تتجاوز 7 مليارات درهم.. حصيلة استثمارات الشراكة الخضراء بين المغرب والاتحاد الأوروبي سنة 2026
سلط دانييل دوتو، نائب رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في المملكة المغربية، الضوء على محاور الشراكة الخضراء الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، وذلك على هامش ندوة صحافية عقدت اليوم الثلاثاء 14 أبريل بالدار البيضاء.
وتأتي هذه الشراكة في قلب “ميثاق المتوسط” الذي أطلقه الاتحاد الأوروبي عام 2025، كإطار إقليمي شامل ينظم العلاقات بين أوروبا وشركائها العشرة في الضفة الجنوبية للمتوسط، مرتكزا على ثلاثة أعمدة رئيسية هي: المواطنون، الاقتصاد، وكذا الأمن.
وتُعد “الشراكة الخضراء بين المغرب والاتحاد الأوروبي”، الموقعة عام 2022، الاتفاق الثنائي الأكثر طموحا في المنطقة، حيث تكرس جهودها بالكامل لتعزيز العمل المناخي، وتطوير الطاقة المتجددة، ودعم الاقتصاد الأخضر، مما يضع المغرب في موقع الشريك الريادي الذي يتمتع بإطار ثنائي فريد إلى جانب الإطار الإقليمي المتوسطي.
وفي كشفه عن الأرقام الدالة على حجم هذا التعاون، أكد دوتو أن الميزانية الإجمالية المخصصة لمشاريع الشراكة الخضراء قد تجاوزت 7 مليارات درهم منذ توقيع الاتفاقية وحتى عام 2026، مما يعكس حجم الاستثمارات بين الطرفين.
ولا يقتصر طموح هذه الشراكة على البعد البيئي المحض، بل باتت تتغلغل في جوهر العلاقات الثنائية، حيث تدعم استثمارات نوعية مشاريع البنية التحتية المستدامة، كتحديث السكك الحديدية، وتخضير الموانئ، وإزالة الكربون من العمليات الصناعية لخفض الانبعاثات، بالإضافة إلى تحويل قطاع السياحة نحو نماذج مسؤولة تعتمد على “السياحة الزراعية” والزراعة التجديدية.
وفي سياق التحديات التجارية، نبهت بعثة الاتحاد الأوروبي بالمغرب إلى ضرورة تكيف المملكة مع المعايير البيئية الأوروبية الجديدة، بما في ذلك متطلبات الاقتصاد الدائري، والتصميم البيئي للمنتجات، وتسعير الكربون، ومعايير مكافحة إزالة الغابات، وذلك لضمان الحفاظ على تنافسية الصادرات المغربية في الأسواق الأوروبية.
وعلى صعيد المعرفة والابتكار، يتعزز التعاون من خلال برامج رائدة مثل “إيراسموس+” للتبادل الأكاديمي، وبرنامج “بريما” للبحث العلمي، الذي يجمع اليوم 230 مؤسسة حول 137 مشروعا مبتكرا تركز على تدبير المياه، والزراعة المستدامة، والنظم الغذائية في حوض المتوسط.
كما يترسخ التحول الأخضر نحو نماذج اقتصادية أكثر استدامة كركيزة مركزية وعرضية للحوار والتعاون الاستراتيجي بين الاتحاد الأوروبي والمغرب.
في غضون ذلك، تتجسد الشراكة المغربية الأوروبية في مشاريع ملموسة على أرض الواقع، لعل أبرزها محطة طاقة الرياح “جبل الحديد” بالصويرة، التي تُعد ثمرة تعاون وثيق بين الاتحاد الأوروبي، وبنك الائتمان الألماني، وكذا بنك الاستثمار الأوروبي والشركاء المغاربة كالمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، والوكالة المغربية للطاقة المستدامة.
