story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
سياسة |

مقترح موريتاني لتوضيح الحدود النهائية للصحراء المغربية.. ماذا وراء الخطوة؟

ص ص

أثار مقترح موريتاني يدعو إلى تشكيل لجنة متخصصة تتولى، بالتوافق، توضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للصحراء المغربية، نقاشاً حول طبيعة هذه الخطوة وما إذا كانت مرتبطة بالترتيبات المنتظرة في المرحلة المقبلة من مسار تسوية قضية الصحراء، إلى جانب موقع اتفاقية مدريد من هذا النقاش.

ويأتي هذا النقاش في وقت تتزايد فيه المؤشرات على دخول المسار الأممي مرحلة جديدة، بعد الحديث في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الصادر مطلع أكتوبر الجاري عن اتفاق إطار ومرحلة انتقالية وآليات لتنزيل التسوية السياسية، ما دفع مراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت بعض الأطراف بدأت بالفعل التفكير في ترتيبات “ما بعد النزاع”.

وكان تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، المؤرخ في الأول من أكتوبر 2026، قد أفاد بأن الأطراف ناقشت خلال جولة المفاوضات في مدريد إنشاء مجلس انتقالي، ودور الجهات الدولية وضمانات تنفيذ أي اتفاق، إلى جانب ملفات تقاسم الموارد والعفو والمصالحة ونزع السلاح وإعادة الإدماج والتدابير الأمنية والأنظمة الانتخابية. كما أشار التقرير إلى أن فريقي الأمم المتحدة والولايات المتحدة عملا، بناء على طلب المشاركين، على مشروع أولي لاتفاق إطار بشأن مرحلة انتقالية محتملة، فيما ظلت قضايا السيادة وتقرير المصير من بين أكثر نقاط الخلاف بين الأطراف.

“حياد إيجابي”

في هذا الصدد، يرى إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بكلية الحقوق في جامعة القاضي عياض بمراكش، أن التوجه الموريتاني الأخير “يعكس تفاعلاً إيجابياً مع التطورات الحالية في قضية الصحراء المغربية”.

وقال لكريني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن هذه الخطوة تأتي بشكل خاص على ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي وصفه بأنه أحدث “تطوراً نوعياً” في تدبير هذا الملف، مشيراً إلى أن مجلس الأمن، باعتباره المسؤول الرئيسي عن حفظ السلم والأمن الدوليين، “حسم مسار القضية باعتبار مشروع الحكم الذاتي أساساً لأي تفاوض أو حل مرتقب”.

وبحسب المتحدث، “تدرك موريتانيا اليوم جدية هذا المسار الذي يمهد لطي الملف في إطار مبادرة الحكم الذاتي”، ولذلك تحرص نواكشوط على تأمين حدودها الشمالية مع المغرب لتفادي أي فراغ أمني أو ارتباكات قد تفتعلها بعض الأطراف داخل جبهة البوليساريو، والتي قد “تلجأ إلى الهروب إلى الأمام” في ظل هذه التطورات.

وأضاف لكريني أن الموقف الموريتاني “يبرز تبلور رؤية واضحة تتبنى الحياد الإيجابي احتراماً للشرعية الدولية”، معتبراً أن ذلك يدعم خيار التفاوض استناداً إلى مشروع الحكم الذاتي وتوجهات مجلس الأمن.

وفي ما يتعلق باتفاقية مدريد، قال الأستاذ الجامعي إنها “أصبحت متجاوزة تماماً، ولم يعد لها أي أثر على أرض الواقع أو ضمن قرارات مجلس الأمن”، التي باتت، بحسبه، تستند إلى التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية التي شهدتها المنطقة.

ويرى لكريني أن هذا التوجه الجديد يسعى إلى إرساء حل إيجابي “يخرج موريتانيا من دائرة التجاذبات الإقليمية التي كلفتها الكثير” خلال العقود الخمسة الماضية، ويضع نواكشوط في وضع أكثر ارتياحاً “يستند إلى شرعية دولية واضحة، بعيداً عن أي ضغوط أو محاولات تأثير قد تمارسها جبهة البوليساريو أو الأطراف الداعمة لها”.

