story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
برلمان |

دراسة تحليلية تكشف دلالات ووظائف توظيف الآيات القرآنية في خواتيم الخطب الملكية الموجهة للبرلمان

ص ص

كشفت دراسة أنجزها الدكتور في القانون العام والعلوم السياسية ياسين بويركل، تحت عنوان “بشأن توظيف الآيات القرآنية في خواتيم الخطب الملكية بمناسبة افتتاح البرلمان بالمغرب: تحليل دستوري وخطابي من 1999 إلى 2026″، أن استدعاء النص القرآني في الموقع الختامي للخطب لا يمكن اختزاله في مجرد صيغة بلاغية ملازمة لنهاية الخطاب، كما لا يصح تفسيره آليًا بوصفه تعبيرًا عن ممارسة صلاحيات إمارة المؤمنين. وأوضحت أن وظيفة الاستشهاد تتحدد من خلال التفاعل بين طبيعة المقام البرلماني ومضمون الخطاب الملكي والموقع الذي تحتله الآية داخله.

انتظام بلا إلزام بروتوكولي

أظهر المسح الشامل للخطب الملكية بمناسبة افتتاح البرلمان خلال الفترة الممتدة من 1999 إلى 2026 انتظامًا قويًا لهذه الممارسة، إذ انتهى 26 خطابًا من أصل 28 باستشهاد قرآني، أي ما يعادل نحو 92.6 في المائة من مجموع الخطب محل الدراسة. في المقابل، غابت الآية الختامية عن خطابي سنتي 2003 و2008 فقط.

وتحمل هذه النتيجة دلالة أولية مزدوجة، بحسب المصدر نفسه؛ فمن جهة، تكشف النسبة المرتفعة عن استقرار قوي لممارسة ختم خطاب افتتاح البرلمان بالقرآن، ومن جهة أخرى، تمنع حالتا الغياب من التعامل معها باعتبارها قاعدة بروتوكولية مطردة لا تقبل الاستثناء. فالانتظام الكبير لا يساوي الإلزام، وهو ما يؤثر في تفسير الاختيار الختامي.

إلى جانب ذلك، أوضحت الدراسة أن غياب الخاتمة القرآنية لا يعني بالضرورة غياب كل تعبير ذي حمولة دينية؛ ففي خطاب سنة 2008، تنتهي الخاتمة بعبارة “والله المستعان”، قبل السلام، من دون الاستشهاد بآية قرآنية.

وبذلك، يصبح من الضروري التمييز بين الخاتمة القرآنية، بالمعنى الدقيق، وحضور التعبير الديني بصورة أوسع، لأن موضوع الدراسة ينصب حصرًا على توظيف النص القرآني ذاته.

أما خطاب سنة 2003، فيقدم حالة أكثر تعقيدًا؛ فهو لا يتضمن آية ختامية قرآنية، لكنه يُعد من أغنى الخطب المشمولة بالدراسة من حيث توظيف القرآن داخل بنية الحجة، خصوصًا في الجزء المتعلق بإصلاح مدونة الأسرة. ومن ثم، لا يجوز تصنيفه ببساطة ضمن خطابات “غياب القرآن”، وإنما ضمن حالة غياب الخاتمة القرآنية مع حضور قرآني داخلي قوي.

تعدد المواقع ووظائف الاستشهاد

تقتضي دراسة موقع الاستشهاد التمييز بين ورود النص القرآني داخل متن الخطاب ووروده في خاتمته، مع إمكان اجتماعهما في الخطاب نفسه، إذ يتيح هذا التمييز مقارنة وظيفة الاستشهاد المندمج في بناء الحجة بوظيفته في المقطع الختامي.

وبيّنت الدراسة أن غياب الخاتمة لا يدل بمفرده على غياب الاستشهاد القرآني عن المتن؛ ولذلك، يقتصر الحصر الكمي في هذه الدراسة على حضور الاستشهاد الختامي وغيابه، فيما تُستخدم الأمثلة الداخلية المختارة للمقارنة الكيفية بين وظائف الاستشهاد بحسب موقعه.

