ثقوب “جبروت” في جدار الدولة
في خضّم القصف الذي تتعرّض له أركان الدولة منذ أسابيع في شكل تسريبات صادمة لما يعرف بقناة “جبروت”، وكان من بين أهدافها وزير الداخلية عبد الوافي الفنين؛ تقول الرواية الرباطية المتواترة إن هذا الأخير كان في سياق ما قبل انتخابات 2016، بصفته واليا للعاصمة الرباط، ضمن المعنيين بالفضيحة المعروفة باسم “خدام الدولة”، أي عشرات الشخصيات السياسية وذوي المسؤوليات السامية، الذين استفادوا من بقع أرضية عالية القيمة بأسعار تكاد تكون رمزية.
وتفيد الرواية أن رئيس الحكومة وقتها، عبد الإله ابن كيران، حاول التدخل، وطلب من وزير داخليته محمد حصاد أن يسائل الوالي الفتيت ويدعوه إلى تصحيح الوضعية، لكونه استفاد من البقعة الأرضية وهو موظف تابع لتلك الحكومة. فما كان من الوالي الفتيت سوى أن قال للوزير حصاد إنه علس استعداد للتخلي عن بقعته الأرضية، لكنه قد لا يستطيع مواصلة العمل لحساب الدولة. وهو ما يذكّر بالإشكالية العميقة والوجودية للسلطة المغربية، وهي حاجتها إلى تقديم ما يكفي من عطاء لتشكيل نخبتها من العقول والكفاءات التي يتطلّبها تسيير الدولة.
واليوم أصبحنا أمام قائمة طويلة من رجال ونساء الدولة، (وإن كان السياسيون منهم يتوزّعون أساسا بين أحزاب الحكومة أي إحدى مؤسسات الدولة الأساسية)، وهو مشهد لا يكفي فيه القلق، ولا الشماتة، ولا حتى الفضول السياسي البارد.
قناة غامضة، أو مجموعة قرصنة تطلق على نفسها اسم “جبروت”، تخرج تباعا بما تقول إنه وثائق ومعطيات حساسة تمس مؤسسات وشخصيات ودوائر شديدة القرب من المفاصل الرخوة والصلبة في الدولة.
فماذا يفعل من يتابع هذا السيل من “التسريبات”؟ هل يتعامل معها باعتبارها حربا خبيثة لا يعرف من أين تبدأ ولا إلى أين تنتهي، فيكتفي بالتحصن خلف الدولة لأن الدولة هي آخر الجدران؟ أم يتعامل معها باعتبارها معطيات ووقائع لا يجوز دفنها تحت حجة “الاستهداف الخارجي” المحتمل، خاصة حين تُنشر مرفقة بما يبدو وثائق وحججا، بينما لا تواجه، في حالات كثيرة، برواية رسمية متماسكة، أو نفي موثق ومقنع، أو إحالة علنية وواضحة على القضاء والرأي العام؟
الحقيقة أن الموقف ينطبق عليه مثل “السهل الممتنع”، لأنه وبقدر ما يبدو عليه المشهد من تعقيد، فإن المشكلة الأساسية في الدولة التي تُدار بمنطق الريع، وتُمكّن فئات معيّنة من الاغتناء من موقع القرب لا عن طريق التجارة والاستحقاق، وتترك لمفهوم “خدام الدولة” أن يتحول من خدمة الشأن العام إلى امتياز اجتماعي واقتصادي صامت.
إنها مشكلة دولة تفتح بنفسها الثقوب التي يدخل منها خصومها. ولا أحد يُضعف الدولة من الخارج إذا كانت صلبة من الداخل. ولا أحد يحول التسريب إلى قنبلة سياسية إذا لم تكن المواد القابلة للاشتعال متراكمة أصلا في بنية التدبير، وفي صورة النخب، وفي ضمير الناس.
المشكلة ليست في “جبروت” نفسها، بل في هذه القابلية الداخلية لأن تصبح حدثا سياسيا بهذا الحجم. فلو كانت الثقة قوية، والمؤسسات شفافة، وآليات المحاسبة فعالة، والمسافة واضحة بين الدولة وبين الاغتناء من المسؤوليات، لتحول جزء كبير من هذه المواد، مهما كانت خطورتها، إلى ملفات قضائية أو إدارية محددة.