وقد ساهمت هذه المحطة، بحسب بعثة الاتحاد الأوروبي في إضافة 270 ميجاوات إلى الشبكة الوطنية، مدعومة بمنحة أوروبية بلغت 162 مليون درهم؛ وهو ما أثمر عن خلق أكثر من 300 فرصة عمل محلية وتوليد إيرادات اقتصادية تجاوزت 21 مليون درهم للمنطقة، مما يعكس الأثر الاجتماعي المباشر للاستثمارات الخضراء.
ويتكامل هذا الدعم مع برنامج “الطاقة الخضراء”، الذي تبلغ قيمته 649 مليون درهم، والذي يركز بشكل جوهري على رفع حصة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء المغربي، لتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي يشكل عبئا اقتصادياً وبيئيا ثقيلا على كلا الطرفين، بحسب المتدخلون.
وعلى مستوى الصناعة، لا يتوقف العمل عند “اخضرار” مصادر الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل تغيير أنماط الإنتاج ذاتها، حيث يساعد برنامج “إزالة الكربون والقدرة على الصمود المناخي”، المنفذ من قبل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وبدعم من الاتحاد الأوروبي، الشركات المغربية على تمويل الانتقال نحو عمليات إنتاج أقل استهلاكا للكربون.
وفيما يتعلق بالجانب التجاري، تفرض آلية “تعديل حدود الكربون” التي دخلت مرحلتها النهائية في يناير 2026 تحديات جديدة، حيث تهدف إلى منع “تسرب الكربون” وضمان تكافؤ الفرص بين الصناعات الأوروبية ونظيراتها الأجنبية في قطاعات استراتيجية كالصلب، والألومنيوم، والإسمنت، والأسمدة، والكهرباء، والهيدروجين.
وفي هذا السياق، شدد المتدخلون على الاتحاد الأوروبي يهدف إلى تحقيق ما يصطلح عليه “الحياد الكربوني” بحلول عام 2050، مع وضع هدف يتمثل في خفض الانبعاثات بنسبة لا تقل عن 55 في المائة بحلول عام 2030، وبنسبة 90 في المائة بحلول عام 2040 وذلك في إطار هيكلي يعتمد على “الصفقة الأوروبية الخضراء” أو “Green Deal”.
وأما المغرب، فقد حدد في “مساهمته المحددة وطنيا” التي تم تحديثها عام 2025 هدفا يتمثل في خفض انبعاثاته بنسبة 53 في المائة بحلول عام 2035، ويندرج هذا الالتزام ضمن إطار استراتيجي يتمحور بشكل خاص حول الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة.
وتنظر الرباط وبروكسل إلى هذه الآلية كفرصة استراتيجية للمغرب لتثمين جهوده في الانتقال الطاقي، حيث شهدت الفترة ما بين 2023 و2026 عمليات دعم ومواكبة مكثفة للفاعلين الاقتصاديين المغاربة؛ لتمكينهم من التكيف مع هذه المعايير والحفاظ على تنافسية صادراتهم في السوق الأوروبية.
ويبرز الهيدروجين الأخضر كركيزة مستقبلية في هذه الشراكة، حيث يمتلك المغرب بفضل إشعاعه الشمسي وموارده الريحية إمكانات تؤهله ليكون مركزا إقليميا لإنتاج وتصدير هذه الطاقة النظيفة، مما يجعله شريكا حيويا لأوروبا في مساعيها لإزالة الكربون من قطاعات الصناعة والنقل الثقيل.
وفيما يتعلق بالبرنامج الإقليمي (MED-GEM)، يتعاون الاتحاد الأوروبي والمغرب بهدف تطوير الإطار التنظيمي لسوق الهيدروجين، وذلك عبر مبادرات مبتكرة تشمل تنظيم “هاكاثونات” متخصصة، وإنشاء مكتب استشاري لدعم التنظيم، بالإضافة إلى دعم أول عملية اعتماد مسبق لمشروع هيدروجين أخضر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو المشروع الذي تقوده مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط.