بعد إنجازات “الأسود”.. تقرير يدعو إلى تحويل الزخم الرياضي إلى مكسب مؤسساتي دائم
اعتبر تقرير تحليلي أن الإنجازات التي حققها المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم خلال السنوات الأخيرة لم تقتصر على بعدها الرياضي، بل أسهمت في إعادة تشكيل صورة المغرب لدى الرأي العام الدولي، بعدما تحول “أسود الأطلس” إلى أحد أبرز روافد القوة الناعمة للمملكة، داعيا إلى استثمار هذا الرصيد ضمن رؤية مؤسساتية تضمن استدامة أثره مع اقتراب احتضان كأس العالم 2030.
وأوضح التقرير، الصادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة تحت عنوان “المغرب والمونديال.. بين الإنجاز الرياضي والزخم الإعلامي وبناء القوة الناعمة”، أن الصورة التي رسمها المنتخب المغربي في المحافل الدولية تجاوزت حدود النتائج الرياضية، لتقدم للملايين حول العالم نموذجا يعكس قيم التماسك الأسري، والانضباط، والتواضع، والانفتاح، وهو ما منح المغرب حضورا إعلاميا ورمزيا يصعب تحقيقه عبر الحملات الترويجية التقليدية وحدها.
وأشار التقرير، الذي توصلت صحيفة “صوت المغرب” بنسخة منه، إلى أن مشاهد احتفال اللاعبين مع أمهاتهم، واحترامهم لخصومهم، وتعبيرهم عن انتمائهم الوطني، ساهمت في نقل رسائل إنسانية وثقافية تجاوزت لغة كرة القدم، وأسهمت في تعزيز صورة المغرب باعتباره بلدا يجمع بين الأصالة والانفتاح، وهو ما جعل الإنجاز الرياضي يتحول إلى رأسمال رمزي يتجاوز حدود الملاعب.
ورأى معدو الوثيقة أن هذه التحولات تؤكد أن الرياضة أصبحت إحدى أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيرا في العصر الحديث، بالنظر إلى قدرتها على الوصول إلى جماهير عالمية واسعة، وصناعة انطباعات إيجابية يصعب تحقيقها بالوسائل الدبلوماسية أو الاتصالية التقليدية وحدها، خاصة عندما تقترن الإنجازات الرياضية بقيم إنسانية تلقى صدى لدى الرأي العام الدولي.
وفي المقابل، نبه المصدر إلى أن هذا الرصيد الرمزي لا يضمن، بمفرده، تحقيق مكاسب طويلة الأمد، معتبرا أن الإنجاز الرياضي يمثل فرصة ينبغي تحويلها إلى مشروع متكامل يشمل الإعلام والثقافة والسياحة والدبلوماسية والاقتصاد، حتى يتحول الزخم الذي صنعه المنتخب إلى قوة ناعمة مستدامة تخدم صورة المغرب ومصالحه الإستراتيجية.
وأكدت الوثيقة أن الدول التي نجحت في استثمار الأحداث الرياضية الكبرى لم تكتف بالاحتفاء بالنتائج داخل الملاعب، وإنما عملت على تحويلها إلى أدوات لتعزيز الجاذبية الدولية، واستقطاب الاستثمارات، وتنشيط السياحة، وبناء سردية وطنية قادرة على الاستمرار بعد انتهاء المنافسات.
واعتبر التقرير أن المغرب يمتلك اليوم فرصة استثنائية مع اقتراب تنظيم كأس العالم 2030، غير أن نجاح هذا الموعد لن يقاس فقط بجاهزية البنيات التحتية، وإنما أيضا بمدى قدرة مختلف الفاعلين على توظيف الزخم الرياضي في ترسيخ صورة المملكة باعتبارها فضاء للثقافة والتسامح والانفتاح والابتكار.
