نسور مالي.. قوة بلا تتويجات ودولة تتقاطع فوقها الأطماع والانقلابات
في مستهل مشواره ضمن نهائيات كأس إفريقيا للأمم 2025 لكرة القدم التي يستضيفها المغرب، سيواجه المنتخب الوطني منتخب مالي، أول منافسيه في المجموعة التي تضم أيضا زامبيا وجزر القمر.
مواجهة لها وزنها، ليس فقط لكون “نسور مالي” من المنتخبات المعتادة على المنافسة القارية، بل لأن خلف هذه الدولة الممتدة على آلاف الكيلومترات من الصحراء والسافانا، تاريخا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا شديد التعقيد، يجعل فهمه جزءا من فهم خصم المغرب على المستطيل الأخضر.
نسور مالي.. قوة كروية بلا تتويجات
تحتل كرة القدم مكانة مركزية في الحياة العامة لمالي، بحيث تحظى اللعبة بقاعدة جماهيرية واسعة ويظهر الشعب حماسه الكبير لها، رغم غياب التتويجات القارية. فحتى الآن، لم يتوّج المنتخب المالي، المعروف باسم “النسور”، بلقب كأس أمم إفريقيا، رغم مشاركاته المتعددة في البطولة.
ويطلق على منتخب مالى لقب “النسور” اشتقاقا من رمز الدولة المتمثل في النسر، وما يمثله هذا الطائر من أهمية في الأساطير الخاصة بشعب مالي، حيث يجسد القوة والسرعة في الانقضاض على الطرائد، لتحقيق الهدف المنشود.
كانت أول مشاركة للمنتخب المالي في نهائيات كأس إفريقيا عام 1972، التي احتضنتها الكاميرون، وبرز خلالها بشكل لافت حين وصل إلى المباراة النهائية، قبل أن ينهزم أمام منتخب جمهورية الكونغو، وتُعد هذه النتيجة أفضل ما حققه المنتخب المالي في تاريخه القاري حتى اليوم.
منذ تلك المشاركة، شارك المنتخب المالي في كأس الأمم الإفريقية 13 مرة حتى عام 2023، وقد أظهر خلال معظمها قدرات كبيرة، ما أكسبه لقب “الحصان الأسود” في القارة، إذ يمكنه دائما إحداث مفاجآت أمام المنتخبات الكبرى، كما تمكن من احتلال المركز الثالث أربع مرات في الأعوام 1994، 2002، 2012، و2013.
أما بخصوص تاريخ مواجهاته مع المغرب، فقد واجه المنتخب المالي “أسود الأطلس” في 20 مناسبة، وقد كان التفوق للمنتخب المغربي الذي استطاع أن يفوز في 9 مباريات، في المقابل تمكن المنتخب المالي من الفوز في 6 مقابلات، بينما تعادل المنتخبان في 5 مواجهات.
ويُذكر أن الاتحاد المالي لكرة القدم تأسس عام 1960 بعد استقلال البلاد عن فرنسا، وهو المسؤول عن تنظيم الدوري المحلي وإعداد المنتخب الوطني. وقد سبق لمالي أن استضافت البطولة القارية مرة واحدة، وكان ذلك سنة 2002.
مملكة الذهب
تقع جمهورية مالي، وعاصمتها باماكو، في غرب أفريقيا، وتحدها شمالا الجزائر، وشرقا النيجر، وجنوبا النيجر وبوركينا فاسو وكوت ديفوار وغينيا، وغربا السنغال وموريتانيا، كما تمتد على مساحة 1.240.192 كيلومتر مربع، ما يجعلها واحدة من أكبر الدول في غرب أفريقيا من حيث المساحة.
كانت دولة مالي مستعمرة فرنسية منذ أواخر القرن التاسع عشر، إلى أن نالت استقلالها في 22 من شتنبر 1960، وبعد الاستقلال، ورثت مالي اللغة الفرنسية كلغة رسمية، إلى جانب العديد من اللغات المحلية الأخرى، أبرزها بامبارا وبيول ودوغون والسونيكي ومالينك ودجرما ومينيانكا وتماشيق وسينوفو، إضافة إلى لغات أخرى.
تتميز مالي بموارد طبيعية هامة ومتنوعة، إذ تعد رابع أكبر مصدّر للذهب في إفريقيا، وقد عرف إنتاجها من الذهب صعودا لافتا خلال العقد الماضي، ليصل إلى ذروته خلال 2020 حينما بلغ قرابة 65 طنا، كما أنها تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والمنغنيز واليورانيوم والليثيوم.
ولا تقتصر أهمية الموارد على المعادن فحسب، بل تلعب الزراعة دورا أساسيا في الاقتصاد الوطني للبلاد، حيث يُعتبر القطن المحصول النقدي الأبرز، كما يعتمد جزء كبير من السكان أيضا على الزراعة التقليدية وتربية الماشية والصيد.
ورغم الثروات الطبيعية الهائلة التي تتمتع بها مالي، والتي أكسبتها لقب مملكة الذهب، إلا أن البلاد تصنف من بين أفقر الدول في العالم، ويُعزى ذلك إلى التوترات السياسية والأمنية المستمرة في بعض المناطق الشمالية والشرقية، والانقلابات العسكرية المتكررة، إلى جانب ضعف البنية التحتية وضعف الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية.
وتواجه مالي مشكلة البعد الجغرافي عن السواحل إذ تُعد دولة حبيسة تعتمد كليا على موانئ الدول المجاورة مثل السنغال وساحل العاج لتأمين تجارتها الخارجية، وهو ما يرفع تكاليف النقل ويضعف تنافسية صادراتها، كما تعاني مناطق واسعة من تقلبات مناخية شديدة أبرزها الجفاف والتصحر، ما يؤثر على الإنتاج الزراعي الذي يعتمد عليه أغلب السكان.
ورغم أهمية الذهب والقطن إلا أن مالي لم تتمكن من بناء صناعة تحويلية قوية تكمل سلسلة الإنتاج، كما أن جزءاً كبيراً من عمليات استخراج الذهب يتم عبر شركات أجنبية لا ينعكس مردودها بشكل كافٍ على الاقتصاد المحلي، ويفاقم الوضع غياب الاستقرار الأمني الذي يجعل المستثمرين يفضلون بلداناً أكثر استقراراً في غرب إفريقيا.
كما أن مالي تظل ساحة لتقاطع الأطماع الداخلية والخارجية، إذ تتنافس القوى الإقليمية والدولية على الاستفادة من مواردها الغنية، خاصة الذهب واليورانيوم، وتتجلى الأطماع الخارجية في شكل تدخلات عسكرية واقتصادية، أبرزها النفوذ الفرنسي الذي يسعى للحفاظ على مصالحه التاريخية في المنطقة، والتواجد الروسي الذي ارتبط بعقود عسكرية وعلاقات مع بعض الجماعات المسلحة، إضافة إلى حضور استثماري صيني وأوروبي في قطاع التعدين والبنية التحتية.
سجل انقلابات يمتد منذ الاستقلال
منذ استقلالها عام 1960، دخلت مالي مرحلة من التجاذبات السياسية والاقتصادية الصعبة، فقد حاول الرئيس موديبو كيتا بناء دولة ذات توجه اشتراكي متحالف مع الاتحاد السوفياتي والصين، ورفع شعارات الوحدة الإفريقية ومناهضة الاستعمار، لكن هذا التوجه ترافق مع توترات داخلية أبرزها تمرد الطوارق سنة 1961، الذي واجهته السلطة بقمع شديد أدى إلى موجات نزوح واسعة نحو دول الجوار.
ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وتزايد الاستبداد السياسي، جاءت أول محطة في سلسلة الانقلابات، ففي 19 نونبر 1968 أطاح الملازم موسى تراوري بالرئيس كيتا، قبل أن يؤسس نظامًا شديد المركزية يقوم على الحزب الواحد، وبرغم وعوده بإعادة البلاد إلى الحكم المدني، حكم تراوري مالي بقبضة من حديد طيلة 23 عامًا، تخللتها انتهاكات واسعة وقمع للمعارضة.
في مارس 1991، أدت الاحتجاجات الشعبية ضد تراوري إلى انقلاب قاده الجنرال آمادو توماني توري، منهيا واحدا من أطول أنظمة الحكم العسكري في البلاد.
وعلى عكس أسلافه، أشرف توري على انتقال ديمقراطي أوصل المرشح ألفا عمر كوناري إلى الرئاسة عام 1992، ليصبح أول رئيس منتخب في تاريخ مالي، وبعد ولايتين ناجحتين، عاد توري إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع في انتخابات 2002.
لكن هذه التجربة الديمقراطية لم تدم طويلا، إذ أطاح انقلاب عسكري جديد في مارس 2012 بالرئيس آمادو توماني توري، بقيادة الرائد أمادو هايا سانوغو، في ظل تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد، وسرعان ما استغلت الحركة الوطنية لتحرير أزواد الانقلاب لتعلن استقلال الإقليم، قبل أن تسيطر الجماعات الجهادية على أجزاء واسعة منه.
هذا الانهيار الأمني دفع فرنسا إلى التدخل عسكريا، وفتح الباب أمام انتخابات 2013 التي أوصلت إبراهيم بوبكر كيتا إلى السلطة.
وواجهت البلاد في عهد كيتا أزمات متلاحقة واتهامات بالفساد وسوء الإدارة، مما أدى إلى انقلاب آخر في 18 غشت 2020 بقيادة آسيمي غويتا، وبعد تشكيل مرحلة انتقالية عُيّن فيها باه نداو رئيسًا، أطاح غويتا به هو الآخر في انقلاب جديد يوم 25 ماي 2021،
ومنذ ذلك الحين، ومالي تحت حكم أسيمي غويتا، وفي صيف 2025، صادق برلمان “المرحلة الانتقالية” الذي عيّنه المجلس العسكري على قانون يمنح غويتا رئاسة الجمهورية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، دون انتخابات.
وفي ماي 2025، أعلنت السلطات حلّ جميع الأحزاب السياسية وتعليق أنشطتها لأسباب تتعلق بالنظام العام، ما أثار غضبا داخليا واسعا وموجة احتجاجات في العاصمة، فيما تواصل جماعات مسلحة وجهادية استغلال هشاشة الأمن في شمال البلاد ووسطها.
مالي.. الدولة المسلمة
وفيما يخص سكان مالي، فقد بلغ تعدادهم نحو 24.5 مليون نسمة وفق تقديرات سنة 2024، بعدما كان العدد حوالي 23.7 مليوناً في 2023، وقرابة 23.07 مليوناً في 2022.
ويتميز المجتمع المالي بتنوعه العرقي، حيث يشكل الماندي حوالي 50% من السكان، والبيول نحو 17%، فيما تبلغ نسبة الفولتاليك 12%، والسنغاي 6%، إضافة إلى حوالي 10% من الطوارق والعرب، و5% من مجموعات أخرى.
أما من حيث الانتماء الديني، فيُمثل الإسلام الديانة الرئيسية في البلاد بنسبة تقارب 94.8% من السكان، بينما يشكل المسيحيون نحو 2.4%، وتتوزع النسبة المتبقية بين معتقدات وثنية بنسبة 2%، و0.5% لا دين لهم، و0.3% غير محدد.