مونديال 1994.. حين غيرت أمريكا وجه كرة القدم وكتب باجيو أكثر النهايات قسوة
لم يكن مونديال الولايات المتحدة الأمريكية عام 1994 مجرد بطولة أخرى في سجلات كأس العالم، بل كان لحظة مفصلية نقلت كرة القدم إلى عصر جديد، ووسعت حدود اللعبة نحو فضاء لم يكن يؤمن بها بالشكل التقليدي الذي عرفته أوروبا وأمريكا الجنوبية سابقا.
للمرة الأولى، احتضنت الولايات المتحدة المونديال، حيث كانت كرة القدم حينها في مرتبة متأخرة خلف الرياضات الأمريكية الكبرى، لكنها في العالم كانت أعظم حدث كروي على الكوكب.
وبين الشكوك الأوروبية والانتقادات الواسعة لقرار “الفيفا” حينها، نجحت البطولة في قلب المعادلة، بعدما تحولت الملاعب الأمريكية العملاقة إلى فضاءات مكتظة بالجماهير، في نسخة ما تزال إلى اليوم الأعلى حضورا في تاريخ كأس العالم.
رياضيا، ظهرت البرازيل بصورة مختلفة عن ذلك المنتخب الساحر الذي اعتاد العالم رؤيته، فقد اختار “السيليساو” بقيادة روماريو وبيبيتو ودونغا، أسلوبا أكثر واقعية وصلابة، جمع بين الانضباط الدفاعي والفعالية الهجومية، ليشق طريقه بثبات نحو النهائي.
في المقابل، حمل الإيطالي روبيرتو باجيو منتخب “الأتزوري” فوق كتفيه، بالرغم من الإصابات، تحول النجم الإيطالي إلى بطل قومي بعدما قاد منتخب بلاده بأهداف حاسمة أمام نيجيريا وإسبانيا وبلغاريا، مؤكدا مكانته كأحد أبرز نجوم البطولة.
وفي نهائي “روز بول” الشهير بباسادينا، اصطدمت البرازيل وإيطاليا في مباراة تكتيكية مغلقة طغى عليها الحذر والخوف من ارتكاب الخطأ، ولأول مرة في تاريخ النهائيات، انتهى النهائي بلا أهداف بعد الوقتين الأصلي والإضافي، ليحسم اللقب عبر ضربات الترجيح.
وهناك، كتبت واحدة من أكثر اللحظات مأساوية في تاريخ كرة القدم، حيث تقدم روبيرتو باجيو لتنفيذ الركلة الأخيرة لإيطاليا، وسط صمت رهيب وترقب من العالم بأسره، قبل أن ترتفع كرته فوق العارضة، مانحة البرازيل لقبها العالمي الرابع، ومخلدة صورة باجيو واقفا وحيدا محدقا في السماء، في مشهد تحول إلى رمز لقسوة كرة القدم رغم جمالها.
لكن إرث مونديال العام 1994 تجاوز حدود المستطيل الأخضر، فقد شكلت البطولة الانطلاقة الحقيقية لكرة القدم الحديثة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأسهمت لاحقا في ولادة الدوري الأمريكي للمحترفين MLS، وفتحت الباب أمام انتشار اللعبة في أمريكا الشمالية بشكل غير مسبوق.
كما شهدت البطولة تغييرات تاريخية في قوانين اللعبة، من بينها اعتماد ثلاث نقاط للفوز، وتطبيق قاعدة منع الحارس من التقاط تمريرة زميله، إضافة إلى طباعة أسماء اللاعبين على القمصان لأول مرة في تاريخ المونديال.
ولم تخل النسخة الأمريكية من القصص الدرامية المؤثرة، بداية من سقوط مارادونا في فخ المنشطات وخروجه الحزين الأخير من المسرح العالمي، وصولا إلى مأساة المدافع الكولومبي أندريس إسكوبار، الذي دفع حياته ثمنا لهدف عكسي سجله في مرمى منتخب بلاده، إذ تعرض للاغتيال رميا بـ 6 رصاصات في 2 من يونيو عام 1994 خارج ملهى ليلي في مدينة ميديلين.
جاء ذلك بعد أيام من تسجيله هدفا عكسيا بالخطأ في مرمى منتخب بلاده خلال مباراة كولومبيا والولايات المتحدة بالبطولة العالمية مما تسبب في خروج بلاده من منافسات البطولة.
هكذا وبين درجات الحرارة المرتفعة على الملاعب الأمريكية حينها والحضور الجماهيري التاريخي، والنهاية الأكثر مرارة بالنسبة لروبيرتو باجيو، ظل مونديال العام 1994 بطولة صنعت تحولا عميقا في تاريخ اللعبة، ورسخت فكرة أن كرة القدم قادرة على غزو أي أرض، مهما بدت بعيدة عن عالمها التقليدي.
*خديجة اسويس.. صحافية متدربة