story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

المغاربة بين 1998 و2026

ص ص

قبل 28 عاما، في مونديال فرنسا 1998، كنا نلعب مباراتنا الثالثة في الدور الأول ضد اسكتلندا، ونفوز عليها بتلك الثلاثية الشهيرة، بينما كانت البرازيل “تتواطأ” (كما اعتقدنا) مع النرويج ليتأهلا معا ويتركا لنا مرارة الحسرة والشعور بالغبن.

وبما أن احتفالنا ليلة أمس بمرور الكبار إلى الدور الثاني لم يكن جديدا علينا، بل فعلناها للمرة الثانية على التوالي، وبينهما فوز بكأس إفريقيا، وإن كان الأمر لم يحسم بعد على الورق؛ فإن الحكاية بين 1998 و2026، في عمقها، ليست حكاية مباراة كرة قدم، ولا ترتيب مجموعة، ولا حساب نقط، ولا عبور إلى الدور الثاني بعد انتظار طويل.

إنها، قبل كل شيء، مسافة بين مغربين. مغرب كان يخرج من كأس العالم وفي حلقه غصة الممكن الذي لم يتحقق، ومغرب صار يدخل المنافسة وهو يعتقد أن الممكن لم يعد سقفا أعلى، بل نقطة انطلاق.

في 1998، خرج المغرب من الدور الأول ثالثا، خلف البرازيل واسكتلندا، بعدما لعب كرة جميلة وترك انطباعا جيدا، لكنه بقي، في النهاية، خارج الحساب. وكان في ذلك الخروج شيء من قدر تلك المرحلة، أي أن نلعب جيدا، ونصفق لأنفسنا، ونرضى بشهادة الآخرين، ثم نعود إلى البيت ونحن نردد العبارة القديمة نفسها: “لقد شرّفنا الكرة المغربية”.

أما اليوم، في مغرب 2026، فإن الصورة انقلبت بما يكفي لكي تصبح المقارنة مؤلمة ومشرقة في الآن نفسه. اليوم يحصل المغرب على عدد النقط نفسه الذي حصلت عليه البرازيل، ويترك اسكتلندا خلفه، ويعبر، ليس بوصفه ضيفا لطيفا على البطولة، ولا فريقا جميلا يستحق التعاطف، بل بوصفه منتخبا يطالب بحقه في النتيجة، وفي الاعتراف.

سنترك النقاش الرياضي لأهله. وللمختصين تحليل الخطط، والاختيارات التقنية، ومواقع اللاعبين، وطريقة الضغط، والتحولات التكتيكية، وحسابات المدرب محمد وهبي. لكن ما يهمنا هو أن هذا التحول لا يمكن تفسيره رياضيا فقط.

فالبطولة الوطنية، بكل صدق، لم تعرف ذلك التطور البنيوي الهائل الذي يسمح بتفسير هذا التطوّر في الحضور العالمي. والقاعدة الشعبية لكرة القدم، في الأحياء والملاعب القريبة من الناس، لم تتوسع كما كان ينبغي، بل إن كثيرا من فضاءات اللعب العفوي اختفت أو ضاقت أو تحولت إلى إسمنت ومواقف سيارات ومشاريع عقارية.

مع ذلك، لا ينبغي أن نجحف ما تحقق في تدبير المنتخبات الوطنية. لا يمكن إنكار أثر العمل المؤسساتي، ولا دور ما يسميه فوزي لقجع “المشروع الرياضي”، ولا فعالية استقطاب وتأطير أبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وربطهم عاطفيا ورمزيا بقميص المنتخب. هذه كلها عناصر حقيقية ومهمة، وقد أعطت ثمارها. غير أن ما وقع أعمق من مجرد هندسة رياضية ناجحة. لقد وقع تحول في العقلية، وفي الشخصية المغربية نفسها.

المغربي الذي وُلد بعد 1998 ليس نسخة من المغربي الذي سبقه. لم يعد يحمل في داخله ذلك القدر نفسه من الحذر الوجودي أمام العالم، ولا تلك الرهبة القديمة من مواجهة الآخر، ولا ذلك الميل إلى تسقيف الأحلام قبل أن تبدأ.