أجرأة الحكم الذاتي

من جانبه، يضع مصطفى الخلفي، الخبير في ملف الصحراء والوزير السابق، مسألة الحدود في إطارها القانوني والأممي الصارم؛ موضحاً أن “موضوع الترسيم الحدودي يقع خارج نطاق التفويض الممنوح للأمم المتحدة”. فالقرارات الأممية تؤطر معالجة النزاع الإقليمي السياسي حصراً، دون التطرق لأي نزاعات حدودية بين الدول.

ويؤكد الخلفي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، على أن حدود المنطقة المعنية بالتسوية محسومة ومحددة دولياً بشكل مسبق، بموجب مرجعيات رسمية تشمل خطة التسوية الأممية (1989-1990) والاتفاق العسكري رقم 1 لسنة 1998، فضلاً عن ترتيبات المنطقة العازلة.

وبناءً عليه، فإن قضايا الحدود غير مدرجة في جدول أعمال الأمم المتحدة ولا تدخل ضمن اختصاصاتها، مجدداً التأكيد على أن خيار المغرب الاستراتيجي تجاه موريتانيا “ينطلق من رصيد الشراكة وحسن الجوار والتعاون الثنائي”.

وفي تطورات الملف، يتحدث الخلفي عن تحول مفصلي يتمثل في الانخراط الشخصي لأنطونيو غوتيريش لتبني خيار الحكم الذاتي ووضع آليات لأجرأته عبر اتفاق إطار ومرحلة انتقالية، وتفعيل تقرير المصير من خلال استفتاء ينصب مباشرة على صيغة الحكم الذاتي.

ويشير، استناداً إلى قراءة في مسودة غير رسمية متداولة لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة، إلى أن التقرير “يتطرق لتفاصيل المرحلة الانتقالية، عبر تدابير تشمل عودة ساكنة المخيمات، ونزع السلاح”، وتفعيل إجراءات بناء الثقة عبر آلية الزيارات المتبادلة.

غير أن هذه المقاربة، بحسب الخبير والوزير السابق، تضع أمام المغرب تحديات رئيسية؛ أبرزها مواجهة الضغوط لتقديم تنازلات إضافية في اتفاق الإطار، وصيانة السيادة الوطنية أثناء المرحلة الانتقالية وتحديد اختصاصات المجلس الانتقالي، فضلاً عن اشتراط ضمانات متكافئة تحمي وحدة المملكة الترابية وسيادتها بقدر ما تكفل ممارسة الحكم الذاتي.

هواجس جيوسياسية

من زاوية جيوسياسية، يفسر عبد الفتاح الفاتحي، مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، المبادرة الموريتانية بكونها تعكس اقتناع الأطراف المباشرة والمجاورة بأن الملف يتجه نحو الحسم النهائي، وأن “النقاش انتقل عملياً إلى مرحلة ما بعد أزمة الصحراء”.

ويوضح الفاتحي أنه من الناحية التقنية والطوبوغرافية لا يوجد أي إشكال؛ فالخرائط مضبوطة وموثوقة لدى الأمم المتحدة، والعملية “تقتصر على تدقيق بعض الجيوب والجزئيات لتفادي أي احتكاكات مستقبليّة”. غير أن جوهر التحرك الموريتاني يحمل أبعاداً سياسية وجيوسياسية “ترتبط بهواجس تاريخية لدى دول الجوار من الامتداد التاريخي للمملكة”.

وفي تفسيره للموقف الموريتاني، ينبه الفاتحي إلى رغبة نواكشوط في تحصين حدودها الشمالية بغطاء أممي حاسم لتفادي أي مطالبات ترابية مستقبلاً؛ مستحضراً الخلفية التاريخية المرتبطة بـ “إقليم شنقيط” وما شهدته عقود سابقة من تصريحات لمكونات سياسية مغربية. ومن شأن تثبيت الحدود تحت المظلة الأممية أن “يمنح موريتانيا ضمانات نهائية تُؤمن موقعها الجيوسياسي في مرحلة ما بعد التسوية”.

وعلى الجانب الآخر، يربط الفاتحي بين التحفظ الجزائري تجاه التسوية السريعة وتخوفات ذات طبيعة مماثلة؛ فإلى جانب التردد في قبول استحقاقات مرحلة ما بعد النزاع، “تخشى الجزائر من أن يؤدي الإغلاق النهائي لملف الصحراء إلى إعادة فتح ملف الصحراء الشرقية”، والمطالبة بالحقوق التاريخية في مناطق تندوف وبشار وتوات استناداً إلى وثائق ومراسلات تاريخية تؤكد تبعيتها للسيادة المغربية.