إرهاب البوليساريو
دون أن أكون “ضدّها” بالضرورة، لم أتحمّس قط لفكرة إعلان جبهة البوليساريو منظمة إرهابية. ونظرت دائما إلى التحركات الساعية إلى ذلك، خاصة في الكونغرس الأمريكي، على أنها من التكتيكات التي تحاول تنويع وسائل الضغط. كما آمنت دائما بكون الأفق العملي الحقيقي هو بناء مستقبل واحد مع جميع الأطراف الإقليمية، خاصة منهم من يدّعون الانتماء إلى الأرض المتنازع عليها، والتي نؤمن بمغربية إنسانها قبل جمادها.
لكن ما أقدمت عليه الجبهة يوم أمس الثلاثاء 05 ماي 2026، من استهداف لأماكن مدنية في مدينة السمارة الآمنة، في لحظة يعرف الجميع أنها تفتح الباب أمام فرصة لبناء هذا المشترك، تحتّم مراجعة لوحة القراءة هذه.
المشكلة ليست في المقذوفات الثلاث التي سقطت في محيط مدينة السمارة، بل في المعنى الذي تحمله، وفي التوقيت الذي اختارته له الجبهة، وفي اللغة السياسية التي تصدر بها من خلالها.
فأن تُطلق مقذوفات على مدينة، قرب السجن المحلي وخلفه وفي محيط المقبرة، حتى دون أن تُسجل خسائر بشرية هذه المرة، لا يجعلك أمام “رسالة عسكرية” بالمعنى الذي تحاول الدعاية الانفصالية أن توحي به، بل أمام فعل أقرب إلى الإرهاب السياسي.
إنه قصف لا يغير موازين الميدان، ولا يفتح ممرا تفاوضيا، ولا يربك الخصم استراتيجيا، لكنه يستهدف الأمن النفسي للمدنيين ويعتمد منطق الترويع الرمزي لمدينة مفتوحة على الحياة العادية. وهذا هو تعريف اليائس حين يفقد الأمل في السياسة ويعجز عن الحرب، فلا يبقى له إلا قصف المدنيين.
وحتى نفهم ما جرى في السمارة، لا يكفي أن نقرأه كحادث معزول، أو تكرارا مملا لمناوشات اعتادت الجبهة أن تغلفها ببلاغات عسكرية خشبية. السمارة ليست اسما جديدا في هذا السجل. ففي أكتوبر 2023، أدت أربع انفجارات في المدينة نفسها إلى مقتل شخص وإصابة ثلاثة آخرين، في أول مشهد واضح منذ سنوات لانتقال القصف من خطاب “الأقصاف” إلى لحم المدنيين ودمهم.
لم يكن السؤال العسكري حينها، كما هو الآن، هو الأهم، بل السؤال السياسي. ماذا يعني أن تتحول مدينة مدنية داخل الصحراء المغربية إلى هدف لمقذوفات لا تملك أية وظيفة عسكرية؟
الجواب بسيط بساطة المقذوفات البدائية نفسها، ويعني أن الجبهة، كلما تقلصت أمامها إمكانات التأثير الحقيقي، اقتربت أكثر من أسلوب التنظيمات الإرهابية.
الجديد في هجوم هذا الأسبوع ليس في عدد المقذوفات، ولا في أثرها الميداني، بل (كما لاحظ مسؤولها الأمني السابق مصطفى سلمى ولد مولود) في السرعة التي تبنت بها البوليساريو العملية عبر وكالة أنبائها، كما لو أنها كانت في حاجة إلى إعلان عاجل عن “إنجاز” ما، لتسويقه داخل المخيمات قبل أي مكان آخر.
يعني هذا أن الرسالة لم تكن موجهة إلى الرباط أو إلى الأمم المتحدة فقط، بل أيضا إلى جمهور يعيش منذ سنوات في المخيّمات على وعود الحرب التي لا تحرر، وعلى خطاب “الدولة” التي لا تتحقّق، وعلى زمن سياسي يزداد ضيقا كلما اتسع العالم خارج الأسوار.
هذا اليأس لم يأت من فراغ. فمنذ أشهر، والملف يتحرك في اتجاه لا يمكن أن يريح لا قادة الجبهة ولا المستفيدين من استمرار الجمود.
ففي نهاية أكتوبر 2025، اعتمد مجلس الأمن قرارا أمريكيا يدعو إلى مفاوضات على أساس خطة الحكم الذاتي، ويجدد ولاية المينورسو، في تحول مهم داخل اللغة الأممية، بينما كانت واشنطن قد أعادت في يوليوز 2025 تأكيد دعمها لسيادة المغرب على الصحراء، ثم تبعتها لندن وباريس ومدريد، قبل أن يتسع الدعم الدولي أكثر خلال الأشهر اللاحقة.
وحين سحبت مالي، في أبريل 2026، اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” وأعلنت دعمها لمقترح الحكم الذاتي، لم تكن تضيف مجرد صوت إفريقي آخر إلى لائحة الرباط، بل كانت تقول إن حتى عمق الساحل، الذي كان يُراهن عليه خصوم المغرب كفضاء مناورة، بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس.
هكذا يكتسب التحول في لهجة الجزائر دلالة أكبر من مجرد تغيير في النبرة. فالرئيس عبد المجيد تبون، الذي لم يكن في السابق يفوت فرصة لتكرار الرواية الصلبة نفسها، قال هذه المرة، في مقابلة بثها التلفزيون الجزائري ونقلتها وكالة الأنباء الرسمية، إن هناك “قرارا أمميا يشق طريقه دون عراقيل” بشأن الصحراء، وإن الإدارة الأمريكية على دراية بالأفكار الجزائرية في هذا الصدد.
طبعا، لا يعني ذلك أن الجزائر حسمت أمرها، أو أنها انتقلت فجأة من موقف إلى آخر. المسألة أعقد من ذلك بكثير. فداخل النظام الجزائري نفسه، كما توحي بذلك تسريبات الصحافة الجزائرية وبعض الإشارات الصادرة عن محيط القرار، ليس هناك إجماع سلس على أي انتقال من هذا النوع.
هناك مؤسسة عسكرية ما تزال ترى في النزاع جزءا من تعريفها لذاتها ولدورها الإقليمي، وهناك أجهزة وشبكات ومصالح بُنيت لعقود حول منطق الاستنزاف والعداء وإدارة الملف بوصفه خزانا للشرعية الداخلية.
لهذا، فإن أي انزياح رسمي نحو الواقعية لن يمر دون مقاومة. والبوليساريو نفسها، في هذا السياق، واحدة من أدوات هذه المقاومة، باعتبارها أداة ميدانية وسياسية وإعلامية لإثبات أن الملف ما يزال قابلا للتفجير إذا اقترب من نهايته أكثر مما ينبغي.
لهذا لا تبدو ضربة السمارة تعبيرا عن قوة الجبهة، بل عن خوفها من أن يتحول المسار الدولي من إدارة النزاع إلى حسمه، ومن أن تنتقل الجزائر من الاستثمار في الورقة إلى البحث عن مخرج مشرّف منها، ومن أن تصبح الجبهة نفسها عبئا على الجميع، بما في ذلك على الذين صنعوها ورعوها ومولوها.
ولعل أكثر ما يفضح هذا الخوف هو سلوك الجبهة الذي يجعلها في الوقت الذي تدفع فيه واشنطن نحو التهدئة واحترام وقف إطلاق النار كمدخل إلى أي تقدم سياسي، وتواصل الأمم المتحدة الحديث عن فرصة لصنع زخم جديد؛ تختار أن ترد على هذا كله بقصف منطقة مدنية.
حين تطلق جماعة مسلحة مقذوفات على محيط مدينة آمنة، خارج أي معنى عسكري مباشر، بهدف إثبات الحضور أو تخريب المناخ السياسي أو بعث رسائل إلى الداخل والخارج عبر ترويع الناس، فهذا سلوك إرهابي، حتى لو جرى تغليفه بخطاب “الكفاح”.
الإرهاب ليس ما تفعله الجماعات الدينية المتطرفة فقط. بل هو في جوهره، أن تستعمل العنف العشوائي ضد الفضاء المدني لإنتاج أثر سياسي عبر الخوف. والبوليساريو فعلت ذلك في السمارة في السابق، وتفعله الآن مرة أخرى، لأنها لم تعد تملك ما هو أرقى منه سياسيا ولا أنجع منه ميدانيا.
قادة الجبهة يخشون أن يتحولوا من “حاملي قضية” إلى شهود على نهايتها، والمستفيدون داخل الجزائر يخشون أن يُسحب من أيديهم ملف طالما استعملوه لتأجيل أسئلة الداخل، والشبكات التي تعيش من الجمود تخاف أن يفسد الحل تجارتها الطويلة في الوهم.
وفي مثل هذه اللحظات، يكون الإرهاب هو اللغة الأخيرة لليائسين.