story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
اقتصاد |

من الرسوم إلى إعلان الطوارئ.. كيف أصبح الفوسفاط المغربي ضرورة للأمن الغذائي الأمريكي؟

ص ص

بعد ست سنوات من الرسوم التعويضية والدعاوى القضائية والمراجعات الإدارية، علقت الولايات المتحدة تحصيل الرسوم المفروضة على واردات الأسمدة الفوسفاطية المغربية لمدة تصل إلى ثمانية أشهر، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة طوارئ مرتبطة بتأمين إمدادات الأسمدة، معتبرا أن استقرار تزويد المزارعين الأمريكيين بها أصبح قضية تمس الأمن الغذائي والاقتصادي للبلاد.

ويمثل القرار، الذي يعلق مؤقتا تحصيل الرسوم والودائع الجمركية المفروضة على الواردات المغربية، تحولا في التعاطي الأمريكي مع ملف ظل خلال السنوات الماضية أحد أكثر النزاعات التجارية تعقيدا بين الرباط وواشنطن. فالإدارة التي دافعت سنة 2021 عن فرض الرسوم لحماية الصناعة المحلية، تعتبر اليوم أن ضمان تدفق الأسمدة الفوسفاطية إلى السوق الأمريكية أصبح ضرورة تفرضها أوضاع السوق العالمية واحتياجات القطاع الزراعي.

ويتعلق القرار أساسا بالأسمدة الفوسفاطية التي ينتجها المكتب الشريف للفوسفاط، لا بالفوسفاط الخام، باعتبارها من المدخلات الأساسية للإنتاج الزراعي الأمريكي. وقد كانت السوق الأمريكية تمثل، قبل اندلاع النزاع التجاري، ما بين 10 و15 في المائة من صادرات المجموعة المغربية، ما جعلها واحدة من أهم أسواقها الخارجية.

ورغم أن الإعلان الرئاسي ربط القرار بظروف استثنائية، أبرزها اضطراب سلاسل الإمداد العالمية والحاجة إلى تأمين احتياجات المزارعين الأمريكيين من الأسمدة، فإن الخطوة جاءت بعد سنوات من الجدل داخل الولايات المتحدة حول جدوى الرسوم المفروضة على الواردات المغربية، وما إذا كانت حققت هدفها المتمثل في حماية الصناعة المحلية، أم أنها تحولت إلى عامل ساهم في ارتفاع أسعار الأسمدة وزيادة تكاليف الإنتاج.

ولم تعد القضية مجرد نزاع جمركي بين بلدين، حيث امتدت إلى وزارة التجارة الأمريكية ومحكمة التجارة الدولية، كما تحولت إلى موضوع ضغط من شركات صناعة الأسمدة ومنظمات المزارعين، قبل أن تفضي، في المرحلة الحالية، إلى تعليق تحصيل الرسوم استجابة لاعتبارات مرتبطة بالأمن الغذائي الأمريكي.

وبين قرار فرض الرسوم سنة 2021 وقرار تعليق تحصيلها في صيف 2026، خاض المكتب الشريف للفوسفاط واحدة من أطول معاركه التجارية في السوق الأمريكية، في مسار امتد إلى القضاء والإدارة والكونغرس، قبل أن تعيد التحولات التي عرفتها أسواق الأسمدة العالمية رسم أولويات واشنطن.

كيف بدأت القضية؟

تعود فصول القضية إلى يونيو 2020، عندما تقدمت شركة “موازييك”، أكبر منتج للأسمدة الفوسفاطية في الولايات المتحدة، بشكوى إلى وزارة التجارة الأمريكية ولجنة التجارة الدولية، اتهمت فيها المغرب وروسيا بالاستفادة من إعانات حكومية تمنح صادراتهما أفضلية غير عادلة داخل السوق الأمريكية، مطالبة بفرض رسوم تعويضية لحماية المنتج المحلي.

ولم تكن الشكوى موجهة إلى المغرب وحده، لكنها استهدفت أحد أبرز الفاعلين في سوق الأسمدة العالمية، فالمكتب الشريف للفوسفاط كان قد عزز حضوره داخل السوق الأمريكية خلال السنوات السابقة من خلال تنافسية منتجاته وقدرته على تلبية الطلب، ما جعله منافسا مباشرا للمنتجين الأمريكيين، وفي مقدمتهم شركة “موزاييك”.

ويأتي هذا الحضور في ظل المكانة التي يحتلها المغرب في السوق العالمية، إذ يملك أكثر من 70 في المائة من الاحتياطي العالمي للفوسفاط، بينما يعد المكتب الشريف للفوسفاط من أكبر منتجي ومصدري الأسمدة الفوسفاطية في العالم.

وباشرت وزارة التجارة الأمريكية تحقيقا آنذاك لتحديد ما إذا كانت صادرات الفوسفاط المغربي تستفيد من إعانات قابلة للتعويض بموجب القانون التجاري الأمريكي، في حين فتحت لجنة التجارة الدولية تحقيقا موازيا لتقييم ما إذا كانت تلك الواردات قد ألحقت ضررا بالصناعة المحلية. واستمرت التحقيقات عدة أشهر، تخللتها مذكرات قانونية ومرافعات قدمها مختلف الأطراف.

