story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

العالم الذي (لا) ينتظرنا

ص ص

تعلّقت أنظار العالم في اليومين الماضيين بالقمة الأمريكية الصينية بعد وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين. زيارة لم تكن مجرد صورة أخرى لرئيس أمريكي يمرّ من بوابة بكين العظيمة، بل كانت لحظة اعتراف.

اعتراف أمريكي، وإن جاء ملفوفا بالابتسامات والمآدب وكلمات المجاملة، بأن العالم الذي خرج من الحرب الباردة بزعيم واحد لم يعد موجودا كما كان.

في مقابل اعتراف صيني، وإن جاء محمولا على صلابة شي جين بينغ وبرودة لغته في ملف تايوان، بأن الصعود إلى مرتبة القوة العظمى لا يعني غياب الحاجة إلى التهدئة، ولا القدرة على حكم العالم دون دفع كلفة الاضطراب.

لم يجلس ترامب أمام خصم يمكن إخضاعه بالتعريفة الجمركية، ولا جلس “شي” أمام إمبراطورية واثقة كما كانت واشنطن في بداية القرن. بل جلس الرجلان إلى طاولة واحدة لأن كلا منهما يعرف أن الآخر صار “شرا لابد منه”، وشريكا غير موثوق.. لا حبّ ولا قطيعة بين الكبار.

كان ترامب، في ولايته الأولى، قد بنى جزءا كبيرا من عقيدته السياسية على فكرة أن الصين سرقت أمريكا، وأن الانفتاح عليها كان أكبر سذاجة ارتكبتها النخبة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة.

ولم تكن الكتابات التي جمعتها إدارته في كتاب حمل عنوان “ترامب حول الصين: أمريكا أولا”، مجرد خطابات انتخابية، بل شكّلت محاولة لصياغة عقيدة حول تلك الصين التي لم تتحول، كما راهن الغرب، إلى نسخة رأسمالية أكثر ليبرالية مع الزمن؛ بل استعملت السوق لتقوية الدولة، واستعملت العولمة لبناء النفوذ، واستعملت التكنولوجيا والتجارة والصناعة كي تتحول إلى ندّ للولايات المتحدة.

لكن الرجل الذي دخل البيت الأبيض وهو يلوّح بالعصا في وجه بكين، عاد إليها اليوم وهو يحمل “طلبات” كثيرة في حقيبته. فهو يحتاج إلى تهدئة في التجارة حتى لا تخنق الأسعار ناخبيه عشية انتخابات التجديد النصفي، ويحتاج إلى الصين في ملف إيران وهرمز، ويحتاج إلى عدم تفجير تايوان في وجهه لأن حربا هناك ستخلّف زلزالا في الاقتصاد العالمي…

من جهته، لم يذهب شي جين بينغ إلى اللقاء كي يقدّم تنازلات مجانية. فالصين لم تعد دولة تنتظر شهادة حسن سلوك من واشنطن. وهي اليوم مصنع العالم، وورشة انتقاله الطاقي، ومصفاة معادنه النادرة، وحاضنة جزء كبير من سلاسل إنتاجه، من الألواح الشمسية إلى السيارات الكهربائية والبطاريات، ومن الموانئ إلى البنى التحتية.

لكن بكين تعرف أيضا أن قوتها الهائلة يمكن أن تتحوّل إلى عبء إن انكسر النظام الذي سمح لها بالصعود. فهي، مثل واشنطن، تحتاج إلى الأسواق، وإلى الممرات البحرية، وإلى عدم انهيار الشرق الأوسط بشكل يهدد النفط الذي تبتلعه مصانعها.

لذلك كان خطاب الرئيس الصيني مزدوجا، يد ممدودة للاستقرار، وإصبع مرفوعة في وجه واشنطن حين يتعلق الأمر بتايوان.

وبينما كان أقوى رجلين في العالم يتبادلان المجاملات والوعيد، كان العالم كله حاضرا في القاعة.

