story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

لماذا نخجل من “تحرير” سبتة ومليلية؟

ص ص

في إحدى خرجاته الإعلامية مع القنوات الأجنبية بخصوص أحداث سبتة الأخيرة، قال وزير العدل عبد اللطيف وهبي ما يفترض أن يكون أكثر الأمور حضورا في خطاب أي مغربي. قال إن المغرب ما زال يطالب بسبتة ومليلية، ولم يتخل عن هذا المطلب، لكنه يتعامل معه بسياسة النفس الطويل، فكان ذلك كافيا لتنتفض إسبانيا، وتخرج وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس لتقول إن سبتة ومليلية مدينتان “إسبانيتان جدا”، وتسارع وزارة الخارجية الإسبانية إلى التذكير بأن سيادة إسبانيا ووحدة ترابها غير قابلتين للنقاش.

المثير ليس أن الإسبان قاموا بردود الفعل هذه، بل أننا نحن الذين نشعر بالحرج كأن في الأمر سوء تفاهم ينبغي المسارعة إلى تبديده، أو زلة لسان كان على الوزير أن يتجنبها، أو ملفا قديما يتعين إبقاؤه في درج مغلق حتى لا نزعج شريكا اقتصاديا وسياسيا مهما.

أليست سبتة ومليلية والأراضي والجزر التي تحتفظ بها إسبانيا قبالة سواحلنا الشمالية أراض يطالب بها المغرب؟ وإذا كان الجواب نعم، فلماذا يصبح مجرد الحديث عنها مغامرة؟

تابعت خلال الأيام الأخيرة عددا من التغطيات الإسبانية والدولية لما وقع في سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضي، وكان لافتا كيف أن كلمة “الهجرة” تتوارى بسرعة كلما مُدّ ميكروفون نحو جزء من السكان والسياسيين هناك، ليتحدّثوا فورا عن “الغزو”، وعن استهداف السيادة الإسبانية، وعن الخوف من المغرب، وأنهم لن يرحلوا… حتى إن مقالات رأي في الصحافة الإسبانية لم تتردد في وصف ما وقع بـ”مسيرة خضراء على سبتة”، أو اعتباره شكلا من أشكال الضغط على السيادة الإسبانية.

المثير أنهم لا يشعرون بأي حرج في أن ينظروا إلى ما جرى من الزاوية السيادية، بينما نحن نفعل. هم ينظرون من الضفة الأخرى إلى عشرات الآلاف من المغاربة الذين ظهروا فجأة في شوارع سبتة فيستحضرون التاريخ والجغرافيا والسيادة والحدود، ونحن ننظر من هذه الضفة إلى المدينة نفسها ونحرص، كلما فتح النقاش، على أن نسبق كلامنا بعشرة احتياطات حتى لا يتهمنا أحد بإفساد العلاقات مع إسبانيا.

ما حدث يومي 30 و31 يوليوز لم يكن محاولة لاسترجاع سبتة، ولا ينبغي تحويل شباب يائس وأطفال غارقين في البحر إلى جنود في معركة سيادية لم يختاروها. لكن هذا شيء، والسؤال عن سبتة شيء آخر.

ربما تكون أخطر نتائج ما وقع أننا تركنا الحدث يربط، في وعي الإسبان، بين المغرب وتهديد السيادة، فيما لا نملك نحن نقاشا وطنيا واضحا حول مفهوم هذه السيادة ومستقبل هذا الملف.

هناك حاليا دعوات رقمية جديدة إلى التوجه نحو سبتة يوم 15 غشت. والدولة المغربية تأخذها بجدية شديدة. عززت المراقبة، ورفعت درجة الاستنفار، وتحركت أجهزة الأمن لمنع تكرار المأساة. وهذا التحرّك مفهوم، بل الواجب هو منع سقوط قتلى جدد ومنع انفلات الحدود وتحول آلاف البشر إلى كتلة لا يسيطر عليها أحد.