اقرأ أيضا

وفي فبراير 2021 خلصت وزارة التجارة الأمريكية إلى أن صادرات المكتب الشريف للفوسفاط استفادت من إعانات قابلة للتعويض، وحددت الرسوم التعويضية الأولية في حدود 19.97 في المائة، قبل أن تؤكد لجنة التجارة الدولية، في مارس من العام نفسه، أن الواردات المغربية والروسية ألحقت ضررا ماديا بالصناعة الأمريكية، لتدخل الرسوم حيز التنفيذ بصورة نهائية.

واعتبرت شركة “موزاييك” القرار تأكيدا لوجاهة الشكوى التي تقدمت بها، بينما مثل بالنسبة إلى المكتب الشريف للفوسفاط بداية مسار طويل من المراجعات الإدارية والطعون القضائية، حيث لم يغادر المغرب السوق الأمريكية، و إنما واصل الدفاع عن صادراته عبر المسارات القانونية والإدارية، في وقت بدأت فيه آثار الرسوم تظهر تدريجيا على سوق الأسمدة، لتتحول القضية من خلاف بين منتجين إلى ملف يهم المزارعين الأمريكيين أنفسهم.

حين انقلبت الرسوم على أصحابها

لم تستغرق آثار الرسوم التعويضية وقتا طويلا حتى بدأت تظهر داخل السوق الأمريكية. فمع تراجع الواردات المغربية وتأثر تدفقها إلى السوق نتيجة الرسوم، ارتفعت أسعار الأسمدة الفوسفاطية، في وقت كانت فيه الأسواق العالمية تواجه اضطرابات متلاحقة بفعل تداعيات جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وما رافقها من اختلالات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن.

وبينما كانت شركة “موازييك” تعتبر الرسوم وسيلة لحماية الصناعة المحلية، بدأت منظمات تمثل مزارعي الذرة والقمح والصويا والقطن والأرز تنبه إلى أن المستفيد الرئيسي من القرار كان عددا محدودا من المنتجين المحليين، في حين تحمل المزارعون ارتفاعا ملحوظا في تكاليف الإنتاج بسبب زيادة أسعار الأسمدة، التي تعد من أهم مدخلات الإنتاج الزراعي.

ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة المعارضين للرسوم داخل الولايات المتحدة، إذ انضمت عشرات المنظمات الزراعية الوطنية والإقليمية إلى حملة للمطالبة بإعادة النظر فيها، معتبرة أن استمرارها يضعف القدرة التنافسية للمزارعين الأمريكيين ويرفع تكلفة إنتاج الغذاء، في وقت كانت فيه الحكومة تدعو إلى تعزيز الأمن الغذائي والحد من الضغوط التضخمية.

وتعزز هذا الموقف بدراسات اقتصادية صدرت عن مؤسسات بحثية أمريكية، من بينها دراسة أعدها مركز السياسات الزراعية والغذائية بجامعة “Texas a&m”، خلصت إلى أن الرسوم المفروضة على واردات الفوسفاط المغربي والروسي رفعت تكاليف الإنتاج الزراعي، مقدرة أثرها الاقتصادي على منتجي المحاصيل الزراعية في الولايات المتحدة بنحو 6.9 مليارات دولار خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، نتيجة ارتفاع أسعار الأسمدة وما ترتب عليه من زيادة في تكاليف الإنتاج.

كما قدرت تحليلات اقتصادية أمريكية أن تعليق الرسوم المفروضة على الواردات المغربية قد يوفر للمزارعين الأمريكيين نحو 1.82 مليار دولار سنويا، مع توقع انخفاض أسعار بعض الأسمدة الفوسفاطية بحوالي 22 في المائة، وهو ما عزز مواقف المنظمات الزراعية التي طالبت بإعادة النظر في القيود التجارية المفروضة على الواردات المغربية.

ولم يعد النقاش يدور فقط حول مدى نجاح الرسوم في حماية الصناعة المحلية، بل أصبح يركز على ما إذا كانت كلفتها الاقتصادية على القطاع الزراعي الأمريكي تفوق المكاسب التي حققتها للمنتجين المحليين. وهكذا تجاوز الملف بعده التجاري، ليتحول تدريجيا إلى نقاش يتعلق بالسياسة الزراعية والأمن الغذائي،ما مهد لظهور مواقف جديدة داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية.

المعركة تنتقل إلى المحاكم وواشنطن

بالتوازي مع الجدل الاقتصادي، دخل النزاع مرحلة جديدة أمام القضاء الأمريكي، بعدما طعن المكتب الشريف للفوسفاط في عدد من خلاصات وزارة التجارة ولجنة التجارة الدولية، لينتقل الملف إلى محكمة التجارة الدولية الأمريكية، التي تولت مراجعة الأسس القانونية والاقتصادية التي استندت إليها السلطات الأمريكية عند فرض الرسوم.

