هل يتحول التبليغ عن الفساد إلى جريمة؟ تساؤلات حقوقية على خلفية قضية بروفيسور شرقاب
لا تزال قضية البروفيسور رشيد شرقاب وباقي الأطر الطبية في الملف المعروف إعلاميا بـ “اختلالات المركز الاستشفائي ابن رشد” بالدار البيضاء، تثير جدلا حقوقيا واسعا منذ يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، أي تاريخ النطق بالحكم القاضي بإدانتهم واعتقالهم داخل جلسة المحاكمة رغم أنهم كانوا يتمتعون بالسراح المؤقت، وسط مخاوف متزايدة من أن يتحول التبليغ عن الفساد إلى طريق مباشر نحو السجن.
كما أثارت هذه القضية تساؤلات جدية حول مستقبل الحق في التبليغ عن الفساد، ومدى قدرة المنظومة القانونية الراهنة على توفير الحماية الفعلية والحقيقية لمن يستجيبون لدعوات الدولة بالانخراط في محاربة هذه الآفة.
ورغم حق أي شخص في اللجوء للقضاء لحماية سمعته من التشهير، إلا أن التخوف الأكبر، بحسب حقوقيين، يتمثل في غياب ضمان حرية الانتقاد؛ بحيث يتحول مجرد نقد المرافق العامة أو كشف عن عيوبها إلى أفعال تعرض صاحبها للسجن والعقوبات القاسية.
تشيكيطو: “المستفيد الأول هو الفساد”
في هذا السياق، اعتبر عادل تشيكيطو، رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان، أن قضية البروفيسور رشيد شرقاب وباقي الأطر الطبية ترتبط جوهريا بمستقبل الحق في التبليغ عن الفساد داخل المؤسسات العمومية، وبمدى قدرة المنظومة القانونية على توفير الحماية لمن يكشفون الاختلالات.
وأوضح الفاعل الحقوقي، ضمن تصريحه لصحيفة “صوت المغرب”، أنه من حيث المبدأ، لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتحول التبليغ عن شبهات الفساد إلى طريق يفضى بصاحبه إلى السجن، أو أن تصبح المطالبة بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة مغامرة يدفع ثمنها من حريته واستقراره المهني والأسري.
وفي السياق ذاته، أكد تشيكيطو أن الدولة التي تدعو مواطنيها إلى الانخراط في محاربة الفساد تكون مطالبة، قبل كل شيء، بتوفير ضمانات فعلية وحقيقية لحمايتهم عندما يستجيبون لهذه الدعوة.
وبموازاة ذلك، شدد على أنه لا ينازع أي شخص في حقه المشروع باللجوء إلى القضاء لحماية سمعته وكرامته من التشهير، لكنه عبر في المقابل عن رفضه أن تتسع دائرة التجريم لدرجة يصبح معها انتقاد تدبير المرافق العمومية أو كشف اختلالاتها فعلا محفوفا بخطر العقوبات السالبة للحرية.
في غضون ذلك، أضاف المتحدث نفسه، أن الفصل بين التبليغ المشروع والتشهير المتعمد يجب أن يستند دائما إلى أدلة دقيقة ومعايير قانونية واضحة تضمن عدم الخلط بين المفهومين.
وبالعودة إلى قضية البروفيسور شرقاب، التي أثارت قلقا حقوقيا بعد الحكم الابتدائي القاضي في حقه بسنة حبسا نافذا وإيداعه السجن إلى جانب باقي الأطر الطبية في هذا الملف، أبرز المتحدث أن الأخطر من العقوبة نفسها هو أثرها الردعي على الآخرين، حيث قد تدفع الأطباء والموظفين والأطر العمومية إلى الصمت خشية مواجهة المصير ذاته.
ومن هذا المنطلق، خلص رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان إلى أن المستفيد الأول من هذا الوضع ليس القانون ولا المرفق العمومي، وإنما الفساد الذي يجد في الخوف أفضل وسائل حمايته واستمراره، داعيا في نفس الوقت إلى ضمان شروط المحاكمة العادلة، وإعمال حماية المبلغين، والتحقيق الجدي والمستقل في الاختلالات المبلغ عنها.
واختتم تشيكيطو تصريحه بالتأكيد على أن محاربة الفساد لا تستقيم بمنظومة تشجع على التبليغ على مستوى النصوص، ثم تترك المبلغين يواجهون مصيرهم وحدهم أمام المحاكم؛ مشددا على أن الاختبار الحقيقي لدولة القانون يكمن في قدرتها على حماية المواطن الذي يمتلك الشجاعة لكشف الفساد، متى التزم بضوابط التبليغ المشروع.
الغلوسي: تضييق على المبلغين وحماية للمشتبه فيهم
ومن جانبه، تساءل محمد الغلوسي، المحامي بهيئة مراكش ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، عن جدوى تشديد الإجراءات القانونية بحق من يثيرون شبهات الفساد، في وقت تساهم فيه القواعد الجديدة في تقييد تحريك الأبحاث القضائية ضد المتورطين المحتملين في نهب المال العام.