وشدد التقرير على أن الانتقال من نجاح المنتخب إلى نجاح مشروع القوة الناعمة يقتضي اعتماد رؤية مؤسساتية مندمجة، تجعل من الرياضة مدخلا لبناء صورة متماسكة للمغرب، بدل الاكتفاء بالتفاعل مع الإنجازات الرياضية بوصفها أحداثا ظرفية تنتهي بانتهاء المنافسات.
وفي نفس السياق ، اعتبرت الوثيقة أن تحقيق أقصى استفادة من الزخم الذي صنعه المنتخب الوطني يمر عبر بناء سردية وطنية متماسكة، قادرة على تقديم المغرب للعالم بصورة تتجاوز نتائج المباريات، من خلال إبراز مقوماته الثقافية والحضارية والاقتصادية والإنسانية، بما يجعل الرياضة مدخلا للتعريف بالمملكة وليس غاية في حد ذاتها.
ولفت التقرير إلى أن الإعلام يعد أحد أهم الفاعلين في هذه العملية، ليس فقط من خلال تغطية المنافسات الرياضية، وإنما عبر تحويل الاهتمام العالمي الذي يرافق البطولات الكبرى إلى فرصة لسرد قصص المغرب، والتعريف بتاريخه وتنوعه الثقافي ومؤهلاته السياحية والاستثمارية، بما يضمن استمرار الأثر الإيجابي بعد انتهاء المنافسات.
وفي هذا الإطار، شددت الوثيقة على أهمية إشراك الجالية المغربية في الخارج ضمن استراتيجية القوة الناعمة، معتبرة أنها لا تمثل فقط رافدا اقتصاديا من خلال تحويلاتها، وإنما تشكل جسرا للتواصل مع المجتمعات التي تعيش فيها، وقادرة على نقل صورة إيجابية عن المغرب إذا جرى إدماجها ضمن رؤية مؤسساتية واضحة.
كما دعا التقرير إلى الاستثمار في الرأسمال البشري، وخاصة فئة الشباب، من خلال تعزيز قيم المواطنة والانفتاح والعمل الجماعي التي أبرزها المنتخب الوطني، معتبرا أن نجاح التجربة الرياضية ينبغي أن يتحول إلى مصدر إلهام في مجالات أخرى، بما يرسخ ثقافة الإنجاز والتميز داخل المجتمع.
وفي سياق متصل، أكد معدو الوثيقة أن تنظيم كأس العالم 2030 يمثل فرصة تاريخية للمغرب، غير أن استثمارها يقتضي التنسيق بين مختلف القطاعات، من رياضة وسياحة وثقافة وإعلام ودبلوماسية، حتى يتحول الحدث العالمي إلى مشروع وطني يترك أثرا مستداما على صورة المملكة ومكانتها الدولية.
ونبه التقرير إلى أن الاقتصار على تطوير الملاعب والبنيات التحتية، رغم أهميته، لن يكون كافيا لتحقيق الأهداف المرجوة، إذا لم يواكبه استثمار مواز في المحتوى الثقافي والإعلامي، وفي بناء رواية متماسكة تعكس هوية المغرب وتبرز خصوصيته أمام الجمهور العالمي.
واعتبرت الوثيقة أن التجارب الدولية تبين أن الدول التي نجحت في تحويل الأحداث الرياضية الكبرى إلى مكاسب دائمة هي تلك التي ربطت الرياضة بمشاريع التنمية، والترويج السياحي، وتعزيز الحضور الثقافي والدبلوماسي، وهو ما يدعو، بحسب التقرير، إلى اعتماد مقاربة شمولية في التحضير لمونديال 2030.
وخلص التقرير إلى أن المنتخب الوطني منح المغرب فرصة استثنائية لتعزيز حضوره في الوعي العالمي، غير أن الحفاظ على هذا الرصيد وتطويره يظل رهينا بقدرة المؤسسات على تحويل الإنجاز الرياضي إلى مشروع متكامل للقوة الناعمة، يضمن استمرار تأثيره بعد إسدال الستار على البطولات، ويجعل من مونديال 2030 محطة لترسيخ مكانة المملكة.