مشروع قانون المحاماة يفجر خلافا بين النواب ووهبي حول “حرية الاحتجاج” بالمحاكم
شهدت أشغال مناقشة مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة بلجنة العدل والتشريع صداما محتدما حول المادة 50، ولا سيما الفقرة الثانية منها التي تنص على منع تنظيم الوقفات الاحتجاجية ورفع الشعارات داخل فضاءات المحاكم أثناء انعقاد الجلسات، وهو المقتضى الذي دعا النواب إلى حذفه باعتباره “تقييدا غير مبرر لحرية الاحتجاج”.
ورفض وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، تعديلات النواب بهذا الخصوص مؤكدا أن ضمان استمرارية سير العدالة داخل المحاكم يقتضي منع أي أشكال من التعطيل أو “البلوكاج” داخل قاعات الجلسات، قائلا إن الإضراب حق مكفول، لكن لا يمكن أن تكون هناك ما وصفها ب “السيبة”.
وتنص الفقرة الأولى من المادة على أنه “يمنع على المحامين أن يتفقوا فيما بينهم على أن يتوقفوا كليا عن تقديم المساعدة الواجبة عليهم إزاء القضاء سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات”، بينما أثارت الفقرة الثانية جدلا واسعا لارتباطها بتنظيم أشكال الاحتجاج داخل المحاكم.
وخلال النقاش، تساءل النائب البرلماني عن فريق الأصالة والمعاصرة محمد صباري، عن جدوى إدراج هذا المنع، موجها سؤالا للوزير حول وجود معطيات إحصائية دقيقة حول حالات احتجاج المحامين “بما يبرر تقنينه داخل القانون، ويطرح سؤال الحاجة الفعلية لهذا المقتضى”.
في السياق ذاته، دعت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة التامني، إلى حذف الفقرة الثانية بشكل كامل، معتبرة أن إدراجها في قانون منظم للمهنة غير مبرر، وأن الاحتجاج ورفع الشعارات حق دستوري ومكفول بالمواثيق الدولية.
وأضافت أن المحامين لا يلجؤون إليه (الاحتجاج) إلا في حالات استثنائية مرتبطة بالدفاع عن العدالة وحقوق المواطنين. وحذرت من أن “تكريس هذا المنع يمثل تضييقا على الحريات”.
في المقابل، دافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي بقوة عن الإبقاء على المقتضيات المتعلقة بمنع الاحتجاجات داخل المحاكم، معتبرا أن الإضراب حق مشروع، “لكن دون أن يتحول إلى وسيلة لمنع المحامين الآخرين من العمل أو تعطيل الجلسات”.
وقال في هذا السياق إن ما وقع خلال بعض الإضرابات السابقة تجاوز، بحسبه، حدود الاحتجاج، مضيفا أن “من أراد أن يمارس حقه في الإضراب فله ذلك، لكن لا يمكنه أن يمنع آخرين من ممارسة عملهم”، في إشارة إلى رفضه منع المحامين من دخول المحاكم أو حضور الجلسات.
واستحضر الوزير وقائع قال إنه عايشها وتتبعها خلال إضرابات سابقة، متحدثا عن مجموعات من المحامين كانت تتواجد داخل المحاكم لمنع انعقاد الجلسات، معتبرا أنه من غير المقبول أن يتحول الفضاء القضائي إلى مجال “للبلوكاج” وعرقلة السير العادي للمحاكم، والأصل هو “احترام الديمقراطية وحرية التعبير والتعددية”.
كما شدد وهبي على أن المحامي يمكنه الاحتجاج خارج المحكمة، لكن “أن يمنع زملاءه من العمل فهذا غير مقبول”، مضيفا أن “الهيئة القضائية محترمة ويجب احترامها”.
ونبه وزير العدل إلى آثار تعطيل الجلسات على حقوق المتقاضين، خصوصا المعتقلين، موردا أن تأخير الملفات بسبب الإضرابات قد يمتد لأشهر، وهو ما ينعكس مباشرة على أشخاص ينتظرون أحكاما قد تنتهي بالبراءة أو تتعلق بقضايا ثقيلة.
وقال في هذا الصدد إن هناك متهمين يواجهون عقوبات تصل إلى الإعدام أو ثلاثين سنة سجنا، بينما يتم تأخير ملفاتهم بسبب الشعارات والاحتجاجات داخل المحاكم، متسائلا “هذا المواطن المهدد بالسجن، أين هي حقوقه؟”.
كما قارن الوزير وضع المحاكم بقطاع الصحة، معتبرا أن الإضراب لا ينبغي أن يؤدي إلى شل المرافق الحيوية، قائلا إن “الأطباء عندما يضربون يتركون المستعجلات تعمل”، قبل أن يضيف أنه من غير المعقول منع محام من دخول المحكمة في وقت يكون فيه موكله معتقلا أو ينتظر جلسة حاسمة.
واستحضر في السياق ذاته حالات اجتماعية قال إنها تتضرر بشكل مباشر من تأخير الجلسات، من قبيل ملفات النفقة أو الأشخاص الموجودين رهن الاعتقال.
وأشار إلى وجود قرار صادر عن السلطة القضائية يعتبر التجمهر داخل المحكمة مخالفا للقانون، معتبرا أن حرية التعبير لا يمكن أن تتحول إلى مبرر لتعطيل العدالة أو المس بحقوق المتقاضين.
وفي محاولة لتقريب وجهات النظر، اقترح رئيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، سعيد بعزيز، صيغة وسطية تقضي بحصر المنع في “رفع الشعارات داخل قاعات الجلسات أثناء انعقادها”، بدل تعميمه على فضاءات المحاكم، غير أن هذا المقترح لم ينه الجدل.
ورفضت النائبة البرلمانية فاطمة التامني هذه الصيغة، معتبرة أن أي تقييد إضافي لحرية التعبير داخل الفضاء القضائي غير مقبول، وأن معالجة الإشكال يجب أن تتم عبر فهم أسباب الاحتجاج وليس بتقنين المنع، مؤكدة التمسك بحذف الفقرة كليا.
وفي غضون ذلك، صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات، في ساعات متأخرة من يوم الخميس 14 ماي 2026، على مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وذلك بعد التصويت عليه بأغلبية 16 صوتا مقابل 7 معارضين، دون تسجيل أي امتناع.
وتم بالمناسبة، الإبقاء على مقتضيات تمنع أشكال التعبير داخل المحاكم بما فيها الاحتجاجات ورفع الشعارات.