قبل مواجهة البرازيل.. كيف تحول المغرب إلى خصم يحسب له الحساب في كرة القدم العالمية؟
لم تكن التصريحات خلال الندوة الصحافية التي سبقت مواجهة المغرب والبرازيل، المقررة اليوم السبت 14 يونيو 2026 برسم الجولة الأولى من منافسات المجموعة الثالثة لكأس العالم، مجرد كلمات تقال عشية مباراة كبيرة، و إنما عكست في جانب منها التحول الذي عرفته مكانة المنتخب المغربي داخل كرة القدم العالمية خلال السنوات الأخيرة.
ففي الوقت الذي وصف فيه مدرب المنتخب البرازيلي كارلو أنشيلوتي المنتخب المغربي بأنه من بين أكثر المنتخبات تنافسية على الساحة الدولية، مؤكدا أن مواجهته ستكون “اختبارا حقيقيا” للبرازيل، شدد الناخب الوطني محمد وهبي على أن المغرب لم يعد المنتخب نفسه الذي كان عليه قبل سنوات، وأن لاعبيه يدخلون المباراة بعزم واضح على تحقيق الفوز.
وعادة ما تندرج التصريحات التي تسبق المباريات الكبرى ضمن خانة المجاملات “الدبلوماسية” التي يحرص المدربون على تبادلها، غير أن السياق الذي جاءت فيه تصريحات الرجلين يمنحها دلالات أبعد من مجرد الاحترام المتبادل، لأنها تعكس تغيرا في نظرة المنافسين إلى المغرب من جهة، وتحولا في سقف طموح المنتخب المغربي من جهة أخرى.
فحين يتحدث مدرب يقود المنتخب الأكثر تتويجا بكأس العالم عن ضرورة التحضير الجيد لمواجهة المغرب، وحين يتحدث مدرب المنتخب المغربي عن الفوز على البرازيل باعتباره هدفا مشروعا، فإن الأمر يعكس مسارا من التراكمات والنتائج جعل “أسود الأطلس” ينتقلون من خانة المنتخبات الباحثة عن المفاجأة إلى خانة المنتخبات التي تفرض الاحترام والحذر.
من إنجاز قطر إلى فوز طنجة
ويصعب فهم هذا التحول دون العودة إلى مونديال قطر 2022، الذي شكل محطة فارقة في تاريخ الكرة المغربية ، إذ في تلك البطولة أصبح المغرب أول منتخب إفريقي وعربي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، بعد تصدره مجموعته التي ضمت كرواتيا وبلجيكا وكندا، ثم إقصائه إسبانيا بركلات الترجيح والبرتغال بهدف دون رد، قبل إنهاء المنافسات في المركز الرابع عالميا.
ولم يكن الإنجاز التاريخي مقتصرا على بلوغ نصف النهائي فقط، حيث ارتبط أيضا بالأداء الدفاعي اللافت للمنتخب المغربي، الذي استقبل هدفا واحدا فقط خلال مبارياته الخمس الأولى وكان هدفا عكسيا سجله المدافع نايف أكرد بالخطأ في مرماه أمام كندا، قبل أن تهتز شباكه أمام فرنسا في نصف النهائي.
وقد جعل هذا الرقم المنتخب المغربي محط إشادة واسعة من وسائل الإعلام العالمية والصحف الرياضية الأجنبية التي تحدثت آنذاك عن أحد أبرز إنجازات القارة الإفريقية في تاريخ المونديال.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد ينظر غلى المغرب في المسابقات الكروية الدولية باعتباره منتخبا طموحا يسعى إلى صناعة المفاجأة، ولكن باعتباره منتخبا قادرا على مقارعة كبار اللعبة وبلوغ الأدوار المتقدمة في أكبر التظاهرات الكروية.
وبين مونديال المكسيك سنة 1986، الذي بلغ فيه المغرب ثمن النهائي كأول منتخب إفريقي وعربي يحقق هذا الإنجاز، ومونديال قطر 2022 الذي شهد وصوله إلى نصف النهائي، مرت 36 سنة من المحاولات والإخفاقات والتعثرات، لذلك ينظر كثير من المتابعين إلى أن ما تحقق في قطر يعد تتويجا لمسار طويل من التطور الكروي.
وتعزز هذا التحول في 25 مارس 2023 عندما فاز المنتخب المغربي على البرازيل بهدفين مقابل هدف واحد على أرضية الملعب الكبير بطنجة، في مواجهة ودية جمعت المنتخبين بعد مونديال قطر.