تايوان كانت هناك، حتى حين صمت عنها البيان الأمريكي. وإيران كانت حاضرة من بوابة هرمز. وأوكرانيا وكوريا والرقائق والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والزراعة الأمريكية، كلها كانت تملأ الطاولة.

حتى المغرب، بموقعه الجغرافي البعيد عن الطرفين، ليس متفرجا محايدا في هذا التحول. هو بلد يريد أن يكون قريبا من أوروبا دون أن يذوب فيها، ومنفتحا على الصين دون أن يصبح تابعا لها، وشريكا استراتيجيا لواشنطن دون أن يتحول إلى ذيل لخياراتها، وحاضرا في إفريقيا دون أن يكتفي بدور “البوابة”.

تخبرنا زيارة ترامب إلى الصين بكون العولمة لم تمت، لكن العالم لم يعد قرية سعيدة تتبادل السلع تحت مظلة التجارة الحرة، كما تم تبشيرنا طويلا.

لقد صار العالم شبكة مصالح خشنة، كل دولة كبرى تحاول أن تعرف ما الذي تملكه كي تضغط به، وما الذي تحتاجه كي لا تُبتزّ من خلاله.

الصين تملك المعادن والتصنيع والأسواق وسلاسل القيمة. وأمريكا تملك الدولار والجيش والرقائق المتقدمة والتحالفات. وأوروبا تملك المعايير والسوق. ودول الخليج تملك الطاقة والمال… أما الدول المتوسطة، مثل المغرب، فلا تملك ترف الخطأ. عليها أن تختار لا بانفعال ولا دهشة ولا خطابة.

سيكون من الخطأ أن نتصور اليوم أن المطلوب هو أن نكون مع أمريكا ضد الصين، أو مع الصين ضد أمريكا، أو أن نستمتع بضعف الغرب كما لو أن ذلك سيصنع قوتنا. هذا تفكير صغير في عالم كبير. مصلحة المغرب ليست في أن يصفق لانكسار أي طرف، بل في أن يفهم كيف يعيد توزيع أوراقه بين الأطراف.

نحن بحاجة إلى أمريكا أمنيا وتكنولوجيا واستثماريا. وبحاجة إلى الصين صناعيا وتجارية وطاقيا. وبحاجة إلى أوروبا لأنها سوقنا الطبيعية ومجالنا القريب. وبحاجة إلى إفريقيا لأنها عمقنا السابق-القادم.

عالم ما بعد زيارة ترامب للصين سيكون أقل أيديولوجية مما نتصور، وأكثر قسوة مما نحب. قد يكثر فيه الحديث عن الاستقرار الذي أصبح سلعة يفاوض عليها الكبار.

ستقول الصين لأمريكا: لا تلعبوا بتايوان إن أردتم تجارة وطاقة وتهدئة. وستقول أمريكا للصين: لا تخنقوا الرقائق والمعادن ولا تساعدوا خصومنا إن أردتم السوق والدولار والاستثمار. وسيسأل الأوروبيون أنفسهم كل صباح إن كانوا قوة أم مجرد سوق ضخمة ذات ضمير قلق. أما بقية العالم، فستحاول أن تمر بين الأقدام العملاقة دون أن يُسحق.

هذه ليست دعوة إلى الخوف، بل إلى اليقظة. فالدول لا تختار دائما زمنها، لكنها تستطيع أن تختار طريقة دخولها إليه. أمامنا فرصة، لكنها ليست مضمونة. يمكن للمغرب أن يستفيد من إعادة ترتيب سلاسل التوريد، ومن قربه من أوروبا، ومن علاقاته مع أمريكا، ومن انفتاحه على الصين، ومن موقعه الأطلسي والإفريقي، ومن انتقال العالم نحو الطاقة النظيفة.

لكنه يمكن أيضا أن يتحول إلى مجرد محطة عبور، أو سوق استهلاك، أو ورشة منخفضة الكلفة، إن لم يعرف كيف يرفع سقف طموحه الصناعي والتكنولوجي والتعليمي.