برج محمد السادس.. مدينة رأسية تجمع بين المكاتب والفنادق والفضاءات الفنية
تعزز المشهد العمراني بضفتي أبي رقراق، يوم الإثنين 13 أبريل 2026، بالافتتاح الرسمي لـ”برج محمد السادس” من طرف الأمير مولاي الحسن، ليكون هذا الصرح بمثابة منارة حضارية مشعة تطل على العدوتين، الرباط وسلا، وتجسد طموحات المغرب في ترسيخ نموذج تنموي منفتح على عمقه الإفريقي والدولي.
وبفضل علوه الذي يبلغ 250 مترا، يتربع هذا المشروع على عرش أعلى قمة معمارية على الصعيد الوطني و القاري، محتلا مكانة مرموقة ضمن قائمة أطول الأبراج في القارة السمراء، ليكون ثمرة رؤية استثمارية قادها رجل الأعمال عثمان بنجلون، رئيس مجموعة “O CAPITAL GROUP”، تماشيا مع الرؤية الملكية لنهضة الحواضر المغربية.
وتعود جذور هذا الطموح المعماري إلى فاتح نونبر من سنة 2018، تاريخ انطلاق الأشغال التي استمرت لنحو ثماني سنوات من العمل الدؤوب، حيث تضافرت جهود كفاءات وطنية ودولية لإخراج هذا المشروع إلى الوجود، بعد أن وُضع تصوره الأولي سنة 2014 ليكون بمثابة “صاروخ على منصة إقلاعه”، في إشارة رمزية لمسار المغرب نحو المستقبل.
ومن الناحية الهندسية، أشرف المهندس الإسباني رافائيل دي لاهوز إلى جانب المغربي حكيم بنجلون على تصميم البرج، ليكون معلما مرئيا بوضوح من مسافة تصل إلى 60 كيلومترا، موفرا إطلالات بانورامية خلابة على المحيط الأطلسي ومعالم العاصمة، ومزاوجا بين عراقة التراث المغربي وأحدث صيحات التكنولوجيا المعاصرة.
ويمتد البرج على مساحة إجمالية شاسعة تناهز 102.800 متر مربع، حيث يتكون من 55 طابقا صُممت لتكون “مدينة رأسية” متعددة الاستخدامات، تضم مكاتب عصرية مجهزة، وشققا سكنية فاخرة، إضافة إلى فندق من الطراز الرفيع يحمل علامة “Waldorf Astoria” العالمية، وفضاءات مخصصة للعروض الثقافية.
وفي الطابق الأرضي، يفتح البرج آفاقا سياحية واقتصادية من خلال توفير مطاعم وقاعات للمؤتمرات ومعارض فنية، إلى جانب ممر مائي يتيح الولوج المباشر لنهر أبي رقراق، معززا بذلك الربط بين المنشأة ومحيطها الطبيعي والبيئي في قلب العاصمة الإدارية للمملكة.
وعلى مستوى النجاعة التقنية، استند بناء البرج تحت إشراف شركتي “BESIX” و”TGCC” إلى مفهوم “Shell & Core”، الذي يقوم على تجميع الوظائف التقنية في نواة غير مركزية، مما سمح بخلق مساحات مفتوحة وواسعة في الواجهة الشمالية مغمورة بالضوء الطبيعي عبر واجهة ستائرية خفيفة ومبتكرة.
ولم يغفل المشروع الجانب البيئي؛ إذ تضم الواجهة الجنوبية طبقة مزدوجة من الألواح الشمسية عالية الأداء على مساحة 3900 متر مربع، تساهم في إنتاج الطاقة النظيفة وتوفر حماية حرارية، وهو ما مكن البرج من نيل شهادتي “LEED” الذهبية و”HQE” الدولية تقديرا لالتزامه بالمعايير البيئية العالية في تدبير المياه والنفايات.
وفي قمة هذا الصرح، وتحديدا في الطابق الخمسين، يجد الزائر مرصدا متطورا يتيح استكشاف التراث التاريخي لضفتي النهر عبر تقنيات رقمية تفاعلية، مما يحول الزيارة إلى تجربة سياحية ومعرفية فريدة تربط بين المشهد العمراني الحديث والجذور التاريخية للمنطقة.
كما يحتضن الطابق الحادي والخمسون قمرة زجاجية بارتفاع 22 مترا، تأوي معرض “السماء تتكلم العربية”، وهو فضاء مخصص للاحتفاء بالإسهامات العلمية والفلكية للحضارة العربية الأندلسية، مما يمنح البرج بعدا ثقافيا غائرا في الذاكرة الحضارية المشتركة، ويربط بين الموروث العلمي وآفاق الابتكار.
ولم تقتصر اللمسة الفنية على الهيكل الخارجي، و إنما امتدت للداخل عبر مسار فني يضم 7000 عمل إبداعي شارك في إنجازها 314 فنانا، بإشراف من المهندس بيير إيف روشون، حيث تتوزع منحوتات عملاقة وجداريات وزخارف جبسية تقليدية تعكس مهارة “المعلم” المغربي وتناغمها مع الخطوط المعمارية الحديثة.
وبهذا الافتتاح، يرسخ برج محمد السادس حضوره كمعلمة معمارية كبرى على ضفتي أبي رقراق، ورمز جديد لرهان المغرب على الحداثة المستدامة، في انسجام بين الطموح الاقتصادي والهوية الثقافية والانفتاح على المستقبل.