لكن هل علينا أن ننسى أننا نفعل كل هذا، ونقيّد حرية دستورية اسمها حرية التنقل، من أجل حماية حدود مدينة نعتبرها في خطابنا السياسي جزءا من الأراضي التي نطالب باسترجاعها؟

ليس المطلوب أن تعلن الدولة موعدا ل”تحرير” سبتة ومليلية، ولا أن نضع علاقاتنا مع إسبانيا فوق صفيح ساخن كل صباح. فالدول لا تدير ملفات السيادة بالشعارات، وإسبانيا شريك اقتصادي وسياسي وأمني حيوي، وبين البلدين مصالح أكبر من أن تدار بمنطق المزايدة الوطنية الرخيصة…

لكن النفس الطويل لا يعني الصمت المطبق. وربما يحتاج هذا الملف تحديدا، لأنه شديد الحساسية، إلى أن يخرج قليلا من احتكار الدولة، ويدخل الجامعات، ونقاشات المؤرخين والقانونيين والجغرافيين والأحزاب والصحافة والمجتمع المدني…

نحتاج إلى نقاش مغربي هادئ حول السؤال الذي يعرف الإسبان جوابهم عنه بينما لا نجرؤ نحن حتى على طرحه: كيف نتصور علاقتنا بسبتة ومليلية بعد عشر سنوات أو عشرين أو خمسين سنة؟

لقد سجّل المغرب رسميا، حتى في وثائق الأمم المتحدة، أن سبتة ومليلية وبادس والجزر الجعفرية أراض مغربية، بينما ردت إسبانيا بأنها أجزاء لا تتجزأ من المملكة الإسبانية وتمارس عليها سيادتها الكاملة. أي أننا أمام خلاف سيادي حقيقي ومعلن، لا أمام سوء فهم لغوي اخترعه عبد اللطيف وهبي هذا الأسبوع.

كما سبق للمغرب منذ عقود أن حاول إدخال سبتة ومليلية ضمن مسار تصفية الاستعمار في الأمم المتحدة، فيما رفضت إسبانيا ذلك وظلت المنظمة لا تدرجهما ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

بمعنى أن الطريق القانوني والدبلوماسي نفسه معقد ولا يقدم للمغرب وصفة جاهزة. وهذا سبب إضافي للنقاش، وليس سببا للصمت.

إسبانيا نفسها لم تتوقف عن المطالبة بجبل طارق رغم أن بريطانيا دولة حليفة داخل حلف شمال الأطلسي، ورغم العلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية الوثيقة بين البلدين. ولم يقل الإسبان يوما إن المطالبة بالسيادة على جبل طارق تسيء إلى الاستثمار أو السياحة أو التعاون الأمني.

فلماذا يتعين علينا نحن أن نختار بين أمرين لا تناقض بينهما أصلا: شراكة قوية مع إسبانيا، وتمسك هادئ وطويل النفس بما نعتبره حقا ترابيا؟

ما وقع في سبتة أخيرا كشف أشياء كثيرة، من بينها مأساة اجتماعية مغربية، وهشاشة أوروبية أمام حركة بشرية مفاجئة، وخطورة الشبكات الرقمية حين تختلط فيها الشائعة باليأس… لكنه كشف أيضا أن ذلك الإسباني الذي يعيش في سبتة يعرف جيدا ماذا يريد للمدينة بعد خمسين سنة.. إنه يريدها أن تبقى إسبانية. بينما المغربي الذي يعيش على بعد أمتار منها لا يعرف حتى ما إذا كان من اللائق أن يتساءل عن مستقبلها.

أنا لا أطالب بإطلاق المدافع، بل أطالب فقط بتحرير السؤال، لأن الأرض لا تضيع دائما حين يهزم جيش جيشا آخر، بل تضيع أحيانا حين يطول الصمت حتى يصبح مجرد التفكير فيها أمرا محرجا.