ويكتسي هذا الحضور المركب أهمية خاصة في ملاحظة اختلاف وظائف القرآن داخل الخطاب الواحد. ففي خطاب سنة 2011، مثلًا، ورد قوله تعالى في سورة المطففين (الآية 26): “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون”، ضمن السياق المتعلق بتفعيل الدستور الجديد وتنافس الفاعلين في خدمة الوطن، قبل أن ينتهي الخطاب بقوله تعالى في سورة الكهف (الآية 10): “ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدًا”. ولا يؤدي الاستشهادان هنا الوظيفة نفسها؛ فالأول يندمج في الحجة ويحمل بُعدًا تحفيزيًا، بينما يضطلع الثاني، في موقعه الختامي، بوظيفة دعائية تقوم على طلب الرحمة والرشد.

وفيما يتعلق بأنماط وتجليات العلاقة بين الآية الختامية ومضامين الخطاب، توضح الدراسة أنه عندما يُستحضر القرآن داخل متن الخطاب، فقد يندمج مباشرة في بناء الحجة، كما في خطاب سنة 2003 المرتبط بمناقشة أحكام مدونة الأسرة، حيث يؤدي وظيفة استدلالية وتأسيسية، وليس مجرد تعليق أخير.

التطابق الدلالي المباشر

أما في الموقع الختامي، فتتخذ العلاقة صورًا متعددة، من بينها التطابق الدلالي المباشر، كما حدث سنة 2016، عندما خُتم خطاب ركز بصورة أساسية على إصلاح الإدارة وعلاقتها بالمواطن بقوله تعالى في سورة هود (الآية 88): “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب”. وتبدو وظيفة الآية هنا قريبة من تكثيف الموضوع المركزي للخطاب.

ومن صور هذه العلاقة أيضًا تجميع المضامين تحت قيمة أشمل، كما في خطاب سنة 2013، الذي تناول مسؤولية الانتداب والعمل البرلماني، قبل أن يُختتم بقوله تعالى في سورة النساء (الآية 58): “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها”. وهنا، لا تضيف الآية موضوعًا جديدًا بقدر ما تعيد توصيف المسؤولية السياسية ضمن معجم الأمانة.

ومن صور العلاقة كذلك الانتقال إلى سجل قيمي أوسع، ويقدم خطاب سنة 2025 مثالًا دالًا على ذلك؛ إذ سبقت الخاتمة دعوة الحكومة والبرلمان، أغلبية ومعارضة، إلى أن يكونوا في مستوى الثقة والأمانة، وما تتطلبه خدمة الوطن من نزاهة والتزام ونكران للذات، ليأتي بعد ذلك قوله تعالى في سورة الزلزلة (الآيتان 7 و8): “فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره”. وهنا، ينتقل خطاب الأمانة والنزاهة من مستوى المسؤولية السياسية إلى سجل أوسع يرتبط بالعمل والجزاء.

وتبرز الوظيفة الرجائية أو الوجدانية بحسب السياق، كما حدث سنة 2020، في ظل تداعيات جائحة كوفيد-19، حين أعقب الحديث عن الأزمة والتعبئة والثقة في القدرة على رفع التحدي الاستشهاد بقوله تعالى في سورة يوسف (الآية 87): “ولا تيأسوا من روح الله”.

وأشارت الدراسة إلى أن وظيفة الاستشهاد تتحدد عمومًا من خلال التفاعل بين طبيعة المقام البرلماني ومضمون الخطاب والموقع الذي تحتله الآية داخله.

وعلى مستوى تحليلي آخر، اقترحت الدراسة مفهوم “الخاتمة التأويلية القرآنية”، بوصفه مفهومًا إجرائيًا يصف الحالات التي لا تكتفي فيها الآية بإغلاق الخطاب أو تكثيف أحد معانيه، وإنما تسهم، بحكم موقعها الختامي، في إعادة تأطير قراءة مضامينه ضمن أفق قيمي إضافي.

وأوضحت حالة سنة 2026، بحسب الدراسة، أن هذا الأفق القيمي الإضافي قد يتحقق من خلال توسيع تأطير أخلاقي سبق التصريح به، عبر وصله بدلالة مضاعفة الجزاء الحسن. ولا يُقصد بالتأويل هنا تفسير النص القرآني نفسه، وإنما أثر الاستشهاد الختامي في إعادة توجيه قراءة الخطاب السابق عليه.