الحملة الانتخابية بين “الكلافيي” والميدان.. الأحزاب تراهن على الرقمي دون التخلي عن التقليدي
بات من الواضح أن الأحزاب السياسية أصبحت اليوم تعول على وسائط التواصل الاجتماعي بشتى أشكالها؛ إذ تعتمد عليها لتسويق برامجها ووعودها الانتخابية، بل تستخدمها في الوقت نفسه كمنصة لمهاجمة الخصوم السياسيين عبر التضليل والسخرية والانتقاد والتهكم أحيانا.
ولم يقتصر الأمر على المنشورات أو التدوينات فقط، بل شمل أيضا الاستعانة بالبث المباشر والمنصات الرقمية لنقل اللقاءات التواصلية والندوات الصحفية والمهرجانات الخطابية لشرح برامجها ومواقفها السياسية للمواطنين بشكل مباشر. ومع ذلك، يقر المتتبعون بأن طقوس الحملات الانتخابية التقليدية لا تزال حاضرة، وذلك بحسب خصوصيات البنية الثقافية والاجتماعية في بعض المناطق بالمغرب.
ويبقى الهدف النهائي واحدا، ويتمثل في استقطاب الناخبين وحثهم على التوجه إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر 2026؛ فالرهان هو الظفر بأكبر عدد من الأصوات، بما يسمح برسم ملامح الخريطة السياسية وتحديد ملامح الحكومة المقبلة.
في هذا السياق، لم يتردد إدريس الأزمي، النائب الأول للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، في الإقرار بأهمية مواقع التواصل الاجتماعي لدى الأحزاب السياسية، والتعبير عن ذلك خلال حديثه في برنامج “ساعة الصراحة” على القناة الثانية، قائلا: “قبل كنا كنقطعوا السباط، دابا ولينا كنهّرسو الكلافيي”.
وتعكس هذه العبارة بوضوح حجم التحول الاستراتيجي في اشتغال الفاعلين السياسيين، وتطرح تساؤلات حول مدى نجاح شبكات التواصل الاجتماعي في تعويض النضال الميداني وطقوس الحملات الانتخابية لإقناع الناخبين.
من هذا المنطلق، يؤكد عبد العالي بنلياس، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، أن “انتقال وسائل التواصل الاجتماعي إلى المجال السياسي فرضته التحولات الاجتماعية الكبرى”، لكون هذه الوسائط أصبحت، بحسبه، “جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية لعموم المواطنين لتلبية مختلف الاحتياجات والخدمات”.
التحول الرقمي
في غضون ذلك، أوضح الأستاذ أن “الأحزاب السياسية تستغل اعتياد تصفح منصات التواصل الاجتماعي عبر مختلف الشرائح العمرية والاجتماعية”، مستفيدة “من غياب الحواجز التقنية للوصول المباشر إلى أكبر قاعدة ممكنة من الناخبين والناخبات للترويج لبرامجها ومرشحيها”.
وأبرز أستاذ العلوم السياسية أن منصات التنظيمات الحزبية تمكن من الدفاع عن حصيلتها الحكومية والتعبير عن مواقفها بمرونة، إلى جانب “توفير آلية تفاعلية سريعة للرد على الحملات المضادة الصادرة عن الخصوم السياسيين في مختلف القضايا”.
وفي سياق متصل، أشار عبد العالي بنلياس إلى “اعتماد وزارة الداخلية نفسها تقنيات الاتصال الحديثة والمنصات الرقمية لتدبير مختلف محطات العملية الانتخابية”؛ وشمل هذا التحديث، بحسب المتحدث، “الجوانب المرتبطة بالتسجيل في اللوائح ومعالجتها، إضافة إلى إرساء نظام الإيداع الإلكتروني لترشيحات الأحزاب السياسية”.
ويوافقه الباحث في علم الاجتماع علي الشعباني الرأي، مبرزا أن “الأحزاب السياسية باتت تعتمد بشكل شبه كلي على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع اللجوء إلى اتصالات خفية ووسائل مشروعة وغير مشروعة لإقناع الناخبين”، بحسب تعبيره.
وعود الدعاية الافتراضية
وأشار الشعباني إلى أن “المنصات الرقمية تستغل لتسويق البرامج الانتخابية وطرح وعود واسعة قد يتحقق جزء يسير منها أو تبقى حبرا على ورق”، فبحسبه، “تدرك التنظيمات الحزبية حجم تأثير شبكات التواصل في توجيه الرأي العام، مما دفعها لتخصيص موارد بشرية ومادية ضخمة لاستمالة أصوات الناخبين”.
وعلى صعيد آخر، شدد الباحث في علم الاجتماع على أن الوسائط الرقمية تتعايش مع الأساليب التقليدية، إذ لم تنجح التكنولوجيا الحديثة بعد في إلغاء الطرق التقليدية التي تحافظ بدورها على فاعليتها.
استمرار طقوس الحملات التقليدية
وأضاف علي الشعباني أن “الممارسات الكلاسيكية تظل حاضرة بقوة في المشهد الانتخابي”، مشيرا إلى “التجمعات الخطابية، والجولات الميدانية في الأحياء والقرى، وكذا المنشورات والصور الدعائية”.
وقال إنه “لا تزال الحملات الانتخابية تحتفظ ببعض الأساليب الميدانية القديمة مثل نصب الخيام، وإقامة الولائم والأفراح وتوزيع الأطعمة، إلى جانب شبهات توزيع الأموال لاستمالة الناخبين طيلة الأسابيع القليلة التي تسبق يوم الاقتراع”.
وبموازاة ذلك، تتكامل الأساليب التقليدية مع قوة وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب الباحث الاجتماعي، وذلك “بوصفها أدوات أسرع وأوسع انتشارا في توجيه الرأي العام، دون أن تتمكن المنصات الرقمية من إلغاء الحضور الميداني المعتاد”.
ويتفق مع هذا الطرح عبد العالي بنلياس، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، معتبرا أن آليات التواصل الكلاسيكية، كالتجمعات الخطابية واللقاءات المصغرة، تظل داخل الدواوير وفي الأسواق الأسبوعية محورية في الحملات الانتخابية.
ويربط المتحدث هذا الحضور القوي “بخصوصيات البنية الثقافية والاجتماعية للمجال القروي الذي يشكل محددا أساسيا وحاسما في مسار الفرز السياسي بالمغرب”.
واختتم أستاذ العلوم السياسية تصريحه بالتأكيد على أن “هذا التطور يعكس انتقال المنظومة الديمقراطية والانتخابية الوطنية إلى مرحلة مؤسساتية جديدة تعتمد على التكنولوجيا”، مبرزا أن “هذا الوضع الجديد يفرض على الفاعلين السياسيين والحزبيين ضرورة التأقلم السريع مع هذه التحولات الرقمية واستيعاب متطلباتها”.