“صيف بطعم الخوف”.. حقوقيون: قرى المغرب تواجه موسم العقارب بأدوات شبه منعدمة
مع الارتفاع الحاد في درجات الحرارة ودخول فصل الصيف، يتجدد كابوس لسعات العقارب المقلق في العديد من القرى والمناطق النائية بالمملكة المغربية. ومن الشمال إلى الجنوب الشرقي تتحول هذه الآفة الموسمية إلى مصدر خطر حقيقي يهدد حياة الساكنة القروية، حيث تؤدي هذه اللسعات سنويا إلى تسجيل وفيات، تقع في صفوف الأطفال الصغار على وجه الخصوص.
وفي شمال البلاد، وتحديدا بالمنطقة القروية التابعة لإقليم وزان، يسيطر الخوف والتوجس الشديدين على الأسر، لاسيما بسبب الانتشار الكثيف للحشائش بعد موسم ماطر؛ خشية أن يكون أحد أطفالهم الضحية القادمة في قائمة هجمات العقارب التي لا ترحم.
وفي هذا السياق يوضح نور الدين عثمان، رئيس المكتب الإقليمي للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بوزان أنه “مما يضاعف معاناة السكان ويزيد من حدة قلقهم في إقليم وزان، هو الضعف الشديد والواضح الذي تعاني منه الخدمات الصحية والمنظومة الطبية على مستوى الإقليم ككل”، بحسب
وأشار الفاعل الحقوقي في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” إلى “افتقار أغلب المراكز الصحية المنتشرة في الإقليم إلى التجهيزات الطبية والوسائل الضرورية للتعامل مع حالات التسمم الناتجة عن لسعات العقارب، فضلا عن غياب الأطباء في الأغلبية الساحقة من هذه المراكز”.
طبيب واحد لـ 275 ألف نسمة
وأمام هذا “العجز المحلي”، يضيف المتحدث نفسه، “يضطر الضحايا إلى التوجه صوب المستشفى الإقليمي بوزان كخيار وحيد لإنقاذ الأرواح، رغم أنه يعاني بدوره من نقص حاد في الموارد البشرية”.
غير أن هذا المستشفى الإقليمي، بحسب نور الدين عثمان “لا يتوفر سوى على طبيب واحد فقط في قسم المستعجلات وطبيبة واحدة مختصة في الإنعاش، وهو معدل يوصف بالكارثي وفق المعايير الصحية العالمية بالنظر إلى عدد سكان الإقليم البالغ 275 ألف نسمة”.
وأكد المصدر نفسه أن إقليم وزان يتميز بطبيعته القروية الجبلية ومناخه الجاف والحار، “وهي بيئة مثالية تتسبب سنويا في تسجيل عشرات الإصابات بلسعات العقارب، والتي ينتهي بعضها بوفيات مأساوية للأطفال في معظم السنوات”.
وتاعب أنه تحت وطأة هذا الوضع المقلق، “يجد سكان القرى أنفسهم مجبرين على العيش في حالة تأهب دائم، ليتحول الصيف لديهم من موسم للاستمتاع بالأجواء إلى معركة مريرة من أجل البقاء”.
عجز البروتوكول البديل
في غضون ذلك، أوضح رئيس المكتب الإقليمي للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بوزان أن جذور الأزمة تعود إلى ما قبل سنة 2003، حيث لم يكن هذا الملف يطرح بالحدة الحالية نظرا لقيام معهد باستور حينها بتصنيع أمصال مضادة لسموم العقارب، كانت تُوزع مجاناً وساهمت في تسجيل صفر وفاة في بعض السنوات لفعاليتها.
ورغم النجاح الكبير للأمصال، يضيف المتحدث، “اتخذت وزارة الصحة في عام 2003 قرارا بوقف إنتاجها محليا بدعوى ظهور أعراض جانبية للمرضى، على الرغم من توصيات منظمة الصحة العالمية بضرورة استمرار الدول في تصنيعها”.
وفي سياق متصل، ربط تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2009 بشكل مباشر بين قرار توقيف إنتاج هذه الأمصال في المغرب، وبين الارتفاع الملحوظ في معدلات الوفيات الناتجة عن لسعات العقارب.
وبدلا من الأمصال، أشار إلى أن الوزارة اعتمدت “بروتوكولا علاجيا بديلا يقوم على مهدئات الألم والإنعاش والسرعة في النقل”، وهو الروتوكول الذي أكد نور الدين عثمان إنه “يفقد قيمته في إقليم جبلي وعر تبتعد فيه بعض القرى عن المستشفى بنحو 50 كيلومترا وسط طرق قاسية وغير مجهزة”.
واختتم المتحدث تصريحه بالتأكيد على تزايد المخاوف من صيف كارثي هذا العام بسبب الانتشار الكثيف للحشائش بعد موسم ماطر؛ مما يفرض ضرورة توجيه مناشدة عاجلة لوزير الصحة لتزويد الإقليم بالأطر الطبية الكافية لإنقاذ أرواح الأبرياء.
مطالب بالمحاسبة
ولا يختلف جنوب الشرقي على شمال المملكة؛ فارتفاع درجات الحرارة يعني انتشار العقارب، في هذه الصدد، يوضح غسان بنوازي، عضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بفرع الجنوب الشرقي، في تصريح لـ”صوت المغرب” بأن استمرار سقوط ضحايا لسعات العقارب في مناطق الجنوب الشرقي، لاسيما في صفوف الأطفال، لا يمكن تصنيفه كمجرد حادث طبيعي عابر أو ظاهرة موسمية مألوفة، بل هو نتاج مباشر لفشل السياسات العمومية في كفالة وضمان الحق في الصحة والحق في الحياة للمواطنين.
وحمل الفاعل الحقوقي الدولة المسؤولية الكاملة والمباشرة عن ما وصفها مآسي إنسانية متكررة مع كل فصل صيف، معيدا ذلك إلى غياب التجهيزات الطبية واللوجستيكية الكافية في المستشفيات والمراكز المحلية، فضلا عن ضعف خدمات القرب، وتأخر التدخلات الإسعافية الطارئة، ناهيك عن استمرار سياسة التهميش والإقصاء التنموي التي تعاني منها هذه المناطق منذ عقود.
كما أشار بنوازي إلى أنه “من غير المقبول إنسانيا وأخلاقيا أن يتحول الصيف سنوياً إلى موسم دائم لفقدان الأرواح وفجع العائلات”، مؤكدا أنه “كان بالإمكان إنقاذ أرواح العديد من الضحايا والأطفال الأبرياء لو توفرت الإرادة السياسية الحقيقية، وتم توجيه استثمارات فعلية وجادة لتأهيل المنظومة الصحية في هذه المناطق المنسية”.
وخلص المتحدث إلى التأكيد على أن “الحق في الحياة والعيش الكريم ليس مجرد شعارات تُرفع، بل هو التزام دستوري وقانوني أصيل يتطلب اليوم ربط المسؤولية بالمحاسبة ضد كل من ثبت إهماله وتهاونه، مع ضرورة اتخاذ إجراءات استعجالية وفورية تضمن توفير وسائل الوقاية، بروتوكولات العلاج، وسيارات الإسعاف المجهزة، صوناً لكرامة المواطنين وحقهم المقدس في الحياة”.