وسجل سفيان بوفال الهدف الأول في الدقيقة 29 بعد تمريرة من بلال الخنوس، قبل أن يدرك كاسيميرو التعادل للبرازيل في الدقيقة 67 إثر كرة لم يحسن ياسين بونو التعامل معها، فيما منح عبد الحميد الصابيري الفوز للمغرب بهدف ثان في الدقيقة 79 وسط حضور جماهيري غفير ملأ مدرجات الملعب.
ورغم الطابع الودي للمباراة، فقد اعتبرت نتيجتها آنذاك مؤشرا إضافيا على أن ما حققه المغرب في قطر لم يكن مجرد لحظة استثنائية فرضتها ظروف بطولة واحدة، بل نتيجة مسار رياضي بدأ يفرض نفسه على أرض الواقع.
مشروع يتجاوز المنتخب الأول
ولم يقتصر هذا الصعود على المنتخب الأول فقط، إذ واصلت المنتخبات الوطنية تحقيق نتائج لافتة خلال السنوات الأخيرة، ففي أولمبياد باريس 2024 أحرز المنتخب الأولمبي الميدالية البرونزية بعد فوزه على مصر بستة أهداف دون رد في مباراة الترتيب، محققا أول ميدالية أولمبية في تاريخ كرة القدم المغربية والعربية.
كما تزامنت هذه النتائج مع صعود جيل من اللاعبين المغاربة الذين يمارسون في أعلى المستويات الأوروبية، يتقدمهم أشرف حكيمي الذي رسخ مكانته بين أبرز الأظهرة في العالم مع باريس سان جيرمان، إلى جانب عدد من اللاعبين الحاضرين في بطولات إنجلترا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، ما منح المنتخب المغربي خبرة تنافسية غير مسبوقة.
ولم يأت هذا التطور من فراغ، إذ ارتبط باستثمارات كبيرة في البنية التحتية الرياضية والتكوين، تتقدمها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز مراكز التكوين والإعداد الرياضي في القارة الإفريقية، كما ساهمت في توفير ظروف عمل أكثر استقرارا للمنتخبات الوطنية.
وتعززت هذه الدينامية مع تزايد الحضور المغربي داخل الأجندة الكروية الدولية، سواء من خلال احتضان المملكة لكأس إفريقيا للأمم 2025 أو عبر الاستعداد للمشاركة في تنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، في أول نسخة من المونديال تحتضنها القارة الإفريقية منذ جنوب إفريقيا 2010.
أنشيلوتي ووهبي.. اعتراف دولي
وفي هذا السياق تبدو تصريحات كارلو أنشيلوتي أكثر قابلية للفهم، بحيث أن المدرب الإيطالي لم يتحدث عن الحماس أو الروح القتالية فقط، وإنما ركز على جودة اللاعبين المغاربة وعلى المستويات المرتفعة التي يمارسون فيها داخل أكبر الأندية الأوروبية، مؤكدا أن المنتخب البرازيلي سيكون مطالبا بالانضباط الجماعي والتكتيكي للحد من خطورتهم.
ويكتسي هذا الخطاب أهمية خاصة إذا ما استحضرنا أن البرازيل تظل المنتخب الأكثر تتويجا بكأس العالم برصيد خمسة ألقاب، وأنها تدخل كل نسخة ضمن قائمة أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب، ما يجعل اعتبار المغرب “اختبارا حقيقيا” مؤشرا على حجم التقدير الذي بات يحظى به “أسود الأطلس” داخل الخريطة الكروية العالمية.
في المقابل، تعكس تصريحات الإطار الوطني محمد وهبي تحولا موازيا في نظرة المنتخب المغربي إلى نفسه، بحيث أن احترام البرازيل في نظره أصبح مقترنا بطموح واضح يتمثل في تحقيق الفوز ومنافسة أكبر المنتخبات العالمية على قدم المساواة.
ولذلك شدد الناخب الوطني على أن المغرب أصبح في وضع مختلف عما كان عليه في السابق، وأن عليه أن يكون في مستوى المكانة التي بات يحتلها داخل كرة القدم العالمية، وهي رسالة تعكس حجم الثقة التي راكمها المنتخب بعد سنوات من النتائج الإيجابية والتطور المستمر.
واليوم بعد أربع سنوات من الإنجاز التاريخي في قطر، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام اختبار جديد لقياس مدى قدرته على مجاراة كبار اللعبة في أكبر المحافل الدولية.
وبين منتخب برازيلي يسعى لتأكيد مكانته كأحد أبرز المرشحين للقب، ومنتخب مغربي يبحث عن بداية قوية في المونديال بطموح يتجاوز مونديال قطر 2022، ستكون أرضية ملعب نيويورك-نيوجيرسي مسرحا لفصل جديد من مسار كروي جعل العالم ينظر إلى “أسود الأطلس” بعين مختلفة.