المغربي الجديد لم يعد يعتقد أن الطموح الكبير نوع من الوقاحة، ولا أن العالمية امتياز يولد به الآخرون وحدهم، ولا أن أقصى ما يمكن أن يفعله هو أن يقترب من المركز، سواء كان مركز العالم أ ومركز المغرب، ثم يعتذر عن إزعاجه.

جيل جديد وُلد وهو يرى مغاربة في أوروبا، وفي أمريكا، وفي الخليج، وفي إفريقيا، وفي المنصات الرقمية، وفي الملاعب، وفي المختبرات، وفي الشركات، وفي الإعلام، وفي الفنون، وفي التجارة، وفي التكنولوجيا. جيل لم يعد يتخيل العالم من بعيد، بل يراه على هاتفه، ويتكلم معه، وينافسه، ويتعلم منه، ويسخر منه أحيانا.

جيل لا يرى في الهجرة نهاية المطاف، ولا في الوظيفة العمومية وحدها ضمانة للكرامة، ولا في تكرار مسار الآباء والأجداد قدرا لا فكاك منه.

هذا المغربي الجديد يولد وفي عينيه حلم بالعالمية، وبالنجومية، وبالذهاب بعيدا، بلا حدود مسبقة. قد يكون هذا الحلم مرتبكا أحيانا، وقد يختلط بالوهم أو الاستعراض أو السعي وراء الشهرة السريعة، لكنه، في جوهره، علامة على شيء عميق، وهو أن الشخصية المغربية لم تعد تتصالح بسهولة مع موقع الهامش.

في 1998، كانت الهزيمة المغلفة بالجمال قابلة للهضم. أما اليوم، فلم تعد كذلك. في 1998، كان الخروج المشرف يكفي لصناعة نوع من الرضا الجماعي. واليوم، صار الخروج نفسه مدعاة للمساءلة والغضب. وهذا وحده يكشف التحول الحقيقي.

إن كرة القدم، في مثل هذه اللحظات، لا تعكس مستوى الرياضة وحده، بل تكشف شيئا من المزاج الوطني العام. وحين يدخل لاعب مغربي إلى الملعب دون عقدة أمام برازيلي أو أوروبي أو نجم عالمي، فهو لا يفعل ذلك باسمه وحده. بل يحمل معه جزءا من تحول أشمل، لمغربي صار أقل استعدادا لقبول الدونية.

صحيح أن المغرب لم يحل كل مشاكله. وصحيح أيضا أن هذا التحول في العقلية لم يتحول بعد إلى عدالة اجتماعية كاملة، ولا إلى مدرسة قوية، ولا إلى اقتصاد يمنح لكل شاب فرصة عادلة، ولا إلى فضاءات عمومية تحفظ حق الأطفال في اللعب والحلم. لكن صحيح أيضا أن شيئا ما تغير في الداخل. لم تعد الذات المغربية تنظر إلى نفسها بالمنظار القديم نفسه. لم تعد تقبل بسهولة أن تكون وظيفتها هي المحاولة فقط، أو الاقتراب فقط، أو تمثيل العرب والأفارقة بشرف ثم الانسحاب.

لهذا، فإن المقارنة بين 1998 و2026، مهما خالطها الحنين والشعور الشخصيان، ليست مقارنة بين منتخبين فقط، بل بين وعيين. وعي كان يطلب الاعتراف من الآخرين، وآخر صار ينتزع الاعتراف.

بين البرازيل واسكتلندا في 1998، والبرازيل واسكتلندا في 2026، لم تتغير وجوه الخصوم فقط، بل تغير المغربي الذي يواجههم. وهذا هو الأهم. لأن الانتصار الحقيقي لا يبدأ من سبورة النتائج، بل من تلك اللحظة الصامتة التي يقرر فيها الإنسان، فردا كان أو شعبا، أنه لم يعد أصغر من حلمه.