماعية التي قد تستغرق قرونًا، مؤكدة أن الإصلاح القانوني قادر على تحقيق تقدم ملموس خلال سنوات قليلة.

وأكدت الزخنيني أن القانون يلعب دورًا أساسيًا في تسهيل الوصول إلى العدالة، خصوصًا للنساء في وضعيات الهشاشة، مشيرة إلى أن ترك الحقوق مثل التعليم والعمل والملكية الاقتصادية للديناميات الاجتماعية وحدها سيؤخر وصول النساء إلى العدالة. وتابعت: “تمكين النساء من الوصول إلى العدالة هو مدخل أساسي لتعزيز حقوقهن وحمايتهن، ويعتبر شرطًا لتحقيق المساواة الشاملة في المجتمع”.

وأشارت الأستاذة الجامعية إلى أربع معوقات رئيسية تواجه النساء عند السعي للوصول إلى العدالة. أولها مسارات التقاضي المعقدة وغير المعروفة، والتي لا تتاح لجميع النساء بنفس القدر. ثانيها بنية الاستقبال داخل المؤسسات القضائية، حيث يجب أن يكون المتلقي للبلاغات واعيًا بأن المرأة تمارس حقها في التبليغ، وليس أنها مذنبة، بما يضمن شعورها بالأمان عند اللجوء إلى القضاء.

أما ثالثها فيتعلق بشروط الحماية، إذ ينبغي أن تتوفر للمرأة حماية كاملة داخل المؤسسة القضائية وخارجها لتفادي أي تهديد أو مساس بحقوقها. بينما يرتبط العائق الرابع بتكلفة التقاضي، التي تشكل حاجزًا كبيرًا أمام العديد من النساء بسبب ارتفاع تكاليف الخدمات القانونية وصعوبة الوصول إلى المرافق القضائية.

من جانبها، عرضت لطيفة توفيق، مديرة قطب الشؤون القضائية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، التدابير الإجرائية التي تم اتخاذها لتجويد مسارات التقاضي.

وأبرزت أن “ورش الرقمنة” وتعميم التبليغ عبر البطاقة الوطنية، إلى جانب تحديد “الآجال الاسترشادية”، تمثل آليات تقنية تهدف إلى الحد من بطء العدالة وتحسين تجربة المتقاضيات.

كما توقفت عند مسألة “التيسير اللغوي” باعتبارها حقًا مكفولًا للنساء المتحدثات بالأمازيغية أو اللهجات المحلية، مؤكدة أن مأسسة “خلايا التكفل” داخل المحاكم، ودعم مكاتب المساعدة الاجتماعية، يشكلان خطوات عملية لتعزيز الحماية والمواكبة وتبسيط المساطر.

من جهته، اعتبر محمد شبيب، رئيس شعبة الفئات الخاصة برئاسة النيابة العامة، أن الإجراءات المسطرية بطبيعتها تتسم بالتعقيد، ليس في المغرب فحسب بل على المستوى العالمي، ما يفرض العمل على “تيسير المساطر” حتى تصبح في خدمة المواطنات والمواطنين.

وأوضح أن هناك أربعة أنواع من العوائق تواجه النساء في الولوج إلى العدالة، تشمل عوائق اجتماعية مرتبطة بالعادات والتقاليد، وأخرى قانونية مرتبطة بتعقيد المساطر وتعدد المتدخلين، إضافة إلى عوائق نفسية مرتبطة بالخوف من “العنف المؤسساتي” أو الأحكام المسبقة أثناء التبليغ أو الاستماع، فضلاً عن عوائق مجالية وسياسية.

وأكد أن استراتيجية رئاسة النيابة العامة تقوم على تعزيز “العدالة المنصفة”، مشددًا على أن حسن الاستقبال لا يجب أن يكون مجرد إجراء شكلي، بل ينبغي أن يراعي خصوصية المرأة والنوع الاجتماعي لضمان شعور المتقاضية بالأمان والكرامة منذ اللحظة الأولى لدخولها المحكمة.

وأشار المتحدث إلى أهمية إشعار المرأة بمآل شكايتها وإجراءاتها، مبرزًا اعتماد نظام رقمي يتيح تتبع الملفات عبر الرسائل النصية القصيرة “SMS”، بما يخفف من شعور الانتظار والانعزال لدى المتقاضيات.

أما المختار الهراس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط، فأكد أن مسألة الوصول إلى العدالة تواجه تحديات متعددة مرتبطة بالعوائق الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تحول دون ولوج النساء إلى القضاء.

وأوضح أن مفهوم “الوصول إلى العدالة” لا يقتصر على الولوج إلى المحكمة والإجراءات القانونية، بل يشمل أيضًا الوصول إلى نتائج عادلة ومنصفة للنساء.

كما حذر الأستاذ الجامعي من تأثير “تنميط الجندر” داخل بعض الممارسات القضائية، موضحًا أن هذا التنميط قد يؤدي إلى إصدار أحكام استنادًا إلى تصورات مسبقة حول أدوار النساء والرجال، بدل الاعتماد على الوقائع الخاصة بكل قضية.

وخلص المختار الهراس إلى أن هذه التصورات المسبقة قد تؤثر سلبًا على العدالة، وتحد من قدرة القضاء على تحقيق الإنصاف، داعيًا إلى إجراء دراسات معمقة لفهم أثر هذه الصور النمطية على الأحكام القضائية والممارسات القانونية في المغرب.