وفي المقابل، أشار الغلوسي إلى أن الأشخاص الذين يبلغون عن شبهات الفساد باتوا يجدون أنفسهم عرضة للمتابعات والأحكام السالبة للحرية، وخير دليل على ذلك، ملف الطبيب رشيد شرقاب، الذي طرق أبواب مؤسسات النيابة العامة بالدار البيضاء ورئاسة النيابة العامة بالرباط للمطالبة بالتحقيق في شبهة اختلالات تدبيرية بالمركز الاستشفائي ابن رشد.
وأوضح الغلوسي أن الطبيب كان يتابع في حالة سراح مؤقت، قبل أن تفاجئ المحكمة الجميع بإصدار أمر باعتقاله فوراوأثناء الجلسة تطبيقا للمادة 392 من قانون المسطرة الجنائية، وهو إجراء وصفه بالمقلق لما له من تداعيات تفاقم فقدان الثقة في المؤسسات.
علاوة على ذلك، انتقد الفاعل الحقوقي المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية، التي اعتبر أنها تحصر تحريك الأبحاث والمتابعات في جرائم المال العام في شرط التوصل بتقارير رسمية صادرة عن جهات محددة ومشفوعة بطلب رسمي.
واعتبر محمد الغلوسي أن هذا الشرط القانوني يكبّل مبادرة النيابة العامة، ويجعل فتح الملفات المرتبطة بحماية المال العام رهينا بمزاجية وجهات محددة تتولى إعداد التقارير وإحالتها.
وفي هذا السياق، طالب بضرورة فتح أبحاث قضائية جدية في مضمون الشكايات التي تقدم البروفيسور رشيد شرقاب مع التحقق من صحة الوقائع والاتهامات التي تتضمنها.
وفي ختام تصريحه، شدد رئيس الجمعية على ضرورة توفير الحماية اللازمة للمبلغين عن الفساد، محذرا من أن استمرار هذا الوضع يكرس اليأس المجتمعي وتراجع الثقة في المؤسسات، داعيا في الوقت ذاته الهيئات الحقوقية والقوى المدنية إلى التحرك العاجل لترتيب المسؤوليات على أساس نتائج الأبحاث الشاملة.
تضامن نقابي ومطالب بفتح تحقيق
طالبت نقابة الاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل بالبراءة لثلاثة من أعضائها، وهم البروفيسور رشيد شرقاب نائب الأمين العام للنقابة، وعضو المكتب التنفيذي، وطبيب أخصائي في الإنعاش والتخدير بالمركز الاستشفائي ابن رشد.
إلى جانب عبد اللطيف صدار، طبيب بالمركز نفسه والكاتب العام للنقابة الديقراطية للصحة، فضلا عن محمد آيت الطالب تقني بالمركز الاستشفائي ابن رشد وعضو نقابي.
ويأتي هذا الطلب إثر متابعتهم على خلفية محاولتهم فضح ما وصفوه بـ “اختلالات” داخل المركز الاستشفائي ابن رشد بالدار البيضاء. وقد حكموا ابتدائيا بأحكام حبسية وغرامة ثقيلة، واعتقلوا داخل الجلسة رغم متابعتهم في حالة سراح مؤقت.
وناشدت النقابة الملك محمد السادس من أجل إعطاء تعليماته لتشكيل لجنة لفتح تحقيق دقيق في هذا الملف، ضمانا لتحقيق محاكمة عادلة ونزيهة، كما يشهد هذا الملف حملة تضامن واسعة النطاق من طرف متابعين ونشطاء، لا سيما مع البروفيسور رشيد شرقاب، وسط مطالب حقوقية ونقابية بتوفير كافة ضمانات المحاكمة العادلة.
أحكام حبسية ثقيلة
يُذكر أن المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء كانت قد قضت بأحكام حبسية نافذة وغرامات مالية في حق أطر طبية ونقابية بارزة، على خلفية فضحهم “لاختلالات” مرتبطة بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، في ملف أثار جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي.
وتوزعت الأحكام التي نطقت بها هيئة المحكمة، يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، في حق كل من عبد اللطيف صدار، الكاتب العام للنقابة الديمقراطية للصحة، الذي أدين بسنتين حبسا نافذا وغرامة نافذة قدرها (5000) درهم، بتهم تتعلق “بانتحال صفة منظمة قانونا، وبث وتوزيع وادعاءات ووقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص والتشهير بهم”.
كما أدانت المحكمة أيضا، رشيد شرقاب، وهو بروفيسور وأستاذ جامعي، بسنة واحدة حبسا نافذا و غرامة مالية قدرها (5000) درهم، بتهم تتعلق بالتشهير وانتحال صفة منظمة قانونا، بالإضافة إلى محمد آيت الطالب، الذي يشتغل تقنيا بنفس المستشفى، بستة أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها (2000) درهم مع الصائر تضامنا، بتهمة تتعلق بانتحال صفة منظمة قانونا.
أما في الشق المدني، فقد أمرت المحكمة بأداء تعويض تضامني قدره مليون درهم لفائدة المجموعة الصحية الترابية الدار البيضاء-سطات ( المركز الاستشفائي ابن رشد بالدار البيضاء سابقا) وهي الجهة المشتكية، إضافة إلى تعويضات أخرى بلغت 450 ألف درهم لفائدة المطالبين بالحق المدني.