خبير: تراكم الأزمات الاجتماعية يصعّب مهمة حكومة المنصوري والاستدراك يتطلب سنوات
تواجه حكومة فاطمة الزهراء المنصوري تحديات معقدة وأزمات متراكمة في قطاعات حيوية ذات طابع اجتماعي، على رأسها التعليم والصحة والتشغيل، إلى جانب الأوضاع في العالم القروي.
ويرى خبراء أن هذه الأزمات تعود إلى تراكمات خلفتها السياسات الحكومية السابقة، ما يجعل مهمة الاستدراك أمام الحكومة الحالية بالغة الصعوبة، في ظل سياق إقليمي يتسم بتصاعد التوترات والاحتجاجات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، اعتبر المحلل السياسي إدريس قصوري، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن الإكراهات والتحديات التي تواجه حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، لا سيما في بداية ولايتها، تتسم بالتعدد والتعقيد الشديدين.
وأوضح قصوري أن هذه الوضعية جاءت نتيجة تراكمات طويلة من إهمال البرامج والقضايا ذات البعد الاجتماعي، مقابل التركيز المفرط للحكومات السابقة على التوازنات المالية للميزانية، وما رافق ذلك من تقليص للدعم عبر صناديق المقاصة، الأمر الذي خلّف انعكاسات سلبية كبيرة على الأوضاع الاجتماعية.
وأشار المحلل السياسي إلى أن تراجع الاهتمام بالبعد الاجتماعي بدأ يتجلى بوضوح خلال فترة الحكومتين اللتين قادهما حزب العدالة والتنمية، قبل أن يبلغ مرحلة الإنهاك التام في عهد الحكومة التي ترأسها حزب التجمع الوطني للأحرار.
وفي هذا الصدد، أوضح قصوري أن السياسات العمومية انحصرت في توجه واحد يرمي إلى تحويل المغرب من بلد فلاحي إلى دولة صاعدة، من خلال تنويع الاقتصاد الوطني وعصرنته، والتركيز على الاستثمار والمداخيل، وتطوير البنيات التحتية واللوجستيك وصناعات السيارات والطائرات والهيدروجين والطاقات الريحية، مقابل تهميش الجانب الاجتماعي.
سياسات نخبوية
ورغم إدراك خطورة هذا التوجه، وإعداد “النموذج التنموي الجديد” الذي شخص الوضعية وحذر من تعقيداتها الاجتماعية، بحسب قصوري، فإن توصياته لم تُفعّل بالشكل المطلوب لتحقيق التوازن بين الأولويات الاقتصادية والقضايا الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، وجّه المحلل السياسي انتقادات حادة إلى حكومة عزيز أخنوش، معتبرا أنها تبنّت توجها قائما على ممارسة الأعمال الريادية بشكل “متوحش”، بحسب تعبيره، مع ميل شبه كلي نحو القطاعين الخاص والصناعي، بهدف دعم رأس المال المغربي وتقوية قدرته على مواجهة المنافسة.
ووصف قصوري هذا التوجه بـ”الخاطئ”، معتبرا أن السياسات العمومية صيغت من الأعلى، باعتبارها سياسات موجهة للنخبة والريع والقطاع الخاص، وهو ما أدى، وفق تقديره، إلى إفراغ الجانب الاجتماعي من مضمونه، في ما وصفه بـ”الانزلاق الكبير” الذي يستوجب المحاسبة.
وسلّط المحلل السياسي الضوء على تداعيات هذه الاختيارات في عدد من القطاعات، وفي مقدمتها التعليم والصحة، مشيرا إلى تراكم الأزمات بفعل التوجه نحو الخوصصة، وتحويل قطاع الصحة إلى وكالات دون توفير الاستثمارات والبنيات التحتية الكافية.
كما انتقد غياب إنجازات ملموسة في مجال التشغيل، معتبرا أن السياسات المتبعة انحازت إلى خدمة مصالح القطاع الخاص، في مقابل استمرار تدهور الأوضاع في العالم القروي، وتفاقم الخصاص في التكوين المهني والحرفي والصناعي، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي.
واعتبر قصوري أن هذه الاختلالات تعكس التفاوتات التي نبّه إليها الخطاب الملكي من خلال الإشارة إلى وجود “مغرب يسير بسرعتين”.
معضلة الاستدراك
وانطلاقا من هذه المعطيات، يرى إدريس قصوري أن استدراك الخصاص الاجتماعي المتراكم دفعة واحدة بات مهمة بالغة الصعوبة بالنسبة إلى أي حكومة، مهما كانت مرجعيتها السياسية أو طبيعة خطابها.
وأوضح أن الحكومة الحالية قد تتمكن من وقف هذا الانزلاق، عبر إرساء نوع من التوازن بين المسارين الاقتصادي والاجتماعي، والعمل على سد الثغرات في قطاعات التعليم والصحة والتشغيل والعالم القروي، غير أن محدودية الإمكانات المتاحة، في مقابل عمق الاحتياجات الاجتماعية، تجعل هذه المهمة شديدة التعقيد.
وأضاف أن الميزانية العامة ستواجه ضغوطا كبيرة في حال السعي إلى الجمع بين الحفاظ على المكتسبات الصناعية والريادية، وتوجيه موارد مالية مهمة لمعالجة الاختلالات الاجتماعية المتراكمة.
وشدد المحلل السياسي على أن توفير الأموال والميزانيات لا يخضع للإرادة السياسية وحدها، بل تحكمه حسابات معقدة مرتبطة بالموارد المتاحة والتوازنات المالية العامة.
ومع ذلك، اعتبر قصوري أن تقليص الفجوة الاجتماعية يظل ممكنا من خلال منح القطاعات الاجتماعية أولوية أكبر في توزيع الاعتمادات والإمكانات المالية، بما يسمح بمعالجة الاختلالات بشكل تدريجي.
واستدرك بأن السنة الأولى من عمر الحكومة، بل وحتى السنوات الثلاث الأولى، لن تكون كافية لسد الفجوة المالية المتراكمة أو إحداث فرص شغل تستجيب لحجم الاحتياجات، خصوصا في ظل الأزمات الداخلية والضغوط الخارجية.
وفي ختام تحليله، توقف قصوري عند الأزمات والضغوط الاجتماعية التي تشهدها دول أوروبية، من قبيل بلجيكا وإسبانيا وفرنسا، وما يرافقها من احتجاجات، معتبرا أن هذه التطورات قد تتيح للمغرب فرصة تاريخية لتحويل التحديات التي تواجه دول الشمال إلى مكاسب اقتصادية.
وأوضح أن المغرب سبق له أن استفاد من أزمات مماثلة لتعزيز حضوره في السوق الأوروبية ومنافسة منتجاتها، مشددا على أن استثمار هذه الفرص يظل رهينا بتوفير شروط الاستقرار الداخلي.
وخلص المحلل السياسي إلى أن الحفاظ على الاستقرار المغربي، إلى جانب التحلي بالذكاء السياسي في التدبير الحكومي، قد يشكل رافعة أساسية لاستقطاب استثمارات أجنبية كبرى، وتعزيز موقع المغرب الاقتصادي في محيطه الإقليمي والدولي.