لكنها في السياق الذي نعرفه تتحول إلى مؤشر جماعي على أن ما كان الناس يهمسون به منذ سنوات صار يجد، اليوم، لغة أشد قسوة ووقاحة وانتشارا.
لغة لا تتورع عن خلط الحقيقي بالمحتمل، والمثبت بالمفترض، لكنها تنجح لأنها تجد جمهورا سبق أن فقد جزءا كبيرا من ثقته، ليس في السياسيين وحدهم، بل في قدرة الدولة نفسها على أن تقول الحقيقة.
ومثلما يستدعي الموقف الحذر من خدمة أجندات غامضة وغير معروفة المصدر، ينبغي الحذر أيضا من الارتماء في خطاب تخويفي، يعتبر أن أي كشف أو مساءلة أو نقاش حول ثروات أو تضارب مصالح أو امتيازات أو علاقات مشبوهة، هو خدمة مجانية لأعداء الدولة.
هذا منطق انتحاري، لأنه يقود في النهاية إلى تحصين الفساد نفسه باسم حماية المؤسسات. وما أكثر الدول التي ظنت أنها تقوي نفسها بالتستر على أعطابها، فإذا بها تمنح أعداءها أداة العمل الأساسية، من خلال توسيع الهوة مع المجتمع.
الدولة لا تقوى حين تصمت على الاغتناء غير المبرر، ولا حين تحمي النخب التي استثمرت فيها طويلا رغم أن كلفتها الرمزية والأخلاقية صارت أعلى من منفعتها، ولا حين تترك الرأي العام يتخبط بين التسريب والصمت. الدولة تقوى حين تجعل من نفسها، هي أولا، أداة فرز ومساءلة وتطهير.
لهذا فإن الطريق الوحيد الجدي لتقوية الدولة ليس تكثيف الخطب عن هيبتها، ولا شحن الرأي العام ضد “الاستهداف الخارجي” المحتمل، ولا إحاطة نفسها أكثر بالشبكات التي كانت، إلى وقت قريب، تعتبر جزءا من عدتها السياسية والاجتماعية.
الطريق الوحيد هو تخليق التدبير العمومي بالفعل، لا بالشعارات. أي إعادة نقله إلى قاعدته الطبيعية المسيّجة بالدستور، والقانون، والإرادة الشعبية، والمؤسسات المنتخبة الحقيقية، والأحزاب التي تقوم بوظيفة التأطير والانتقاء وتحمل المسؤولية والخضوع للمحاسبة.
حين تُفرغ الأحزاب من معناها، وتُستبدل بالنخب الوظيفية، وتُوزع مواقع النفوذ بمنطق القرب والولاء، ويُترك للشأن العام أن يدار كأنه امتداد مرن لمصالح خاصة، فإننا لا نُضعف المجتمع فقط، بل نُضعف الدولة نفسها، ونجرّدها من حصانتها الأخلاقية.
لقد صار واضحا أن كلفة مأسسة الفساد لا تقاس بما يبتلعه من المال العام فقط، بل بما يتركه من تصدعات في صورة الدولة وسلطتها المعنوية.
الدولة، في النهاية، ليست مجرّد أجهزة وقوانين ووزارات وأختاما. الدولة أيضا اعتقاد عام بأنها تقوم على قاعدة من الإنصاف والشرعية والفصل بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة.
وإذا اهتز هذا الاعتقاد، صار كل تسريب أقوى من ألف بلاغ، وكل وثيقة منسوبة أخطر من مئة خطاب، وكل قناة غامضة أقدر على التشويش من مؤسسة رسمية كاملة. ليس لأن القناة قوية بالضرورة، بل لأن الجدار الذي تضربه صار مليئا بالثقوب.
لسنا مجبرين على أن نختار بين الدولة والحقيقة. بل علينا أن نفهم أن الحقيقة هي آخر ما يحمي الدولة.
ومن لا يفهم هذا اليوم، سيواصل الخلط بين الدفاع عن الدولة، والدفاع عن الذين يحفرون، منذ سنوات، في جدارها الأخير.