وخلال سنوات النزاع، أصدرت المحكمة عدة قرارات أعادت بموجبها بعض جوانب الملف إلى وزارة التجارة أو لجنة التجارة الدولية لإعادة النظر فيها، معتبرة في بعض الحالات أن أجزاء من التحليل الذي استندت إليه السلطات الأمريكية تحتاج إلى تعليل إضافي أو مراجعة قانونية. ولم تؤد هذه القرارات إلى إلغاء الرسوم التعويضية، لكنها أبقت الأسس القانونية والإدارية التي قامت عليها محل مراجعة مستمرة داخل المؤسسات الأمريكية.

وفي نفس السياق، واصلت وزارة التجارة إجراء المراجعات الإدارية السنوية المنصوص عليها في القانون الأمريكي، وأسفرت بعض هذه المراجعات عن خفض معدل الرسوم المفروض على صادرات المكتب الشريف للفوسفاط مقارنة بالنسبة التي أقرت عند فرضها سنة 2021، قبل أن تستقر في أحدث مراجعاتها عند نحو 16.6 في المائة، وهو المعدل الذي شمله قرار التعليق المؤقت الذي أصدره البيت الأبيض.

ولم يبق الجدل محصورا بين الشركات والجهات الحكومية، وإنما انتقل أيضا إلى أروقة الكونغرس، حيث دعا عدد من البرلمانيين، مدعومين بمنظمات تمثل المزارعين والقطاع الزراعي، إلى إعادة النظر في الرسوم، معتبرين أنها أصبحت تتعارض مع مصلحة المزارعين الأمريكيين في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتزايد الحاجة إلى مصادر مستقرة للأسمدة الفوسفاطية.

ومع اقتراب انتهاء مدة السنوات الخمس الأولى للرسوم، شرعت السلطات الأمريكية خلال سنة 2026 في المراجعة الدورية المعروفة بـ”Sunset Review”، لتقييم ما إذا كان استمرار العمل بها لا يزال مبررا ، غير أن هذه المراجعة تزامنت مع تطورات دولية متسارعة أعادت ترتيب أولويات واشنطن، لتنقل الملف من نقاش حول حماية الصناعة المحلية إلى سؤال يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على تأمين احتياجاتها من الأسمدة في ظل ظروف دولية استثنائية.

من الحرب التجارية إلى اعتبارات الأمن الغذائي

وبينما كانت مراجعة الرسوم تسير في مسارها القانوني، شهدت سوق الأسمدة العالمية تطورات أعادت خلط الأوراق. فقد أدت الاضطرابات التي مست سلاسل التوريد، إلى جانب التوترات التي طالت عددا من مناطق إنتاج وتصدير الأسمدة، إلى تنامي المخاوف بشأن قدرة الولايات المتحدة على تأمين احتياجاتها من الأسمدة الفوسفاطية في الوقت المناسب، خصوصا مع اقتراب الموسم الزراعي الذي يشهد ذروة الطلب عليها.

وفي هذا السياق، خلصت الإدارة الأمريكية إلى أن الإنتاج المحلي لا يكفي لتغطية الطلب الداخلي، وأن توسيع القدرات الصناعية يحتاج إلى سنوات قبل أن ينعكس على السوق، ما جعل استمرار القيود على واردات أحد أكبر موردي الأسمدة الفوسفاطية في العالم يشكل، في نظرها، خطرا على استقرار الإمدادات الزراعية.

وظهر هذا التحول بوضوح في الإعلان الرئاسي الصادر في 29 يونيو 2026، إذ أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إنتاج الغذاء يرتبط بالأمن الاقتصادي والأمن القومي للولايات المتحدة، وأن الإنتاج الأمريكي الحالي من الأسمدة الفوسفاطية لا يكفي لتلبية احتياجات الإنتاج الغذائي المحلي بعد احتساب الصادرات، فيما يعد المغرب من بين الدول القادرة على المساهمة في توفير إمدادات مستقرة من هذه الأسمدة.

وبناء على ذلك أعلن ترامب حالة طوارئ، وفعل صلاحيات استثنائية لتعليق تحصيل الرسوم والودائع الجمركية المفروضة على الواردات المغربية لمدة تصل إلى ثمانية أشهر، بهدف ضمان تزويد السوق الأمريكية بالأسمدة الفوسفاطية خلال الفترة التي تشهد ذروة النشاط الزراعي.

ولم يقتصر القرار على تعليق تحصيل الرسوم، بل شمل أيضا تعليق الودائع الجمركية المرتبطة بها، ومنح وزارتي الخزانة والتجارة صلاحيات استثنائية لتسهيل دخول الأسمدة الفوسفاطية المغربية إلى السوق الأمريكية طوال فترة سريان حالة الطوارئ، في خطوة عكست التحول الذي طرأ على أولويات الإدارة الأمريكية مقارنة بما كان عليه الوضع عند فرض الرسوم سنة 2021.

غير أن القرار لا يعني الإلغاء النهائي للرسوم التعويضية، إذ يقتصر على تعليق تحصيلها طوال مدة سريان حالة الطوارئ، مع إمكانية استئناف العمل بها بعد انتهاء الفترة المحددة إذا لم يصدر قرار جديد أو تسفر المراجعات القانونية والإدارية الجارية عن نتائج مختلفة.